يتناول هذ الكتاب، بالبحث المفصل، مأساة اسطنبول، المسكوت عنها حتى وقت ليس ببعيد، لكن من منظور تحليل دور الصحافة التركية في الشحن الديني والطائفي. الموضوع هو مذبحة المسيحيين، أو الروم كما هم معروفون في تركيا، يومي السادس والسابع من شهر أيلول عام 1955، أي إبان حكم عدنان مندريس رئيساً للوزراء. وهناك من الباحثين من يضيف يهود تركيا، أي الدونمة، إلى ضحايا تلك المذبحة.
في اليومين المذكورين، تعرضت 5682 مؤسسة «رومية/ مسيحية أرثوذكسية» للتدمير على يد قطعان الغوغاء. المؤسسات المدمرة والمنهوبة ضمت 2500 متجر و670 بيتاً في جادة الاستقلال. أما محتوى متاجر المسيحيين المدمرة والمنهوبة، مما خف وزنه ورفع ثمنه إلى الملابس والمأكولات وما إلى ذلك، فقد نثرت في الطرقات والأزقة. النهب طاول أيضاً ما تبقى من كنائس الأرثوذكس في المدينة وتدنيس محتوياتها وتدمير الكثير من الأعمال الفنية فيها ذات القيمة التي لا تقدر بثمن. المدافن المسيحية الأرثوذكسية لم تسلم من المجون الإرهابي، ومن ذلك فتحها وبعثرة عظام الموتى، بل وصل الأمر ببعض المجرمين من الغوغاء إلى إخراج جثمان شخص مات حديثاً وأعملوا فيه تقطيعاً بالسواطير، بينما أُخرج جثمان طبيب من القبر أياماً قليلة قبل اندلاع المذابح وجرى «شنقه» على جذع شجرة! عدد القتلى المسيحيين وفق المصادر الأرثوذكسية بلغ نحو 400 إنسان. مثّلت هذه المذبحة المروعة نهاية مرحلة في تاريخ الجمهورية التركية التي نشأت وفق اتفاقية لوزان التي أعقبت حرب الاستقلال. عملت الكاتبة أولكو أيور على تقصي أسباب اندلاع تلك المذبحة من خلال متابعة دور الصحافة المحلية، التي كانت المصدر الأساس للأخبار في تركيا، وخصوصاً في أعقاب اللبرلة التي سادت فيها، حيث سمح بإنشاء الأحزاب وإصدار الصحف. استشارت الكاتبة محتوى 17 صحيفة يومية تركية، ذات علاقة بموضوع العمل، ابتداءً من 1/07/1955 إلى 30/09/1955، أي نحو 400 افتتاحية وعمود. ولتأكيد صحة ترجماتها إلى الأصول التركية، وضعت العديد من المانشيتات والمقالات باللغة الأصلية وأتبعتها بترجمتها الشخصية.

مقاربة أوضاع الملل في الدولة العثمانية وتركيا من بعدها

ذكرت الكاتبة تفاصيل الأحداث فقط كي تعطي صورة تفصيلية لما حصل، الذي فرض عليه الصمت التام لفترة طويلة، لكنها عادت ببحثها إلى تاريخ الدولة/ الأمبراطورية العثمانية وعلاقاتها مع رعاياها من غير المسلمين، آخذة في الاعتبار حقيقة أن أغلبية سكانها كانوا من «الروم»، كما تلفت الانتباه إلى مذابح أخرى شهدتها الإمبراطورية العثمانية، ومنها على سبيل المثال أحداث عام 1844 في جبل لبنان، وأحداث مدينة مكة عام 1855، وأحداث عام 1858 في مدينة جدة وفي سوريا...
تابعت أولكو وضع غير المسيحيين وتطورهم عبر القرن الأخير نتيجة تدخل الدول الأوروبية وفرضها إصلاحات على الباب العالي لتحويل الملل والذميين إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون؛ على الورق في معظم الأحيان، كما حلّلت تفاصيل القوانين العثمانية المسماة التنظيمات، ومن بعدها القوانين التركية وسياسات مختلف الأحزاب الجديدة تجاه مسألة الأمة التركية وسياسة التتريك الإجبارية التي فرضتها على رعاياها! قبل ولادة الجمهورية وبعد ذلك. وهي ترى أن مسألة تحول الدولة العثمانية إلى جمهورية عَلمانية، أي دولة لكل المواطنين، ساهمت إلى حد كبير في إشعال نار الكراهية في قلوب البعض من الطائفيين الذين لم يقبلوا مساواتهم بـ «الكفار».
الصحافة التركية في عهد عدنان مندريس، ومنها، على سبيل المثال، «جمهورييت» و«حرييت» و«اسطنبول أكسبرس»، و«وقت»، و«وطن»، و«ملييت»، عمدت بعضها، وفق ما أوردته المؤلفة، إلى تأجيج الكراهية، علماً بأنها قدمت معلومات مختصرة عن كل صحيفة مذكورة في المؤلف وعن ملاكها ومحرريها.
شرحت الكاتبة تمييزها الخبر من العمود، ومن أصناف الكتابة الصحافية الأخرى، ومكانها في الصحيفة؛ أي إن كانت افتتاحية رئيس التحرير أو عموداً في الصفحة الأولى، أو مانشيت وخبراً مرفقاً بتعليقات ضمن النص وما إلى ذلك، مع شرح للاختلافات وتأثير كل منها في المتلقي.
أُولكو أيور لم تهمل مقارنة وضع المسيحيين أو لنقل: غير المسلمين، في الإمبراطورية العثمانية بأوضاع مختلف الطوائف المسيحية وغير المسيحية في أوروبا، حيث سادت الحروب الدينية قروناً طويلة وقادت إلى إبادة كل شواهد مراحل أوروبا ما قبل المسيحية.
في الوقت نفسه، تؤكد الكاتبة على الدور السلبي للتدخل الأوروبي في شؤون الدولة العثمانية وفرضها مجموعة من الإجراءات التي أفادت المستعمر، ومنها على سبيل المثال الامتيازات التي مكنت الدولة الأوروبية من كسب مواقع لها في الدولة العثمانية، ما ساهم في تأجيج المشاعر المعادية للغرب.
الكاتبة لا تهمل أيضاً تأكيد الدور الدولي الاستعماري في حدوث تلك المذابح، التي اندلعت إبان الصراع على مستعمرة قبرص، التي تضم جالية تركية كبيرة، بين اليونان من جهة وبريطانيا من جهة أخرى. فهي تورد رسائل من لندن إلى أنقرة، التي كانت، كما بريطانيا، تعارض استقلال ومطالبة اليونان بضمها. إحدى الرسائل التي بعث بها هَرُلد مكمِلان الذي كان وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ورئيس الوزراء لاحقاً، تحوي تأكيده على أن اندلاع أعمال شغب في اسطنبول ضد «الروم» سيفيد بلاده وتركيا في مواجهة مطالب أثينا.
مؤلف مهم وثري بالمعلومات عن أوضاع الملل في الدولة العثمانية وتركيا من بعدها، ومرجع أساس يساعد القارئ على إدراك أسباب مشاعر الخوف والتوجس لدى «الأقليات» من المستقبل الغامض، وكثير من الصراعات المحتدمة إلى يومنا في بلادنا وخلفياتها التاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية والمذهبية.