في ستينيات القرن الماضي، ومن خلال مجموعة الكتب التي أحضرها أخي الأكبر من بغداد بعد رجوعه منها وحصوله على درجة الليسانس من جامعتها، قرأت سلسلة أعلام الغرب وفلاسفته. لكن ما لفت انتباهي كتاب يتضمن ترجمات إلى العربية لقصائد إليوت، وخاصة تلك التي تبدأ: نحن الرجال الجوف، نحن الرجال المحشوّون بالقشّ. عندها عرفت أن وراء الأكمة ما وراءها! وأنه قد حان وقت الرحيل عن العقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم. فعمّقت قراءاتي في الفلسفة الغربية حتى أنني وطَّنتُ العزم على الإتيان بنظرية فلسفية غير مسبوقة قبل عيد ميلادي الثامن عشر. ثم مرّ عام وآخر دون نظرية ولا هم يحزنون! حتى كان العيد الثامن عشر الحزين فقد فشلت في تحقيق عبقريتي الفلسفية وصار وشم الفشل والخيبة ظاهراً جلياً على جبهتي. لكن في كلّ منعطف كانت هناك مفاجأة! فقد أنقذني آرثر رامبو من كآبتي، وبيّن لي أني كنت أمشي في غير طريقي الصحيح. نعم! الشعر هو طريقي ولا سواه. فوجئت إذْ عرفت نظريته للألوان وعلاقتها بالحروف، والتي كانت واحدة من النظريات التي كنتُ أسعى بها لإبهار المجتمع الفلسفي الدولي. طبعاً أنا لا أستطيع أن أخفي غيرتي منه وحسدي له أنه أنجز عبقريته الشعرية قبل أن يجتاز عامه الثامن عشر. ثمّ جاءت السبعينيات بقضّها وقضيضها كما يُقال، وكنتُ أكتب نصوصاً شعرية يصفها أصدقائي الشعراء بالتهويمات والمجنّحات والمشوّشة والبعيدة عن مرمى الشاعر المثقف العضوي المهتم بهموم الشارع والفقراء. وتمكنتُ من نشر بضع قصائد لم يلتفت إليها أحد في بعض الملاحق الثقافية في ليبيا.

ثمّ جاء الصمت العظيم الذي استمر قرابة عقدين من الزمان لم أتوقف فيهما عن القراءة في كل شي، من التاريخ والفيزياء والرياضيات والآثار والموسيقى والأديان، كل شيء بكل معنى الكلمة. استبدلت الكتابة بالرسم، الشعر بأحلام اليقظة، والدين بالموسيقى. صرتُ طبيباً ومعلماً بكلية الطب. في نهاية الثمانينيات، عدتُ لقراءة نصوصي القديمة، وفرحت بطزاجتها كأنها كتبت اليوم. وهنا حدث لقاء الجبابرة التاريخي مع نفسي، بطرحي هذه الأسئلة: هل أنا حقّاً شاعر؟ هل سأضيف شيئاً إلى الشعر؟ وإن كان كذلك، فأيّ شعر سأكتب؟ وما هو الشعر بدايةً؟ لم أجد أيّ إجابة عن أيّ من هذه الأسئلة، وما زلت لا أملك الإجابة حتى هذه الساعة! غير أني وجدت حلاً سهلاً وفلسفياً أيضاً وهو: من أراد أن يصل، فعليه أن يمشي في طريق، الطرق متّصلة ببعضها ما خفي منها وما ظهر.

في بداياتي كنت أسأل:
هل أنا حقّاً شاعر؟ هل سأضيف
شيئاً للشعر؟

فبدأت بترجمة ما يروقني من الشعر المكتوب بالإنجليزية أو المترجم إليها. ترجمتُ لويليام بتلر ييتس، ووالت ويتمان ويليام كارلوس ويليامس وغيرهم الكثير الكثير، حتى تعرفتُ إلى مذاق الشعر في أركان العالم الأربعة في الأزمنة القديمة والحديثة. وكلما أعجبتني قصيدة، أتوقّف مندهشاً من قدرة الإنسان على إنتاج كل هذا الجمال والعظمة. صرتُ أعلم أن لا كبير في الشعر، بل فقط صغار. جميعهم صغار لأنهم يسبحون في نهر لا يتوقف. صرت أعلم أن لا صغير في الشعر، بل فقط كبار، ولو ببيت واحدٍ أو مقطع أو قصيدة واحدة أو حتى بشرف المحاولة على قبض قبسة نار الشعر وبكّته.
كنتُ أسكنُ مع عائلتي في شقّة تطلّ على بحر صبراتة وورائي الصحراء الكبرى. كتبتُ كثيراً وترجمتُ كثيراً. نشرتُ مما كتبت في كتابي الأول الذي صدر عام 1993 بعنوان: «قصائد الشرفة»، وهو إصدار خاص طُبع في «مطابع السفير» بالإسكندرية في ألف نسخة. ثمّ اشترت وزارة الثقافة الليبية 750 نسخة بسعر مجزٍ. الأهم هو استقبال الأدباء والمثقفين الليبيين له، والذي كان إيجابياً كلّه. كانت لوحة الغلاف التي اخترتها للكتاب من عمل الفنان التشكيلي الليبي علي الزويك، لكن ظهرت هذه اللوحة بلون واحد، وهو اللون الأحمر، وهي التي تحتوي على ألوان كثيرة. والسبب هو كي يكون سعر تكلفة الطباعة رخيصاً وليذهب التشكيل وعلي الزويك إلى الجحيم! كذلك، على غلاف المجموعة، كتب عنوان المجموعة وتحته: تأليف ثمّ تحته اسم الشاعر، ما اضطرني إلى إخفاء كلمة: تأليف بالحبر يدوياً وأنا ألعن مع كل نسخة المطبعة والشاعر والشعر! الآن وأنا أكتب، تختلط مشاعر متناقضة في نفسي، أضحك أم أبكي؟! لا أعرف!
هل يؤلَّف الشِّعر؟! هل الشاعر مؤلّف أم أكثر من ذلك؟ أهو مخلوق يُوحى إليه أم أقرب؟ لكن هل انتهت القصة هنا؟! الإجابة، ودون حاجة إلى تفكير: لا... بل زاد الأمر صعوبة. ماذا بعد هذا الكتاب؟ ها قد تمّ الاعتراف بك شاعراً، فما أنت فاعل؟!
السؤال الذي يُؤرق ويُضني هو: هل بالإمكان كتابة ما هو أفضل من هذا؟ أم أنّ ما سيأتي بعده في حالة ما حدث سيكون مثله أو أقل؟ ثمّ كيف يمكن التفوق على الكتاب الأول؟ ولماذا هناك ضرورة أصلاً لهذا؟! معضلة كبرى!
كانت الصفحة الأولى تحمل نصّاً قصيراً بعنوان «استهلال»: «السماء مكتنزة بالنجوم/ بعضها باهرٌ/ بعضها باهتٌ/
وبعضها كما يجب أن يكون./ أقف متكئاً على حافّة الشرفة/ أرقبُ المشهد العظيم/ أحاول أن أفهم/ لكنّ هذا لا يتأتّى في اتّكاءة واحدة». وفي قصيدة أخرى من المجموعة: «فوق الجبل المطلّ على البحر العظيم باب ونجمتان./ جاءت الكواكب، الشموس، المجرات ودخلت./ جاءت الحيوانات، الطيور، الحشرات، البكتريا، الطحالب، الفيروسات ودخلت./ جاءت السحب، السماوات، الجبال ودخلت./ جاءت المياه العذبة، المياه المالحة ودخلت./ جاء الإنسان/ قطف النجمتين/ وأغلق الباب». لعلّ هذا يحمل بعض إجابات عن تلك الأسئلة! مّن يستطيع عدّ النجوم؟ تلك القصائد الكونية الكبرى. الكون العظيم في داخل الكائنات حيِّها وجمادها، أليست ما تفعله هو أن تنتظر عين خلّاق كي يجعلنا نراها؟ هذا الكتاب الشعري الأول كان مليئاً بالأسئلة الوجودية. لم يكن التوجه نحو كتابة قصائد طويلة فخمة لافتة بقدر ما كان التوّجه نحو كتابة قصيدة مقطّرة مصفّاة ككأس ويسكي بدون ثلج:

■ ■ ■

«الصيّادون مرّوا من هنا
مرّوا بدون سمك!».

■ ■ ■

«أحدِّقُ في الفراغ بلذّة
البيتُ مليءٌ بالصمت
فقد نام الأهل وسكنتْ الأشياء و...
بعوضةٌ حرّكت جناحيها
تناثر الصمتُ».
وكم من الشعراء الذين مرّوا دون قصائد! وكم من صمت يتناثر في حروب يسقطُ فيها كلّ شيء بلا تمييز ولا تخصيص! بعد هذا الكتاب الشعري الأول توالت ثمانية كتب وثلاث مخطوطات جاهزة، لا أدري إن كنت نجحت في تخطّي حميمية وألم الكتاب الأول أم لا؟