كان | بعد الحفاوة البالغة التي استُقبلت بها تحفة النرويجي جوهاكيم ترير «أقوى من القنابل»، عثرت الكروازيت مساء أمس على جواب للسؤال الذي يعود إلى الواجهة مع مطلع الأسبوع الثاني من كل دورة من دورات «مهرجان كان السينمائي الدولي»: ما هو الفيلم الذي يمكن أن يكون مشروع «سعفة ذهبية» من شأنها أن تحظى بالإجماع؟ صاحب «أوسلو، ٣١ أغسطس» (جائزة «نظرة ما» - ٢٠١١) قدّم عملاً مبهراً سلط فيه الضوء على الجراح النفسية لمراسلي الحروب الذين يجوبون العالم لتغطية النزاعات المسلحة، بكل ما يتخللها من مجازر وبشائع وفظاعات.


هذا ما يترك في نفوسهم لاحقاً شروخاً عميقة، وخفية، لكنها أشد وقعاً من القنابل التي يتعرضون لمخاطرها على أرض المعارك خلال انجاز تغطيتهم. ومن هنا جاء عنوان الفيلم «أقوى من القنابل»! بهذا الشريط، تعود السينما الاسكندنافية إلى صدارة الكروازيت، للمرة الأولى منذ اعلان لارس فون ترير شخصاً غير مرغوب فيه، وطرده من المهرجان عام ٢٠١١، إثر تصريحاته الاستفزازية التي عدّها بعضهم - مخطئين- تمجيداً للنازية! وقد منح جوهاكيم ترير هنا النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير دوراً مبهراً يعد من أفضل أدوارها على الشاشة، منذ رائعة مايكل هانيكي «عازفة البيانو» (جائزة افضل ممثلة - كان ٢٠٠١). تتقمص أوبير دور مصورة فوتوغرافية فرنسية تقيم في نيويورك وتعمل مراسلة حرب للـ «النيويورك تايمز». في أثناء تغطيتها للاحتلال الأميركي في أفغانستان، تكون شاهدة على الكثير من الفظائع، ومنها فاجعة مقتل طفل في الثامنة في غارة اميركية. تقوم بتصوير طقوس تغسيله وتكفينه ودفنه على يد عائلته، وتلتقط صوراً تتصدر إحداها الصفحة الأولى في «نيويورك تايمز»، لكن تلك الفاجعة تترك شرخاً عميقاً في نفسها يفضي بها ــ بعد أشهر من الاكتئاب ــ إلى الانتحار.
وشاءت مصادفات البرمجة أنّ هذا الفيلم الذي يسلط الضوء على بشائع الحروب، تزامن عرضه مع الفيلم الفلسطيني الوحيد المشارك في هذه الدورة، وهو dégradé للأخوين عرب وطرزان ناصر، الذي قُدم ضمن «أسبوع النقاد». هذان السينمائيان المشاكسان، اللذان ينافسان ايضاً على «الكاميرا الذهبية»، لكون هذا الفيلم أول عمل روائي طويل لهما، كانت الكروازيت قد اكتشفتهما، قبل عامين، في برنامج الأفلام القصيرة الذي تشرف عليها جمعية Cinéfondation، التي أسسها جيل جاكوب، وما زال يشرف عليها حتى بعد تقاعده، هذه السنة، من ادارة المهرجان.
التوأمان الفلسطينيان استقطبا الاضواء، آنذاك، بفيلمهما القصير Condom Lead، الذي تناول فظائع الحروب الإسرائيلية على غزة في قالب من الكوميديا الفاقعة، مما جعل Cinéfondation تتبنى تمويل عملهما الروائي الاول، الذي صنع الحدث في «أسبوع النقاد» هذه السنة. ويروي الشريط معاناة سكان غزة من الحصار والحروب المتكررة، من خلال مجموعة من النسوة، تتصدرهن النجمة هيام عباس، يلتقين في صالون حلاقة تديره اختصاصية روسية متزوجة بفلسطيني، ترفض مغادرة القطاع، برغم الظروف المعيشية غير المواتية لمزاولة مهنتها، كندرة الماء، وانقطاع الكهرباء باستمرار، فضلاً عن العنف الذي قد يتفجر في اي لحظة، مع تجدد الغارات الاسرائليلية، او بفعل صراعات «الإخوة الأعداء» بين حماس وبقية الفصائل الفلسطينية.
ووجّه الفيلم نقداً لاذعاً لحماس، بسبب استئسادها على بقية الفصائل وعلى سكان عزة، من خلال شخصية كاريكاتورية فاقعة تقمّص دورها طرزان ناصر بنفسه. الشخصية هي مقاتل حمساوي غريب الأطوار يتجول في شوارع غزة ممسكاً الكلاشنيكوف بيمناه، فيما يسراه تجر أسداً عجوزاً، مقصوص الأنياب، استولى عليه من حديقة حيوانات مجاورة!