تنقّل حليم جرداق (1927)، خلال تجربته الفنية، بين مدارس وأنماط متنوّعة. حتى يمكننا القول إنّ الفنان والناقد والأكاديمي اللبناني، لم يترك أسلوباً فنياً إلا ووطئه رغم أن اسمه ارتبط لفترة بالكولاج، ذلك الزائر الجديد الذي لم يعجب الغاليريهات آنذاك، واعتبر بفضله جرداق من المجدّدين بعدما أدخله إلى الفن اللبناني. احتفاء بتجربته الفنية الطويلة التي عاصرت أجيالاً مختلفة من المحترف التشكيلي اللبناني يكرّم «اللقاء الثقافي في ضهور شوير» وجهاً أساسياً من وجوه الفن الحديث المحلّي ضمن أمسياته «يا زهرةً في خيالي» التي تقام في «المركز الإنجيلي للمؤتمرات» (عين القسيس الشوير) عند السادسة من مساء الغد، بحضور نقيبة الفنانين التشكيليين السابقة كلود عبيد، والأكاديمي والشاعر ربيعة أبي فاضل والفنان هنيبعل سروجي، ومؤسس اللقاء الثقافي أدهم الدمشقي. محطّات ومسارات كثيرة صنعت رحلة جرداق، التي خاض فيها الكتابة أيضاً في مؤلّفيه «عين الرضا» (1995) و«صورة ذاتية: تحوّلات الخط واللون» (1975)، وهما عبارة عن كتابات وتأمّلات في لوحاته وفنّه. رغم انخراطه في الكتابة، ظلّ جرداق منحازاً إلى الألوان والريشة والمواد الأخرى التي دخلت لوحته مثل الزجاج والتنك. بعد تخرّجه من «الأكاديمية اللبنانية للفن» (ALBA) عام 1957، سافر إلى باريس حيث التحق بأكاديمية «الغراند شوميير» التي درس فيها أبرز الفنانين اللبنانيين مثل أمين الباشا وعارف الريس. بالإضافة إلى الكولاج، كان جرداق أوّل من عمل في فن الحفر الطباعي عربياً، فيما أسّس محترف الحفر النحاسي في كليّة الفنون في «الجامعة اللبنانية» التي درّس فيها منذ عام 1966. لم يركن الفنان إلى أسلوب واحد، متأثراً بفناني حركة «كوبرا» الذين اختلطت لديهم الممارسات والتقنيات والأدوات الفنية بعيداً عن التعريفات الواحدة. ظلّ يختبر ويجرّب منجرّاً إلى منطق اللعب في لوحاته، وفي أعماله النقشيّة، ومنحوتاته النحاسية والكولاجات، ولوحته التي اختبرت مزيجاً من تشخيصيّة، وتكعيبية ورمزية وتعبيرية وواقعية أحياناً، فضلاً عن تميّزه بالخطوطية التجريدية الدقيقة التي تضمّنت كائنات أسطورية شكّلت يومياته في الحرب. ولعلّ مقطعاً من مقالته «كليم اللون»، تعطينا إجابة عن دوافع هذا الفنان، وعلاقته التجديدية دائماً بفنه: «النفحة الشخصية في العمل الفني لا تكون في أن يصطنع كلّ منا لنفسه فرضيّته وهدفه الخاص، بل تكون في أن نقصد جميعاً حقيقة اللون الموضوعية في ذاتها، فنتمايز بالمجهودات المبذولة في هذا السبيل. التمايز يكون بالمجهود لا بالمقصود. إنّ العمل بهذه الروحية هو الحالة الإنسانية الطبيعية الصحيحة التي تبعدنا عما هو جزئي تعسفي استبدادي تخريبي، وتجعل إنتاجنا على ما فيه من تمايز وتنوّع وحدة متكاملة، وعلى ما فيه من فروقات انسجاماً لا تناقض فيه ولا تضارب».


* أمسية تكريمية لحليم جرداق: 18:00 مساء الغد ـــ «المركز الإنجيلي للمؤتمرات» (عين القسيس ـــ الشوير).