«الهوية الصامتة» هو عنوان الرواية الجديدة للكاتبة اللبنانية ليلى أبي سمرا (الصورة)، الصادرة في باريس عن «دار لارمتان». الرواية، الصادرة بالفرنسية، تأتي بعد رواية أولى، صدرت قبل أعوام، عن الدار نفسها، وحملت عنوان «تجاعيد حلم»، وانعقدت على رصد نتائج الحرب الأهلية اللبنانية، والتمزّقات الفردية والجماعية الناجمة عنها التي ضربت جيلاً كاملاً، ودفعت بأفراد منه إلى الهجرة ومن ثم التوزّع في المنافي الباردة.

«الهوية الصامتة» تأتي استكمالاً لورشة الأسئلة المعلّقة، التي طبعت رواية أبي سمرا الأولى، بحثاً عن «الأمان الذهني والنفسي والعاطفي وحتى المعنوي الذي تبدّد» مع استعصاء التغيير اللبناني واستحالته، والآثار غير القليلة الناجمة عن هذه الاستحالة على يوميات الاغتراب المكاني الطوعي الثقيلة. فالكاتبة التي تعيش، عن وعي وإدراك، انفصام المكان الذي فُرض عليها اختياره والزمان الذي عاشته، ترفض الاستسلام، وتصرّ على معاودة العيش، وإيقاظ الأحلام التي دفعتها وجيلها إلى الرهان على التغيير الذي ما كان ممكناً إلا بالحرب التي فرضها تمسّك القيّمين على النظام العفن ونواطيره بما اخترعه الاستعمار من أضاليل وخدع. فوهم القدرة على كسر الانقسامات الموروثة أو المفتعلة لبلد صنعته الكذبة وعاش عليها، لم يفض، بحسب الكاتبة، إلى تحقيق الأحلام الكبيرة التي راودت جيلها الذي فُرض عليه ركوب مركب الحرب طلباً للعدالة الاجتماعية بعيداً عن التلفيقة اللبنانية المولّدة للحروب.
تتميز «الهوية الصامتة» بسلاسة السرد وغنى المضمون، وتنطوي، كسابقتها، على مخزون ثري من مشاهدات الكاتبة الشخصية وانطباعاتها الخاصة المحفوظة جيداً. كما وتغوص، وإن بشكل موارب، في هشاشة الوجود الإنساني البعيد عن حقيقته «الأولى» المرتبطة بالانتماء الحر والفاعل بحثاً عن أسئلة الوجود العميق التي لا أجوبة لها.
في صمت الهوية الذي اختارته أبي سمرا عنواناً للرواية يكمن الجهر العالي بالمكنونات المتراكمة التي يصعب استبدالها. فالهوية الحقيقية، بحسب ما تنضح به سطور الرواية، هي التي تعاش بالوعي وما يتصل به من لا وعي، لا تلك التي تُكتسب بالحاجة أو بالرغبة.
يذكر أن الروائية المولودة في شبعا تعيش متنقّلة بين باريس وبيروت، مدينتها الأم، التي رعت تفتّح أحلامها قبل أن تُرغم كما غيرها على الابتعاد على أمل كامن بالعودة ومحاولة تكرار تحقيق ما تعذّر تحقيقه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا