في 21 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1967، دشنّت مي منسى أو مي عبد الساتر (1939-2019)، زمن الصورة الملونة على القناة الرسمية (كما يذكر الإعلامي زافين قيومجيان في كتابه «أسعد الله مساءكم»)، وكانت أول وجه يطل بالألوان على المشاهدين. أول من أمس، طوت الأديبة والصحافية اللبنانية، مسيرة ناهزت نصف قرن متنقلة بين عوالم الصحافة المكتوبة والمرئية، والأدب أيضاً. رحلت مي منسى، بعد سقوطها في منزلها أخيراً، ودخولها في «غيبوبة» على إثر نزيف داخلي حاد أصاب دماغها. هكذا، انطفأت المرأة الأنيقة، عن ثمانين عاماً قضت جلّها كاتبةً، وناقدة وصحافية، ورئيسة تحرير مجلة «جمالك» الشهرية. ثمانون عاماً، قد يكون رقماً عادياً في حياة صاحبة «المشهد الأخير» (2002)، خصوصاً أنّه لم يترك تجاعيده على وجهها ولا على همّتها وحضورها الجسدي في كافة الفعاليات الثقافية والمسرحية والفنية. ظل وجهها حبيس مرحلة نضرة تتسم بسحنة ناعمة، وشعر قصير رافقها حتى وفاتها. في عام 1959، دخلت منسّى مجال الاعلام المرئي، هي الآتية من عالم الأدب الفرنسي. ظهرت كمعدة ومقدمة لبرامج عدة من أشهرها «نساء اليوم» الذي اهتم بشؤون المرأة وقضاياها آنذاك، و«حرف في طريق الزوال». بعد هذه التجربة المرئية، انتقلت الى صحيفة «النهار» عام 1969. إنّها التجربة الأهم، افتتحت مسيرة طويلة فاقت ثلاثين عاماً كناقدة في مجالات الأدب، والمسرح والموسيقى، وقد عاصرت فيها مراحل ووجوهاً من أزمنة النهضة، وكانت حاضرة في جلّ الفعاليات الثقافية في لبنان. لقاء إذاعي أجرته مي أخيراً على «مونت كارلو» الدولية، استعانت به الإعلامية غابي لطيف، لتنعي ضيفتها آنذاك. في ذلك اللقاء، قالت منسى إنّها لا تكف عن «الحلم والانتظار والتأمل»، وكشفت عن خوفها من «الخيبة والانتظار». لذا «تعيش يومها، وغداً ليس لها». الغد ليس لها، بالفعل، فقد غادرتنا بشكل مفاجىء، حتى من دون أن تكون جليسة الفراش. في مجموعة الرثاءات التي امتلأت بها وسائل التواصل الاجتماعي، من محبين ونجوم في الإعلام والسياسة والفن، ثمة تركيز على استخدام أسماء لبعض رواياتها كونها تتماشى مع رحلة منسى الأخيرة. استعار هؤلاء عنوان روايتها «أنتعل الغبار وأمشي» (2006- دار رياض الريّس) للدلالة على طريقة رحيلها، فيما آخرون فضّلوا الاستعانة بعنوان روايتها «المشهد الأخير» (2002- دار النهار)، ليكون بالفعل نهار وفاتها المشهد الأخير. في جعبة منسى، العديد من الروايات، الصادرة باللغتين العربية والفرنسية، من ضمنها «حكاية ناصر» (دار نوفل-1972)، و«أوراق من دفاتر شجرة رمان» (دار النهار -1998)، و«أوراق من دفاتر سجين» (دار النهار -2000)، و«حين يشق قميصه» (2009)، و«الساعة الرملية» (2008- دار رياض الريس)، و«قتلت أمي لأحيا» (دار الريس)، وأخرى لم تنشر بعد أو لم يتسنَّ لصاحبتها إكمالها، كروايتها المكتوبة بالفرنسية (لم تنشر بعد) «ما اسمي؟» المستوحاة من مدينة «حلب» السورية، ورواية «الغربة»، التي كانت في طور الانتهاء من تدوينها. هي شقيقة الروائية الفرنسية-اللبنانية المعروفة فينوس خوري غاتا، التي جمعتها بها آلام العائلة، والعذابات الناجمة عن أب متسلط، وشقيق أنهكه المرض. هكذا، عبّرت كل واحدة بقلمها عن هذا الواقع المرير، إن كان عبر منسى وروايتها (النسخة الفرنسية) sous les branches du grenadier (2012( أو غاتا التي جسدت هذه المعاناة في روايتها Une maison au bord des larmes (2017)،التي تعكس قصة حياتها في بيروت. برحيل منسى، تطوى صفحة عامرة في تاريخ الصحافية الثقافية في لبنان، واسم بالطبع لن ينساه كثيرون ممن عاصروها.


* يحتفى بالصلاة لراحة نفسها غداً الثلاثاء عند الساعة الواحدة ظهراً في «كنيسة مار مارون» (الجميزة)- وتُقبل التعازي قبل الدفن عند الساعة 11:00 ويومي الأربعاء والخميس في صالون الكنيسة.