هل ثمة جديد في المؤلفات عن المؤامرات الاستعمارية على المشرق العربي؟ هذا المؤلف يؤكد أنّ الإجابة نعم. فالأعمال العلمية المعتمدة على الوثائق الرسمية التي رفعت عنها السرية، تحوي الكثير من المعلومات التي تؤكد ما تورده المؤلفات التاريخية. العمل الذي يعتمد شاهد عيان، كالذي بين أيدينا، يكتسب أهمية زائدة.
صاحب المذكرات، أرسلته شركة النفط الأميركية "ستاندرد أويل كومباني" للتنقيب عن النفط في فلسطين، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. هذا الجانب مهم، وكان مهملاً، إذ لم يتوافر في المكتبات أي مؤلف يتناول عامل النفط في صراع الغرب الاستعماري على فلسطين، سوى أخيراً، وسنعمل على تقديمه للقارئ المهتم في عرضنا المقبل المقرر يوم السبت 30 نيسان (أبريل) المقبل.
شركة النفط الأميركية كان همّها الحصول من السلطات العثمانية على امتيازات التنقيب عن النفط في فلسطين، وكان لها ذلك، حتى دخول واشنطن الحرب العالمية الأولى، ما اضطر صاحب المذكرات إلى العودة إلى مقر عمله في نيويورك حيث عرض خدماته الجاسوسية المتنقلة بين فلسطين ودمشق وحلب والقاهرة واسطنبول على الاستخبارات البريطانية. لكن الأمر انتهى به إلى العمل لمصلحة استخبارات بلاده، لأن عرضها المادي كان أفضل، وهذا وفق كلماته هو، حيث عيِّن بصفة «مندوب خاص لوزارة الخارجية الأميركية في مصر». وقتها، قرر الرئيس الأميركي ودرو ولسن منح وزارة الخارجية سلطة رعاية سياسة بلاده في المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى. ولذا كان على صاحب المذكرات إرسال تقاريره إلى House Enquiry التي شارك فيها نحو مئة أكاديمي أميركي، وتحولت في ما بعد إلى «مجلس العلاقات الخارجية/Council on Foreign Relations» الشهير.

إبراز عامل النفط في صراع الغرب على فلسطين

ترك الكاتب مذكراته في صورة أوراق أودعها مكتبة "جامعة ييل"، والمؤلف الحالي يحوي أجزاءً منها، والبقية حرّرها رفاق له بعد وفاته.
اهتمام الشركة الأميركية بفلسطين، ومن بعدها في سوريا قرب نهر اليرموك، مصدراً للنفط، جاء بعدما استفهم ثلاثة فلسطينيين، هم مصرفي يوناني أرثوذكسي لم يُذكر اسمه، وسليمان بك ناصيف وهو فلسطيني بروتستانتي ذو علاقات عمل واسعة في مصر وكان يزور أوروبا على نحو مستمر، وأخيراً إسماعيل حقي الحسيني، عن مدى توافره في منطقة البحر الميت.
إسماعيل بك الحسيني وعائلته كانوا يقطنون في مبنى من ثلاثة طوابق يقع خارج سور القدس القديمة، تحول بعد مؤامرة تقاسم فلسطين بين أنظمة سايكس بيكو إلى فندق "نيو أورينت هاوس"، أو "بيت الشرق الجديد"، الذي اتخذته سلطة المقاطعة في رام الله مقراً لها بعد تصالحها مع العدو وتنازلها عن فلسطين للحركة الصهيونية.
بعد ذلك، اختلف إسماعيل الحسيني مع شريكه الأميركي الذي امتلك حقوق التنقيب، مهملاً إسهامه في تحصيلها من السلطات العثمانية.
مع أن المؤلف يروي سيرة مفصلة نوعاً ما عن عمل الكاتب الأصلي، ومشاهداته في المشرق العربي، وكان شاهداً على مؤامرات الغرب تجاه العرب المعروفة، إلا أنّه يحوي معلومات لم يسبق لي تعرّفها من قبل.
من الأمور التي لفتت انتباهي قول صاحب المذكرات إن ترجمان السفارة البريطانية في اسطنبول، واسمه جيرالد فتزمورِس، المولع بالصهيونية وتحويل فلسطين إلى وطن توراتي، حتى لو اقتضى الأمر أن يتم ذلك على حساب حقوق أهلها الفلسطينيين، هو من اقترح على الباب العالي تعيين الحسين بن علي شريفاً على مكة، ما قد يشرح بعض خلفيات علاقات تلك العائلة بالاستخبارات البريطانية المستمرة إلى يومنا.
من الأمور الأخرى الجديرة بالتنويه في هذا العرض إبلاغ صاحب المذكرات رؤسائه في واشنطن أن فيصل بن الحسين وجماعته لا يمثلون العرب ولا شعبية لهم في بلاد الشام، وذلك على عكس ما تورده كتب التاريخ المؤدلجة. لعل أفضل مرجع عن مشاعر عرب سوراقيا شعر الأديب العراقي معروف الرصافي في فيصل بن الحسين، العميل البريطاني وحليف العدو الصهيوني.
من الأمور الأخرى الجديرة بالذكر هنا أنه سمع باتفاقية سايكس ــ بيكو قبل اندلاع الثورة البلشفية، ما يعني أنها لم تكن بالسرية التي تروى عنها.
التفاصيل الجديدة الواردة في المؤلف أكثر من أن يستوعبها أي عرض، ونحن بالتالي نوصي به، رغم اختلافنا مع بعض الآراء السياسية لصاحب المذكرات ومحررها.