strong>رنا حايك

«أتمنى أن يكون الرحيل مفرحاً، وألّا أعود أبداً». حين قالت تلك العبارة، لم تكن فريدا كالو (1907 ـــــ 1954) تدرك حجم التأثير الذي ستخلّفه وراءها، وأنّها ستبقى دوماً في دائرة الحياة على رغم العذابات التي ذاقتها. رغم مرور 56 عاماً على رحيلها، بعد حياة صاخبة فنياً وسياسياً وعاطفياً وإنسانياً، ما زالت الفنانة المكسيكيّة الشهيرة حاضرة، عبر حياتها وفنّها، كإحدى أساطير عالمنا المعاصر. هكذا وصل أثرها إلى بيروت، حيث حلّت ضيفة على أحد البيوت التراثيّة القديمة التي تقع في شارع «مار لويس» في منطقة الأشرفية.
لقد صار لفريدا غرفة هنا، بمبادرة من الفنانة والناشطة الاجتماعية كيكي بوكاسا، مديرة مركز «Roof 68» للفنون. ها هو السرير الذي احتضن آلامها وأمضت عليه سنوات العذاب الطويلة والعمليات الجراحية المتلاحقة، بعد إصابتها بشلل في رجلها اليمنى بسبب حادث سير مروّع في مراهقتها. وها هي المرآة التي علّقتها والدتها أفقياً فوق السرير، كي تواجه ساعات العذاب والانتظار الطويلة برسم نفسها. إنّها المرآة الشهيرة نجدها في لوحاتها الدامية. صور الرفاق التي نُزعت من الصحف القديمة، تزيّن أيضاً جدران المنزل: دييغو ريفييرا الحبيب الصعب، الفنّان الشيوعي الحاد الطبع الذي كان معلّم فريدا وزوجها، ورافقها حتى الرمق الأخير. وعلى مقربة من دييغو يقبع الرفيق ليون تروتسكي الذي عاش علاقة خاصة وغريبة مع كالو، في منفاه المكسيكي، حيث عاد فسقط برصاص عملاء ستالين. على الجدران المطليّة بألوان المكسيك الزاهية، لوحات استعاديّة لبورتريهات فريدا كالو، وأخرى مستوحاة من أعمالها ومن حياتها، أنجزها فنانون من لبنان ومن الخارج.
«فور إعلاننا فكرة إقامة معرض مستوحى من حياة كالو على «فايسبوك»، فوجئنا بحجم طلبات المشاركة. ولم نجد حلّاً سوى تبديل الأعمال المشاركة، بين الحين والآخر، كي يتاح عرضها جميعاً»، تروي كيكي بوكاسا. الفنانة الشابة تسلك مساراً خاصاً، يجمع بين الإبداع والنشاط المدني والاجتماعي، وذلك ضمن جمعية VAPA للفنون البصرية والأدائية التي يتبع لها مركز «Roof 68». لقد عملت مع أطفال من ضحايا عدوان 2006، ومع طلاب المدارس بهدف التوعية على أخطار الإيدز، ومع المساجين لمساعدتهم في اكتشاف أنفسهم والتعبير عنها من خلال الفنّ وعالم اللون العابر للغات والثقافات.
من خلال مغامرتها الجديدة The House of Frida (بيت فريدا)، اختارت الفنانة اللبنانية زميلتها المكسيكيّة البعيدة كي تساعدها على ترسيخ «استقلالية المركز والجمعية، ولإشراك أفراد المجتمع جميعاً في المشروع الفني والاجتماعي». بطاقات الدخول إلى المعرض الذي يستمر لأشهر، تسهم في تمويل مركز «روف 68»، وهو بمثابة اشتراك يتيح لصاحب البطاقة الإفادة من مختلف الفعاليات المتعلقة بالمعرض، كالندوات وعروض الفيديو... ولم تكن كيكي تتوقّع هذا النجاح: «فوجئنا بالإقبال، وقد بعنا 130 بطاقة خلال أول ساعتين فقط من الافتتاح».
في السياق ذاته، تعترف بوكاسا بأنّ أسعار الالتحاق بالدورات التي ينظمها Roof 68 ليست زهيدة، لكنّ الإدارة تأخذ في الاعتبار الظروف المادية لبعض المشاركين. على سبيل المثال، حين يطلق سراح بعض المساجين ممن تدربوا مع VAPA، ستتاح لهم المشاركة مجاناً في أحد محترفات الموسم الشتوي، مثل الكتابة الإبداعية، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم، والرسم بالأصابع (وهو الأسلوب الذي تعتمده بوكاسا)، والإخراج السينمائي، والكومكس، والطبخ الإيطالي...
الفن «وسيلة اجتماعية مفتوحة للجميع» تقول مضيفتنا، مشيرةً إلى أهميّة التفاعل في العملية الفنية القائمة على التأثر والتأثير. تستلهم بوكاسا هنا مسيرة الرسام جان دو بوفيه الذي جعل من مرضى الأعصاب الذين عالجهم عن طريق الرسم مصدر وحي لأعماله. والفنانة اللبنانية الشابة كان يحركها دافع مماثل العام الماضي، حين احتلت غاليري «مختبر الفنّ» على درج مار نقولا في «الجميزة»، وبقيت ترسم 72 ساعة متواصلة، وأعين المارة ترقبها من خلف الواجهة الزجاجيّة...



للاستعلام: 03/466764