هذا المؤلف يمكن أن نعدّه استكمالاً لمجموعة من المؤلفات سبق لنا عرض بعضها في هذا المنبر، وأخرى سنعرضها تباعاً. أحد المعلقين كتب عنه «الاستثناء الأميركي! لكن عندما يتعلق الأمر بآلية السلطة، فإننا نشبه المجتمعات الأخرى، وتلك التي سبقتنا. ثمة وحشية سلطة معاندة معروفة في العالم وعبر التاريخ».
يروي المؤلّف سيرة رئيس «وكالة الاستخبارات الأميركية» ألن دلس. خلال فترة رئاسة هذا الأخير للوكالة، منحها الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور سلطة مطلقة للحفاظ على هيمنة واشنطن في العالم. وهي مارست تلك السلطة من دون رقيب أو حسيب. عملت على ترتيب انقلابات في دول «العالم الثالث»، أشهرها إطاحة القائد الإيراني الشعبي محمد مصدق، وترتيب انقلابات عسكرية أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، إضافة إلى جرائم الاغتيالات التي لا يمكن إحصاؤها، والتهديد باستعمال السلاح الذري ضد خصوم واشنطن، وقد سبق لنا عرض جوانب من هذه الأمور في «الأخبار».

تنفيذ اغتيالات وانقلابات عسكرية في دول «العالم الثالث»

رئيس الجاسوسية الأميركية، كان مهووساً بمعاداة الشيوعية، وهي التهمة التي وجّهتها واشنطن لكل من رفض هيمنتها، من ضمنهم بعض قيادات حلفائها. وما ساعده في هذا الأمر هو أن شقيقه جون دلس كان وزيراً للخارجية إبان فترة حكم الرئيس آيزنهاور، والذي كان هو الآخر، كما رئيسه، مهووساً بمعاداة الشيوعية. يرى الكاتب ديفد تالبُت أن مجيء الرئيس المغدور جون كندي إلى السلطة عام 1961 غيّر وجهة السياسة الأميركية القائمة على المواجهة، لكنه احتفظ بمجموعة من قيادات العهد الجمهوري الأسبق، ومنهم ألن دلس رئيساً لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» التي تأسست في عهد الرئيس الأميركي ترومان عام 1947، وكانت، وعن حق، الحكومة الخفية التي تعلو أي قانون. وبحسب الكاتب، فإن ألن دلس عدّ نفسه ذراع السلطان، لكن اليسرى، المكلفة بإنجاز أحطّ الجرائم وحياكة المؤامرات. على سبيل المثال، فإن معاداته الجنونية للشيوعية، دفعته إلى تجاهل عدد التضحيات التي قدمتها شعوب الاتحاد السوفياتي ودور الجيش الأحمر الحاسم في هزيمة النازية، فعمل على الاحتفاظ برجال الاستخبارات النازية وأجهزتها وتشغيلها ضد موسكو. وقد عملت «وكالة الاستخبارات المركزية» على تسهيل فرار القيادات النازية، ومن ثم إحضارها إلى واشنطن للعمل في خدمتها.
بالمناسبة، ذكر أحد المؤلفات عن سيرة الجنرال آيزنهاور أنه أرسل كبير المحققين النازيين في «قوات الإس إس» كـ«هدية» إلى الرئيس جمال عبد الناصر لتدريب قوات الأمن المصرية!
يركز الكاتب على أمرين في مؤلفه الموسوعي، هما علاقة ألن دلس بالرئيس المغدور كندي، وكارثة غزو خليج الخنازير في نيسان 1961، التي هدفت إلى إسقاط الرئيس فيدل كاسترو.
الرئيس كندي الذي وافق على خطة دلس في خليج الخنازير، أعلن تحمّله المسؤولية الكاملة عن الكارثة، وطرده من الخدمة، لكن بعدما كال له المديح. يرى الكاتب أن دلس الذي بدأ العمل في الجاسوسية منذ أيام الرئيس ودرو ولسن، واصل عمله وجعل من منزله مقرّاً لمعاداة سياسة الرئيس كندي التي عدّها محابية لموسكو، وكان يلتقي هناك كبار رجالات الدولة والجيش ورجال الأعمال. بل إن الأمر وصل به إلى حدّ اللقاء في نيسان 1963 بشخص كوبي اسمه باولينو سييرا مارتينز، الذي كان سفاح طاغية كوبا فولغنثيو باتيستا، ومرتبطاً على نحو وثيق بالمافيا الأميركية. إلى الآن، لم ترشح أي معلومات عن مضمون ذلك اللقاء، لكن الكاتب يوحي بأنه خصّص للحديث في اغتيال الرئيس جون كندي.
يقدم الكاتب أسباباً عدة لاتهامه هذا، ومنها أن دلس أصرّ على أن يكون عضواً في لجنة وارن للتحقيق في خفايا اغتيال كندي في 22 تشرين الثاني 1963، وأصرّ على عضوية رجاله فيها، إلى حدّ أن المراقبين أطلقوا على اللجنة اسم «لجنة دلس». في اللجنة، أصرّ دلس على التمسك بأن أزوالد ارتكب الجريمة منفرداً.
يشير الكاتب إلى حقيقة أن الصحافة الأميركية لم تتجرّأ على طرح تناقضات الجريمة أو حتى على مساءلة المسؤولين؛ هذا يسري إلى يومنا هذا، والمؤلف يطرح الأسئلة المحظورة التي تشكل جوهر المؤلف. كذلك ينقل الكاتب عن الرئيس ريتشارد نكسون قوله عقب إعلان روبرت كندي يوم 16 آذار 1968 ترشحه للرئاسة: هذا سيؤدي إلى نهاية سيّئة. الرب فقط يعرف نهاية هذه المسألة.