لا يشبه برتراند راسل (1872- 1970) عالم الرياضيات والمنطق، صورته كفيلسوف ليبرالي، ويساري فوضوي، ومفكّر حرّ، رغب بتغيير العالم على طريقته. هو لم يكن يوماً فيلسوفاً تقنياً محضاً، بل انخرط بعمق في أكثر قضايا عصره إشكالية طوال قرنٍ كامل. هكذا وقف على الضفة المضادة لدخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، فسُجن إثر هذا الموقف، وسيسجن ثانية لمعارضته البرنامج النووي البريطاني، كما سيقود حملة معارضة لحرب فيتنام، وسينتقد الاتحاد السوفياتي وعبودية اشتراكية الدولة، وسيعلن مواقف متحرّرة بخصوص الزواج والجنس والمثلية الجنسية. كما سيدافع عن حق الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم المحتلة في عام 1948، بالإضافة إلى مواقف أكثر حدّة في ما يتعلق بالدين والإلحاد والحرية. كتابه «ما الذي أؤمن به» (1925) الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية عن «دار ممدوح عدوان» (ترجمة عدي الزعبي) أشبه بنزهة فلسفية ذات طابع شعبي، من دون أن تفقد قيمتها الفكرية، إذ تشتبك بوضوح مع أسئلة لم تفقد راهنيتها، أقله عربياً. عناوين مثل الحرية والدين والعقلانية ما زالت بلا إجابات حاسمة. إنه أحد الهراطقة الكبار في مسألة الأخلاق والدين، وهذا ما أدى إلى طرده من عمله في الجامعات الأميركية، لكن تأثيره في مدارس «التيار التحليلي» لا يمكن تجاهله على الإطلاق.

أعلن مواقف متحرّرة إزاء الزواج والجنس والمثلية ودافع عن الفلسطينيين

المقالات المختارة هنا، تنهض على فكرة أوردها في إحدى مقالاته "الحياة الجيّدة هي تلك التي يلهمها الحب وتقودها المعرفة". وبناء على هذه الرؤية الفلسفية، تتسلل أفكاره الملهمة في معنى الإيمان، وحرية التعبير، وضرورة العقلانية.
في "ما الذي أؤمن به"، يقتحم أسوار الأسئلة الشائكة في ما يتعلّق بفكرة الله والخلود في اللاهوت المسيحي، رافضاً أي عقيدة لا تجد دعماً علمياً، معتبراً أنّ الخوف هو أساس الدين "لو لم نكن خائفين من الموت، لما وجدت فكرة الخلود"، وسوف يعدّد أسباباً وبراهين كثيرة كإجابة على سؤال "لماذا لست مسيحياً؟" محمولة على رافعة القانون الطبيعي أولاً، ثم ذلك المستمد من نظام الكون ومحاولات الكائنات الحيّة التكيّف مع البيئة، وليس العكس، وصولاً إلى اضمحلال النظام الشمسي وانتهاء الحياة على كوكب الأرض في زمنٍ معلوم، ثم البرهان الأخلاقي، ليخلص إلى أنّ فكرة الإيمان أتت من الطغيان الشرقي القديم، وتالياً فإنها "فكرة غير صالحة أبداً للفرد الحر"، إذ ينبغي ألا ننظر إلى الخلف باستمرار "تجاه ماضٍ ميت". في محاضرة ألقاها صاحب "المعرفه البشرية، نطاقها وحدودها" عام 1930، أضاف جرعة أكبر في مواجهة سؤال الدين: هل قدّم مساهمات مفيدة للحضارة؟ يجيب متهكماً بأنه عدا ضبط التقويم، وتأريخ الكسوف والخسوف والتنبؤ بهما على يد الكهنة المصريين، «فإني أراه مرضاً ولد من الخوف، ومصدراً لعذابات لا تحصى للجنس البشري". كما يشير إلى أن مفهوم الخطيئة المرتبط بالأخلاق المسيحية هو "أحد المفاهيم التي أدت إلى مقدار ضخم من الأذى". ذلك أن الأديان على وجه العموم ـــ وفقاً لما يقوله راسل ـــ فضّلت الحروب والأوبئة والمجاعات على منع الحمل، ما أدى إلى ابتعاد الجنس البشري عن السعادة بسبب التعاليم الدينية الموروثة. ولن نتخلّص من الحروب والتعاليم القاسية للإثم والعقاب، من دون أن نستعيد "أخلاق التعاون العلمي". ويلفت إلى أن هناك احتمالاً بأن تكون البشرية على عتبة عصر ذهبي، لكن بشرط "قتل التنين الذي يحرس البوابة، وهذا التنين هو الدين". من هذا الباب، يدخل إلى تفكيك معنى الإلحاد عبر أسئلة تتعلّق بسلوكيات اللاأدريين وكيفية مواجهة الغيبيات، وصولاً إلى التفكير الحرّ، ذلك الذي لا ينتمي إلى أيٍ من العقائد المتوارثة. ويشير هنا إلى أن حرية التفكير اصطدمت بعوائق وعقوبات قانونية واقتصادية، ذلك أنّ السياسة والاقتصاد شغلا الموقع الذي كان الدين يشغله سابقاً باضطهاد أكبر، وحملات دعائية أطاحت بالعقلانية وطرق التعليم الصحيحة بحجج غير جديّة، فالمطلوب هو انتصار المال والسلطة على ما عداهما كدينين جديدين في عالمنا المعاصر. لمواجهة هذه التحوّلات، يرى راسل ضرورة ألا نصدّق ما تقوله الصحافة المنحازة وتحصين التعليم من أكاذيب التاريخ المكتوب وفقاً "لخطط الأوغاد"، وتشجيع الطلاب على تعداد المرات التي "اغتال فيها تروتسكي لينين، كي يتعلّموا احتقار الموت"، وفحص التقارير الرسمية التي تثبت بأن نابليون انتصر في كل حروبه مثلاً. فالشرور في هذا العالم تنتج من النقائض الأخلاقية وغياب الذكاء، والمطلوب حسب راسل "استئصال النقائض الأخلاقية وتطوير الذكاء لمواجهة لائحة المخازي، ونشر المزاج العلمي لإعادة إنتاج البشرية على نحو أكثر سعادة". في مقالٍ آخر، يناقش مسألة الحرية الأكاديمية وخصومها، ذلك أنّ الدول الشمولية رسمت حدّاً واضحاً في هذا السياق، وهو ألا يحمل الأكاديمي أي أفكار تناقض أفكار أولئك الذين يتمتعون بالسلطة، وإلا فسينال أشدّ أنواع العقاب كأن تُتهم بالشيوعية، أو عدم الكفاءة، وتالياً كتم أصوات العقول النزيهة، بسطوة دافعي الضرائب وهستيريا الغوغاء. وهكذا بإمكاننا استبدال الشيوعية بالأميركية، والمادية الديالكتية بالحقيقة الكاثوليكية، وسوف «تحصل على وثيقة قد يوقّعها معظم أعداء الحرية الأكاديمية». دخوله عش الدبابير وضعه في موقع الاتهام من اليمين واليسار، ذلك أنّ مقاسه لا يتواءم مع القوالب الجاهزة، سواء أكانت ديمقراطية أم ليبرالية أم شمولية، فدفع أثماناً باهظة نظير دفاعه المستميت عن حرية تفكير الفرد وخياراته الشخصية في عالم مشحون بالكراهية والتسامح الكاذب. وفي المقابل، ستتوجه الأكاديمية السويدية بجائزة «نوبل» للأدب 1950، "تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمّة والتي يدافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر». علينا أن نلتفت إذاً، في جانب من كتاباته إلى بلاغته الأدبية التي يتخفّف عبرها من ثقل المصطلحات الفلسفية والأسئلة الصعبة، والصفعات الفكرية المؤلمة. في مقاله "الناس الطيبون"، نجد نبرة مختلفة وحميمية وساخرة. الناس الطيبون هنا هم "العمّات العوانس طيبات حتماً، بخاصة، طبعاً، إن كنّ غنيات، كهنة الدين طيبون، باستثناء تلك الحالات النادرة، عندما يفرّون مع فتاةٍ من الكورس إلى جنوب أفريقيا بعد أن يدّعو بأنهم انتحروا". ثم يعرّج على "أولئك الذين جمعوا ثروات ضخمة وتقاعدوا الآن كي ينفقوا أموالهم في أعمال البر والإحسان". ويضيف: "معظم القضاة أيضاً رجال طيبون"، و"يجب ألا نخشى شيئاً إلا عندما يؤدي انتشار الفضيلة إلى تقليص أرباحنا".
نخرج من فضاءات هذا الفيلسوف الإشكالي بحزمة من الأسئلة المؤجلة عمّا نعانيه نحن من كوارث، راغبين في أعماقنا بأن نستيقظ على برتراند راسل عربي بشجاعته، يطرح أسئلة مشابهة على كهنة الإسلام الجديد الغارق في كل أنماط البطش والجهل والعبودية، من دون أن يغتاله أحد.