الذكريات، الفقد، الغياب، الوحدة، والحلم، هي الثيمات التي اعتمدتها الشاعرة اللبنانية، زهرة مروة، لبناء نصوصها الشعريّة، في مجموعتها «الحياة على دفعات» («دار الرّوسم» ــ 2016). غير أنّها، ورغم ارتكازها إلى ثيمات باتت مكرورة بكثرة في النصوص الشعرية، استطاعت بابتعادها عن الأشكال التقليدية لبناء الجملة الشعرية، وجنوحها نحو لغة شفيفة متخففة من أعباء البلاغة، أن تخلق فضاءات رحبة داخل النصّ المكثّف، وأن توظّف البوح كجسر إلى أسئلة وجودية تبدو، للوهلة الأولى، بديهية، قبل أن تفتح لها نهايات الجمل آفاقاً توحي بعض النصوص أنها غير متناهية، ومبنيّة على جملة كبيرة من المتناقضات تعتمل في نفس كاتبتها، ما يمنح النصّ عمقاً يبتعد به عن العاديّ المكرور.
تُغرق نصوص مروّة بالذاتيّة، فتدنو بذلك من النثر الحقيقي، حيث الأنا مصدر كلّ شعور أو فكرة أو أمل جمعي. وبعدم اكتراثها بالشكل الشعري، ولا مبالاتها بالموسيقى الخارجية، التي التصقت بالشعرية زمناً طويلاً، تترك لجملتها حريّة الانسياب والتدفق، محمّلة بفيض من المشاعر المحاصرة دوماً بالتساؤل.

جملة غير تقليدية، ولغة متخففة من أعباء البلاغة

بين الحلم والواقع تتأرجح قصيدة مروّة، التي تعمد إلى إلغاء ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين الحالتين، محوّلة الحلم إلى صورة واقعية، أو مبتعدة بالواقع إلى عمق الحلم «تصبح تكّات الساعة عصافير مذبوحة في صدورنا، ننفصل ونتماهى مع المطلق». «منزل وسط الغابة، متزعزع. يتأهب لنزع ثيابه الحجرية، وينصهر في وحشيّة الغابة». ومن ثنايا الحلم تطلّ أطياف الراحلين. ليسوا موتى، بل هم من كان التلاشي نصيبهم، ليكونوا بذلك أكثر حضوراً. حيث الينبوع هو طاقة الحب، والذاكرة متحف للأحبة: أصبح لك تمثال في متحفي، نُصبٌ تنتفض ساعة الغفلة، يستيقظ أصحابها من كهوفهم، وإليّ يأتون».
في «الحياة على دفعات» تبدو صاحبة «جنّة جاهزة» وكأنها تقف على تخوم القصيدة، تشير إليها من بعيد، مصوّبة عينيها إلى المعنى، فتأتي قصيدتها قصيرة، مشذّبة من الزوائد، وكأنها كلمات نُسجت على مقاس المعنى، تاركة لقارئها حريّة التبحّر فيها، واكتشاف الخفايا المثيرة لما تمّت الإشارة إليه. لا ترتاب الشاعرة من البوح، بل تتخذه ذريعة تجعل القصيدة صوت كاتبتها وصداها لدى قارئها، في الآن ذاته، من دون أن تكفّ لحظة عن مطاردة المهمل من الحياة، كما المهمل من المشاعر، ومحاولة التمسّك بأثر حبّ زائل، أو الأمل بحبّ سيأتي حاملاً معه أنوات المحبوب «أعود إلى البخور والنار، إلى ساحرات لا يقتربن كثيراً من النار، يحافظن على التهويم. أحصي تعدّدي فيك».
في معظم نصوص المجموعة يحضر طيف حبيب زائل. حبيبٌ هو المخاطب، هو المتكأ في غيابه، وهو من يبرر حضور أحبّة في طريقهم إلى الزوال، ليكون البكاء صامتاً لا ينتبه إليه حتى القريبون «أبكي وكلّ شيء يمضي، لا وقت لحزني، لا وقت لتساؤلاتي، الحياة فتاةٌ على عجل. حياة توزّع حزنها على دفعات» فيتحوّل الموت إلى موت سلس «لكنّه وحشيّ».
تتمايز قصيدة زهرة مروّة في «الحياة على دفعات» عن غيرها من قصائد أبناء وبنات جيلها، بنضج شعريّ، واستخدام مسؤول للكثافة الشعورية، والمقدرة على تطويع الصوت الذاتي للخوض في مساحات العوالم الداخلية، والانتقال بها من الخاص إلى العام، ليتضح أنّ القصيدة مكتوبة بشغف، ومشغولة بإتقان، ما يجعل بساطتها قيمة مضافة إلى بنائها، حيث كلّ نصّ من نصوص المجموعة يأتي بمثابة صورة في المرآة لكاتبة هي «امرأة تتصالح مع ماء وجهها، أتى سفّاح شكّ سيفه في منتصف العودة، في قلب الطريق العاري».