البندقية | كأنّ السينما ألقت تعويذتها على الجزيرة. كأنّها الدواء! جزيرة «ليدو» قبل «مهرجان البندقية السينمائي الدولي» كانت فارغة تقريباً. ومع بداية المهرجان قبل أيام، فُتحت المحالّ، وجاء زوار المهرجان بلا خوف من التجمعات. اختفت تقريباً أقنعة الوجه في الطرقات والمطاعم والمقاهي، لكن الإجراءات الصحية للمهرجان لا تزال كما هي. أقنعة داخل قصر المهرجان والصالات. التباعد في أماكن التصوير لا يزال مفروضاً. السجادة الحمراء ارتفع حولها حائط طويل لمنع الجمهور والصحافيين والمصورين الذين لم يقدموا بياناتهم الصحية من الدخول (ولكن لم يمنعهم الحائط، ارتفعت الكاميرات في أيديهم من وراء الجدار). كل شيء يسير بسلاسة، ما عدا الحجز الإلكتروني، إذ أنّ الإدارة أجبرت الجميع على حجز مقاعدهم في الصالات إلكترونياً (حجز ثلاثة أفلام قد يستغرق 30 دقيقة)، فقد كان من الأسهل لو أنّ هناك تطبيقاً على الهواتف.

احتفال افتتاح المهرجان كان كبيراً. للمرة الأولى، يُعرض الاحتفال الافتتاحي والفيلم الافتتاحي مباشرة في جميع الصالات السينمائية في إيطاليا. اجتمع في الافتتاح مدراء ثمانية مهرجانات أوروبية (البرتو باربيرا (البندقية)، كارلو شاتريان (برلين)، تييري فريمو (كانّ)، لي لي هينستين (لوكارنو)، فاينا كالودجرفتش (روتردام)، كاريل أوتش (كارلوفي فاري)، خوسي لويس ريبوردينوس (سان سباستيان)، تريشيا تاتل (لندن). وقفوا جنباً إلى جنب «لإعادة التأكيد على أهمية فن السينما كدليل على التضامن مع صناعة السينما العالمية التي تضرّرت بشدة من الوباء» قال باربيرا.
السحر الذي كان في الخارج، لم نجده في فيلم الافتتاح. فيلم إيطالي افتتح المهرجان، للمرة الأولى بعد إحدى عشرة سنة. عودة السينما الإيطالية لافتتاح المهرجان لم تكن موفّقة جداً. يبدو كأن الجدار الذي عزل السجادة الحمراء عن فضول الجمهور، هو نفسه الذي بناه الزوجان حول نفسيهما في فيلم «الروابط» (خارج المسابقة الرسمية) للمخرج الإيطالي دانيالي لوكيتي. الفيلم مقتبس من رواية بالعنوان نفسه، نُشرت عام 2014 للكاتب الإيطالي دومينيكو ستانوني. الفيلم سرد الانهيار المؤلم لزواج فاندا (ألبا رورواكر) وألدو (لويجي لوكاسيو). مع الذكرى الجديدة لفيلم «قصة زواج» الذي قدّمها نواه بومباك في «الموسترا» العام الماضي، تحدّى لوكيتي انهيار الزوجين، وواصل طوال الفيلم التنقّل بين وجهات النظر.
نحن في نابولي، زواج فاندا وألدو يدخل في أزمة عندما يقع ألدو في حب ليديا (ليندا كاريدي). ثم نلقاهما مرة أخرى بعد سنوات، لا يزالان متزوجين مع طفلين. اعترافه بالخيانة كلّفه، الطرد من المنزل، ومواصلة قصة الحب مع ليديا، بعيداً عن زوجته وأطفاله. الرغبة في رؤيتهم مرة أخرى، وعواطفه القديمة، تدفع ألدو للعودة إلى فاندا والأولاد. مع ذلك، لم يتم إصلاح بعض الأشياء، والحياة لا يمكن أن تعود كما كانت. ولكنها في بعض الأحيان تمشي بمفردها إلى نهاية مريرة، لأن لا أحد يملك القوة أو الإرادة للغضب والقتال.
ليس الحب وحده ما يربط الإنسان، ولكن هناك شيء يتبقّى حتى بعد زوال الحب. بقاء الزوجين مع بعض ليس عن حب. يمكن أن يكون عن حقد، عن عار، عن كره، عن خزي. يخبرنا الفيلم عن الضرر الذي يسببه الحب عندما يجعلنا فجأة نغير قراراتنا ومواقفنا وطريقنا. والأسوأ عندما يتوقف عن مرافقتنا. لوكيتي يأخذنا ذهاباً وإياباً في الوقت، ويزودنا في كل مرة بجزء من القصة. اختار أن يروي المشاعر المعقّدة من خلال لقطات قريبة جداً، وحدّد نفسه في مساحة صغيرة جداً، في الديكورات الداخلية والشقق الصغيرة والغرف، حيث تحدث المأساة الحقيقية، التي تحمل البلاء والتعاسة.
تقع على المشاهد مهمة إعادة تجميع قطع القصة، وترتيبها من أجل معرفة، أين انتكست، وما التضحية التي قدمها الزوجان لأطفالهما البالغين الآن الذين يشاركون القصة بعد هذه السنوات. خلف الأبواب المغلقة، يقدّم لنا المخرج لوحة غير كاملة عن ايديولوجية الأسرة في جو مشحون بالنغمات الدرامية التي كان يسهل تجاوزها وعدم إبرازها. ولكن المخرج استسلم لها، ليجبرنا على اتخاذ موقف ما، ولشرح الكثير عن الشخصيات وأفعالها. كأنه يريد أن ينقل كل كلمة من الكتاب إلى الشاشة! حاول لوكيتي بناء لوحة جدارية لعائلة، بمشاهد ذات كثافة عاطفية. ولكن التزامه بالرسم التركيبي للشخصيات، نقل فيلمه إلى منطقة الكليشيهات: الرجل الخائن والأناني والجبان، المرأة المنزعجة من المسؤوليات الأسرية والفراغ اليومي، والأطفال المصابون بصدمات نفسية بسبب الانفصال. في النهاية، نعرف جيداً صعوبة نقل رواية إلى فيلم سينمائي، بخاصة إذا كانت الرواية تتحدث عن الكثير من المشاعر المتشابكة والمركّبة. حاول لوكيتي كثيراً، لكنه لم ينجح... بدا كأنه ينقل الرواية بحذافيرها، كأنه حفظ الرواية والشخصيات، لكنّه لم يفهمها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا