مريد البرغوثي



- ألو، الأستاذ أحمد سعيد محمدية؟
- نعم
- أنا اسمي مريد البرغوثي و...
- يا أهلاً بالشاعر. إنت بتحكي من بيروت؟
كانت رضوى بجانبي في غرفة الفندق، وضعتُ يدي على سماعة الهاتف وقلت لها مندهشاً:
- بيقول لي أهلا بالشاعر!
كنا، رضوى وأنا، المتزوجين حديثاً، قد قررنا ترك الكويت بعد فترة قصيرة فيها (خالي كان ضابطاً شارك مع كتيبة كويتية في حرب 67 وبما أني كنت أدرس في جامعة القاهرة، بحث عني بعد الهزيمة وطلب مني أن أسافر للاعتناء بعائلته في الكويت، ففعلت)، قررنا العودة إلى القاهرة عن طريق بيروت بالطائرة حيث توقفنا ثلاثة أيام، ومنها إلى الإسكندرية بحراً.
كنت أظن أنني بحاجة إلى مقدمة طويلة لطلب موعد للقاء محمدية وطرح فكرة نشر ديواني الأول في الدار المرموقة التي هو صاحبها ومديرها. كنت، وأنا المقيم في الكويت، أظن بأن أحداً لم يسمع بي في بيروت، عاصمة النشر العربي، رغم أن قصائد متفرقة كانت قد نشرت لي في مجلات «الآداب» و«مواقف» و«الكاتب» و«الطليعة» وغيرها.
واصلتُ حديثي:
- أنا في فندق الحمرا.
- شرّف اشرب فنجان قهوة. أكيد عندك ديوان. هاته معك.
في دقائق، وافق على نشر ديواني الأول الذي حمل عنوان «الطوفان وإعادة التكوين» في «دار العودة»، وصدر بالفعل في أول يوم من كانون الثاني/ يناير1972. كنت قد أعطيت نسخة أخرى من المخطوطة لمنى السعودي لتصمم لي غلاف الديوان. رسمته بالفعل. لكنها وضعت عليه اسم منيف البرغوثي بدلاً من مريد البرغوثي!
بالطبع، لم يكلف صاحب الدار نفسه إعادة تصميم الغلاف فظهر الديوان وقد أخفى اسم منيف بمستطيل من الحبر الفضي وكتب اسمي فوقه. لا يزال بوسع المدقق أن يقرأ الاسمين ممتزجين إلى يومنا هذا. كل ما في الأمر أن منى كانت تعرف شقيقي الأكبر منيف ولا تعرفني قبل لقائي بها، ويبدو أنها سهت أو اختلط عليها الأمر. المهم أن امتزاج اسمي واسم منيف بهذه الصدفة العجيبة اكتسب عندي وعنده بعداً رمزياً محبباً، ما خفّف من قُبح الغلاف.
في تلك الأيام، كان المشهد الشعري مزدحماً بأسماء مكرّسة كالجواهري والسياب ونازك الملائكة ونزار قباني وتوفيق صائغ وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وسعدي يوسف وأدونيس وأنسي الحاج وأحمد عبد المعطي حجازي، ويتهادى حديثاً من أعماق فلسطين المحتلة صوت شعراء شباب جدد يذكرون معاً ودائماً في سطر واحد يطمس الفروق الفنية الهائلة بين تجاربهم وهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. والقرار بنشر ديوان جديد هو محاولة لدخول نادٍ عمره آلاف السنوات منذ هوميروس حتى أحدث مسودة يحاولها أحدهم هذا المساء. لم أشعر بأني أدخل منافسة مع أحد، كنت أتنافس مع اللغة ذاتها.

اليوم، بعد 12 ديواناً منشوراً وكتابين نثريين، أدرك أن كلّ كتاب أخير هو كتابٌ أول

رأيتُ دائماً (في الماضي والآن) أن الشعر المباشر بعيدٌ عن ذائقتي وحساسيتي، وتعزز ذلك من دراستي في الجامعة لقصص تشيخوف وقصائد ت. س. إليوت، وحرفنة همنغواي. الصوت الخافت الماكر عند الأول، والبناء (معمار القصيدة وتركيبها وإيقاعاتها) عند الثاني، ومعجزة الاختصار عند الثالث. وكنت أصدم زملائي، وخصوصاً زميلاتي، في الجامعة عندما أبرهن لهم أن نزار قباني هو شاعر الذَّكَر العربي بامتياز لا شاعر المرأة كما يؤكد لهم الإعلام الأدبي. أما عن التغني بالأوطان، فكنت أكرر أن اكتفاء المثقف بما معناه في النهاية «يحيا الوطن» لا علاقة له بالثقافة، بل يجب تحديد يحيا لمَنْ؟ وبمَنْ؟ وكيف يحيا؟ جموح شاب يريد أن يسلّط طوفاناً يهدم العالم الشائع ويعيد تكوينه!
ورغم أن بداية ذهابي للشعر هي هزيمة حزيران 1967 التي خلخلت عالمي الشخصي، وقسَّمت عائلتي وبلادي أنصافاً لا تتلاقى ولا تلتئم، إلا أنني اخترت لديواني الأول قصائد يغلب عليها الصوت الخفيض وتعتني أساساً بالبناء الفني، كأن أقترض الشكل السيمفوني بتقسيم القصيدة إلى حركات خمس، أو أدخل العنصر السردي أو الدرامي في نسيج القصيدة، محتفظاً دائماً بنزعة انتقادية تشك في ما يبدو يقيناً تاماً، وهي نزعة رافقتني منذ الصبا ولست مستعداً للتفريط بها في أي حال. وهي تسري خافتة في ثنايا الديوان، وفي كل كتبي الشعرية والنثرية اللاحقة. أنا ممن يعتقدون أنه إن لم يكن لديك ما تنتقده حولك (خصوصاً من الصيغ المُجمع عليها لإدارة الحياة والعلاقات بين البشر) فلا حاجة بك إلى الشعر. فالشعر يتنافى مع إقرار أي راهن. كان التغنّي بالحركات الفدائية شائعاً وكنت أكتب «أنا شاهدتُ مولده الأخير هنا مساء اليوم/ وما زالت عيوني السود أسئلة تحدّق في صباح الغد». وكنتُ مبكراً جداً، وقبل تورّطه في أخطاء قاتلة مع مرور السنوات، أنتقد عرفات «أمير العسكر» وأهمس لنفسي: «نم في العراء ألف عام/ ولا تنم، لليلةٍ، في منزل مشقّق الجدران».
في ديواني الأول، كنت أقترح على البشرية أمراً لا أقل من «الطوفان وإعادة التكوين». كنت في تهوّر العشرينيات من عمري. إنها السن المناسبة تماماً للتأكد من الحكمة (!). الأكيد أن في الديوان قصائد ندمتُ على نشرها لرداءتها. إن إتقان ما أتقنه الآخرون هو الفشل بعينه. مجرد الرغبة في إثباته فشل يبدأ قبل أن تبدأ. الرغبة الخفية في إجادةٍ تشبه الجيّد المتفق عليه، أقصر طريق لإثبات أمرين: الأول أنك قادر على الكتابة مثل المكرّسين، والثاني أنه لهذا السبب تحديداً تبتعد عن بصْمتك الخاصة، فتخسر مهما توهمت أنك الرابح. لكن الحكمة غالباً لا تأتي في موعدها. بل إنني نشرت ثلاثة دواوين أخرى بعد «الطوفان وإعادة التكوين»، من دون أن أكون مطمئناً تماماً لاتضاح خطوط بصمتي وكان عليّ الانتظار حتى نشر ديواني الخامس «قصائد الرصيف» (1980) حتى أدرك الحقيقة: هنا يسكن مريد البرغوثي. هذا بيتُ ذائقته الخاصة التي تعنيه وحده. من هنا، لا يؤرقني أن أقول إن ديواني الخامس هو ديواني الأول. لكنني اليوم بعد 12 ديواناً منشوراً وكتابين نثريين أدرك أن كلّ كتاب أخير هو كتابٌ أول. ولولا ذلك لما واصل الكتّاب الكتابة. الكتاب الأخير له نفس الرهبة الأولى، ونفس القلق الأول. لكُتُبنا الأولى، مهما كان مستواها الفني أو نصيبها من التلقّي، فضيلة لا يمكن نكرانها وهي أنها تُرجمُنا رجماً بـ«المسؤولية». بعد أن تنشر للمرة الأولى وتنتهي من وصلة الفرح بملمس الكتاب بين يديك يبدأ الذعر. تبدأ على الفور المطالب، مطالبك من نفسك ومطالب القارئ والناقد والمستمع في الأمسية والغريب الذي لمحك في المقهى صدفة. تبدأ على الفور الشكوك: هل هذا الذي نشرته شعرٌ حقاً أم أنني تسرعت؟ هل أريد أن أجعل الشعر حياتي حقاً أم أن الشعر وسيلة تنقل صاحبها إلى أماكن أخرى كأنه خمر أو حذاء؟ منذ أن نشرت ديواني الأول أصبحت مريضاً بالخوف. أخاف من الكلمات. أتمنى أن أنقل لمحدّثي حالتي من دون اللجوء إلى اللغة إذا أمكن. بل أشعر بأن عاطفةً تحتاج إلى الكلمات لتتضح هي عاطفة ناقصة أو غير موجودة. إذا غضبت من أحد الناس غضباً حاسماً أغرق في الصمت. عائلتي وأصدقائي المقربون ومن تعامل معي طويلاً في شؤون الحياة يرتبكون عندما أواجه مشكلة تسبّب فيها أحدهم بالصمت الكامل. كأنني أكتب الشعر لأستغني عن الكلام. لكن الشعر كلام. وهو على رأي تميم البرغوثي «أكفأ الكلام». من هنا مواصلة الكتابة ومواصلة الذعر معاً.