«سقسق»، «شفشف»، «دقدق». ليست هذه الكلمات عبثاً لغوياً، بل بعض الأفعال الصوتية التي استمع إليها المشاركون بأنفسهم، ثمّ دوّنوها في دفتر المذكّرات خلال رحلة «أصوات أبجدية البحر» مع «دار قنبز» على مرفأ الصيادين القديم أوّل من أمس. لعلّ ميناء عين المريسة، هو من بين قلّة من الأمكنة القريبة إلى البحر، التي لا تزال على حالها، لولا بعض الأبنية المحيطة به من الجانبين. المدينة تبدو أكثر علوّاً من تلك الزاوية التي دعتنا إليها الدار لاستكشاف أصوات البحر وأبجديته. جلسنا على المراكب المركونة في المرفأ، وعلى درجاته. ندين توما تتنقّل بقبّعتها بين الحاضرين. تخبر قصصاً، وتردّد أصواتاً وأفعالاً. ليست الرفوف المكان الأمثل لإبقاء كتب الدار عليها. لقاء «أصوات أبجدية البحر»، كان تجربة أخرى تكمل ما بدأته الدار في كتاب «أصوات الأبجديّة»، أي معجم الأفعال الصوتية. كتاب يظهّر خصوصية اللغة العربية تحديداً وتفرّدها، من خلال الأفعال التي تكتب بحرفين مكرّرين، وتُصدر، إذا ما قُرئت ولُفظت مرّات عدّة، صوتَ الفعل نفسه مثل طَنْطَن، وشَكْشَك، وقَهْقَه... (جمعتها ندين توما).



بالإضافة إلى الجانب السمعي، قدّم الكتاب خطاً جديداً يدعى «خط طابتي»، ابتكرته لارا أسود من الخط الكوفي المغربي والأشكال الهندسيّة كي يتمكّن الأطفال من تمييزها وحفظها في عمر مبكر. لا شكّ في أنّ المهمّة التي تحملها الدار على عاتقها في التوجّه إلى الأطفال باللغة العربية، هي متعة لكلّ الأعمار. دعتنا إلى استخراج اللغة من المدينة وبحرها، وصوت المدينة من موادها وتفاصيلها. ضمن هذا الطريقة التفاعليّة، ابتكر الحاضرون أفعالهم الخاصة بالاستناد إلى الأصوات التي تنتج من تفاعل الحجر مع الحديد والزجاج الباطون والخشب، أي تلك المواد التي تتوزّع على السنسول البحري، وفي الأبواب الخشبية المهترئة بفضل الرطوبة، والمراكب الزرقاء، وبعض الزجاجات المستخدمة في جدران الغرف. لمس المواد و«حفحفتها» ما هما إلا سبيل آخر للرؤية، ولإقامة علاقة مع مكان غائر في بقعة نطلّ عليها من فوق في العادة. نقلت «دار قنبز» تجربتها الفائضة الحسية مع اللغة، إلى المكان.


هي ليست المرّة الأولى التي تقوم بهذا خارج الكتب. لطالما أقامت مواعيد وأنشطة تفاعلية في حرج بيروت، وفي الشوارع ومرفأ الصيادين سابقاً، والأحياء البيروتية، وأخيراً دعت الناس إلى المشاركة في «الجسد أبجدية الأصوات» في «سيتيرن بيروت». أما معارض الكتاب، فتكون عادة فرصة لتحويل محتوى الكتب إلى معرض بصري تفاعلي برفقة سرد توما. رافقتنا الكاتبة والناشرة طوال الرحلة. واصلت الحديث عن المكان بأسلوب قصصي خيالي، فكاهي أحياناً، لا ينضب، لتتوالد الحكايات من بعضها بلا نهاية، عن المدينة، ذاكرة اللهو فيها، طبيعتها... أما العودة، فدائماً إلى اللغة. لم تنسَ توما أن تذكّر بمخارج الحروف، وأن تعود مجدداً إلى جذور الكلمات والمفردات. الرحلة لم تتجاوز حدود عين المريسة، لكنها كانت كافية لتظهير وجوه متعدّدة لبيروت وطبيعتها، وإن كانت قد اختفت الآن. انتقلنا من البحر إلى أرض بور لا يكاد يلحظها المارّة خلف الأبنية المرتفعة. في تلك البقعة المعزولة والضئيلة، تتجاور أشجار الأبو صفير، والأفوكادو، والزيتون والتوت. والأهم الزنزلختة التي جلس تحتها الحاضرون للتلصص على حمامات طارت ولم تحطّ لتأكل من أكياس «القنبز» التي وزّعتها سيرين عريس، الموسيقية وشريكة توما في الدار.