فوزي كريم



1


«حيثُ تبدأ الأشياء» مجموعةُ قصائد كُتبتْ في السنواتِ الثلاث قبل إصدارِها في كتاب. مذاقُها حين صدرتْ في مطلعِ 1969 كان مذاقَ تلك السنوات الثلاث، ومذاقَ مرحلةِ النصفِ الثاني من العَقْدِ الستيني. ولا شك أنه كان مذاقَ مطلعِ الشباب أيضاً. أما وقدْ صدرتْ إلى الناسِ في كتابٍ فلتسجّل خاتمةَ مرحلةٍ، أفتقِدُ أساها الغنائيَّ الغامضَ المصدرِ والهدفِ حتى اليوم.
كنتُ نشرتُ عدداً من قصائدِها في مجلة «الآداب»، ومجلة «شعر». وعلى الأثرِ صارت بيروتُ جاهزة لاحتضاني. خرجَ عددٌ من الستينيين إليها، منتسبين بفعلِ شاغلٍ سياسيٍّ إلى أحزابِ المقاومة الفلسطينية. لم أكن سياسياً، بل متطلّعاً إلى هواءٍ للحياةِ يملأُ الرئة. جلستُ على صخورِ الروشةِ أمام البحر، وفي يدي بطْحةُ عرق وحفنة ترمس، فامتلأت رئتي. الشاعرُ أحمد دحبور، وكان من فتيانِ تلك المرحلة الناشطين، يتذكر: «فيما الستينيونَ يقولون إنهم هربوا من سَطوةِ البعث، على أثرِ انقلابه عام 1968، يقول فوزي كريم إنه هربَ من حرارةِ الصيف». أتذكر أن حرَّ الصيف في بغداد كان أشدّ قسوةً من سلطةِ البعث. وإن موقفي من الحزبِ الحاكمِ، وأي حزبٍ حاكم، كان وما زالَ أخلاقياً، لا تشوبُه التوجهاتُ العقائدية بشائبة.
هذه جملةُ عناصر شكّلتْ مذاقَ تلك المرحلة، ومذاقَ «حيثُ تبدأ الأشياء». اليوم، وحين أستعيدُ حياتي الشعريةَ استعادةَ الناقد، أعجبُ من عُمقِ الهوّةِ بين قصيدتي وقصيدةِ الستينيين. ولك أن تتأمل معي ذلك عبر عناوين إصداراتِهم الشعريةِ وحدها آنذاك: «رماد الفجيعة»، «الصمت لا يُتعب الموتى»، «موتى على لائحة الانتظار»، «لا شيء يحدث، لا أحد يجيء»، «سواحل الليل»... إنها ندبٌ بفعل خيبة وانكسار سياسي. وإذا خبرتَ قصائدَها فستجدها خائبةً، رافضةً، حروناً ومتمردة. في حين كنتُ أطمع أن أبدأَ حيثُ تبدأ الأشياء التي آلفُها من حولي، مدفوعاً بهمّةِ فتىً لا يريدُ أن يغادرَ مراهقتَه. يجلسُ على حافّةِ دجلة، وكأنه في حواره مع مجراه المائيّ المتدفّق يريدُ أن يغفلَ مجْرى التاريخ الدامي وراءه. في مَجْرى النهر يكمُنُ زمنُه الداخليُّ هو. في مجْرى التاريخِ يكمن زمنُ الآخرين.
ما أكثرَ الأخطاءَ في «حيثُ تبدأُ الأشياء» ونقاطَ الضعف فيها. وكأنها تعكسُ، بصورةٍ لا تقلُّ غنائيةً عن فضائلها، أخطاءَ وضعفَ الكيانِ الشاعر فيها. كنتُ أنظرُ بعين المُشْفقِ على أبرزِ مشاهدِ المرحلة: نموذجِ المناضلِ، نموذجِ اليقينيِّ الذي لا ترتعشُ مفاصلُه أمام الأسئلة، نموذجِ المعتَرك الدامي بين الأمميّ والقوميّ والوطنيّ وذي المُعتَقدِ الديني، وهم يتلاطمونَ في مسْعاهم لبناءِ المدينة الفاضلة. ومدينتُهم تدبُّ الشوارعُ فيها كما تدبُّ السلاحف، حذرةً منهم وجافلة. وعلى المفترقِ لن تقعَ عينُ الحالم على فتىً وفتاة يُقبّلان بعضاً. يقرأ المشهد في الكتب، ويراه في السينما.
حين أتأملُ مجموعتي الأولى أرى
كلِّ عناصر صوتي الشعري، الذي يتعثّرُ في خُطاه على امتدادِ نصفِ قرن: قصيدةٌ لا تتردّدُ عن أن تغنّي، ولكنّها حريصةٌ على أنْ تفكرَ في الوقت ذاته

كانتْ «حيثُ تبدأ الأشياء» مرآةً تعكسُ عن غير ثقةٍ تلك المشاهد، وكأنها في شغل شاغل عنها، أو أن شوائبَ المرحلة تُربك فيها الرغبةَ للتطلع إلى ما هو أرحب من الإنسان الأرضي، التاريخي. ولكن أساها يشي بعجزِها عن أن تحقِّقَ ذلك. كما كانتْ مرآةً تعكس جدرانَ وزوايا وباحةَ بيتنا القديم، حيث تدبُّ ظلالُنا التي كانت تُضفي على كياني الشعري مزيداً من الخيال.

2



خطَّ عنوانَها على الغلاف ابراهيم زاير، شاعرٌ وفنانٌ انتحر في بيروت عام 1972. وضع لوحةَ الغلاف مؤيد الراوي، شاعرٌ وفنانٌ توفي مؤخراً في برلين. وعلى طيّةِ الغلاف كتبَ جبرا ابراهيم جبرا كلمةً كريمةً بمثابةِ مقدمة: «قصائد فوزي كريم تنسابُ بين أحزانِ البشرِ انسيابَ الغريب الذي يحملُ جراحَه بين جوانحه، يشقى وهمْ غافلون عنه في شقائهم، أمّا هو فلا يغفَلُ عنهم لحظة:
وأحيا على لقمةٍ
تلملمُ عطرَ حياتي.
وأخشى انفلاتةَ صوتٍ
يجيءُ على شفتيّ، ويفضحُني ويفوتُ.
أقاسمُكم لقمتي
وأحفَظُ أعراقَ سوطٍ على قسماتي،
لأن صلاتي
لأجل عيونٍ تُضاءُ بأفراحهنّ البيوتُ..».
ونُشرت لدى الدار التي كانت تُصدر مجلة «الكلمة»، مجلة جيلنا الستيني بامتياز.
حين صدرتْ كَتبتْ عنها الصحافةُ الثقافة عروضاً سريعة، تميزت بعاطفة حميمة. على أن هناك ثلاثَ دراساتٍ نقدية جدية تالية، كتبها كلُّ من الشاعر يوسف الصائغ (مجلة الشعر 69 العدد الأول)، والناقدان فاضل ثامر (مجلة الكلمة)، وطراد الكبيسي (مجلة الآداب)، وضمنّوها في كتبهم في ما بعد. وفي بيروت كانتْ قصائدُها هي هويتي: شاعرٌ لا ينتسب. ليس رجعياً ولا تقدمياً. ليس يمينياً ولا يسارياً. ليس تقليدياً ولا طليعياً. ستينيٌّ، ولكن بلمسة منفي، وعلى شيء من الحزن. (الفنانةُ منى السعودي، وكانتْ حينذاك تُسهم في مجلة "الهدف"، أجرت معي حواراً، وخططتْ لي فيه بورتريتاً كتبت بين طياته: شاعري الحزين). ولم أكن أعرف مواضعَ ضعْفي الشعري حينذاك. ولكنَّ هذه الهويةَ أرضتْني. واعتبرتُها تنطوي على عناصر الشاعر الذي أرتضيه.
حين أتأملُ قصائدَها اليوم، وبعين الناقد، أقعُ بيسر على كلِّ عناصر صوتي الشعري، الذي يتعثّرُ في خُطاه على امتدادِ نصفِ قرن: قصيدةٌ لا تتردّدُ عن أن تغنّي، ولكنّها حريصةٌ على أنْ تفكرَ في الوقت ذاته. يشغلُها الأثرُ الذي تخلّفُه الحياةُ اللامرئية في الواقعِ المرئي. تتركُ مسرّاتِ التاريخِ وأوجاعِهِ إلى النثر، في حين تتوقُ هي إلى ما وراء التاريخ، إلى الأسطورة. وكم ينطوي كياني الشعريُّ على أساطير! تتزاحم الأسئلةُ الكبرى وحدها، فتكون القصيدةُ وليدةَ هذا التزاحم. كم تتحرّجُ حين تقرأ ناقدَها وهو يتأوّلُ الهاجسَ الوطنيَّ في كلمة «يا بلادي»:
«صدّقيني، يا بلادي
إن في دمعةِ عينيكِ ضياعي،
فإذا مزّقتِ في الريحِ شراعي،
سأغنيكِ شراعاً لا يهاجرْ.
وإذا علّمتني الصوتَ ومزّقتِ قناعي،
سأغنّيكِ كما غنّاكِ شاعرْ.
وإذا ألقيتِ ظلّي مرة دون وداعِ،
سأغنيكِ، لأني
شاعرٌ أُقسمُ بالخبزِ الذي يجهل موتي،
وبأيامي التي تَمضي مع الريحِ سراعا.
يا بلادي،
يا شراييني التي مزّقها نجمٌ وضاعا».
لأنها تعرف في نواتِها الغامضةِ أن لا هاجساً وطنياً في هذه الأغنية، وأنَّ البلادَ التي خاطبتْها هنا ليستْ تلك البلادَ التي في مُتناوَلِ يدِ الشاعرِ في العُرف العام. ولو سُئلتُ في حينها، أو اليومَ، عن التأويلِ لقلتُ: لا أعرفُ، إسالوا القصيدة.
لقد كان العراقُ، قبلَ موجة الحماقات الكبرى، يكشفُ بيسرٍ عن نهرِه، ونخيلِه، وأشجارِ توته، ومذاقِ ابنة الجيران، ودفءِ صداقاتِ أبناء الحي. «حيثُ تبدأ الأشياء» كانت وفيةً لكل هذا. ولأن الشاعرَ نبوئيٌّ بطبعه، ويشعرُ بما تخبئه الأقدار، فلا بدَّ من أن يتفشّى في أغنياتِه الماءُ، والنخلُ، والتوتُ، والصبيّةُ الجارةُ والصديق، كتنهّداتِ من يودِّعَ حياةً آمنةً. هذه التنهداتُ واضحةٌ في موسيقى القصائد. أما غموضُ "غرضها"، وغيابُ هدفِها، واحتراسُها من اليقينِ، وإطلالتُها الحانيةُ على ابن آدم... فمتاهةٌ عارية في لغتها.
حين جمعتُ القصائدَ التي كتبتُها في بيروت بين عامي 1970ـــ 1972، وأصدرتْها «دارُ العودة»، بعنوان «أرفع يدي احتجاجاً»، كانتْ محضَ احتجاجٍ على غيابِ تنهّداتِ «حيث تبدأ الأشياء»، التي كانت رائقة. ففي بيروت، الحورية العارية على شاطئ الروشة، أصبحتْ التنهّداتُ سُعلةَ المصْدورِ، بفعلِ دخانِ الحرائقِ القادمة، لم يكنْ يُخفيها الأفق.

* حين أتأملُ مجموعتي الأولى أرى كلِّ عناصر صوتي الشعري، الذي يتعثّرُ في خُطاه على امتدادِ نصفِ قرن: قصيدةٌ لا تتردّدُ عن أن تغنّي، ولكنّها حريصةٌ على أنْ تفكرَ في الوقت ذاته