لويس سيبولفيدا

ترجمة: وليد سليمان

(إلى ذكرى نجيب محفوظ)
توقّفت ريحُ الصحراء المُتربة عند الغسق، وامتزجت ملوحة رائحة البحر المتوسّط العجوز بأريج المغنوليا المرهف. كان ذلك أفضل وقت لمغادرة بيت ومتحف كافافيس، الفقير واللائق، والقيام بجولة عبر أزقّة الإسكندرية قبل العودة إلى الفندق.
كان الهواء باعثاً على الانتشاء. وأحسست بالعطش، فتذكّرت أن زجاجة الـ «كافا»1، التي اشتريتها من مطار مدريد، تنتظرني في ثلّاجة غرفتي. وقد بدا لي ذلك سبباً كافياً لأحثّ الخطى. مررت أمام مقاه عديدة ذات شرفات مضيافة دون أن أتوقّف عندها، فلم تكن لديّ رغبة في احتساء قهوة المصريين بسكّرها الزائد أو بيرة فظيعة دون كحول، لا تقلّ تجهّماً عن التعاليم الدينية التي تفرضها.

ما إن وصلت إلى الفندق حتى ذهبت لتفقّد الزجاجة. كانت موجودة هناك، باردة وفي وضعيّة أفقية، وبدا أنها لم تفلت من نظرات موظفي خدمة الغرف لأنّ أيادي خفيّة ولائكيّة كان لها من الكياسة ما جعلها تضع كُوبَيْ شامبانيا على المنضدة.
- مهما كنتَ، أباركك، تمتمتُ وأنا أفتح الباب المؤدي إلى الشرفة. لقد اشتريت الكافا للاحتفال بزيارتي لمكتبة الإسكندرية، وهي بناية عصرية جداً شيّدها مهندس نرويجي خيّب ظنّي في نهاية الأمر لأنه حرم المبنى من إطلالة على البحر. وخرجت إلى الشرفة وأنا مستعد لأشرب نخب الشاعر قسطنطين كافافيس.
ذهبتُ إلى بيتك يا صديقي العجوز، فطلب مني رجل حزين ونعسان بضع ليرات، ثم طلب مني مفتاح الباب وهو يشير إليّ بأن أضعه عند مغادرتي تحت ممسحة الأرجل المصنوعة من الحلفاء. وإزاء اندهاشي، أفترضُ أنه تمتم: لا أحد يأتي للسرقة من بيت شاعر. وذهب وهو يجرجر عظامه الهرمة المتعبة التي ربما تشتكي بأبيات على الإيقاع الإسكندري. جلست في كرسيك، وعلى مكتبك فتحت كتباً محرّرة بلغة هوميروس وكازانتزاكي، أو بعبارة أخرى تصرّفتُ مثل بربري واحتللتُ فراشك، وأغمضت عينيّ ورثيت لمصير البرابرة غير المنطقيّ الذي حلّ بي. نخبك إذن يا صديقي العجوز!
كانت الشمس الغاربة تصبغ البحر بلون فضيّ وكئيب، وكنت على أهبة رفع كأسي للمرة الثانية عندما علا، من الشرفة المجاورة، صوت امرأة كانت تغنّي بصوت منخفض أغنية لـ «كورت فايل»، إلا أنها لم تستطع إخفاء لكنتها البرلينية.
«Sourabaya Johnny, warum bist du so roh…»
كان جدار صغير تغطّيه أصص أزهار يفصل بيننا، ولم أحتج لأكثر من خطوتين لرؤيتها: كانت مستلقية على كرسيّ طويل وترتدي فستاناً أبيض من كتّان - وهو أنبل قماش للباس المرأة في اعتقادي، وقدماها الحافيتان على مقعد.
- إن جوني هذا لا بدّ وأنه فظيع. «Du bist kein Mensch, Johnny»، قلت لها بمثابة تحيّة وأنا أريها الزجاجة والكأسَيْن.
غنّت وهي تشير إلى المقعد.
«Abe rich liebe dich so»
سألتها وأنا أناولها الكأس:
- هل أنت برلينية؟
وقبل أن تجيبني، قرعتْ كأسها بكأسي وشربتْ منها جرعة، ثم وضعتها على الطاولة الصغيرة، ومرّرت أصابعها بين شعرها الأشقر الكثيف الذي يصل إلى كتفيها لتلقيه إلى الخلف في حركة ماء ذهبي. كانت يونانية لكنها عاشت سنوات طويلة في برلين. وكانت ــ كما أكّدت لي بنبرة حنين ــ إحدى أواخر يونانيّات الإسكندرية.
إن رفقة بعض النساء تدعو إلى الصمت لأنهن يعرفن كيف يتقاسمنه، ولا شيء أصعب أو أكثر سخاء منه. كنا نشرب ببطء وننظر إلى البحر. وقريباً من هناك، في مكان ما تحت السطح، كان يستقرّ تمثال «العملاق»، الصامت أيضاً، وكتب مكتبة الإسكندرية العظيمة التي أُتلفت بصمت، وهي مبعثرة على طول الساحل، مكوِّنةً ربما الأساس الخصب الذي نبت عليه نخيل المتنزّه الذي يُحاذي البحر. في الغرب، توارت الشمس ونشرت الظلال شراعها على المتوسط. دعوتُها إلى العشاء، وأنا على يقين من أنها تعرف مطعماً يمكننا أن نشرب فيه نبيذاً جيداً.
- اليوم غير ممكن، لكن أنتظرك غداً في مقهى «ميرامار»، قالت لي وهي تقف، ثم شبكت ذراعيها ووضعت يديها على كتفيها العاريين لتُفهمني أنها بدأت تشعر بالبرد.

رفقة بعض النساء تدعو
إلى الصمت لأنهن يعرفن كيف يتقاسمنه


في اليوم التالي، فعلتُ ما هو مطلوب مني: زيارة جديدة للمكتبة، وندوة في «معهد ثربانتس»، وقهوة بسكّر زائد مع طلاّب مصريين. وفي حدود الساعة السادسة بعد الظهر، سألت موظف الاستقبال عن مقهى «ميرامار».
- أمتأكّد حضرتك؟ ليس هناك مقهى «ميرامار». كان هناك واحد في عهد اليونانيين، لكنه أغلق أبوابه منذ سنوات، أكّد لي الموظف.
قلت لنفسي إن المقهى ما دام كان يسمّى «ميرامار»، فلا بد أنه كان موجوداً قبالة البحر، وانطلقت ماشياً وأنا أسأل الناس في مقاه عديدة يرتادها أناس يلعبون النرد، وهم يدخنون النارجيله وينفثون دخاناً معطّراً. لا أحد كان يعرف أين يوجد هذا المقهى.
عند منتصف الليل، عدت إلى الفندق. وفي مكان موظف الاستقبال، وجدت حارساً ليلياً عجوزاً، فسألته إن كانت السيدة التي تشغل الغرفة المجاورة لغرفتي قد صعدت إلى غرفتها. ألقى عليّ الشيخ نظرة استغراب وقال لي، بإنكليزية خرقاء بعض الشيء إنّ ذلك مستحيل، فهذه الغرفة لم تكن مشغولة أبداً، إذ أنهم كانوا يضعون فيها أثاث المالكة القديمة، وهي ألمانية كانت...
قاطعته:
- يونانية، من أواخر يونانيات الإسكندرية.
- معك حق، لقد كانت يونانية، قال متفقاً معي. وأراد أن يروي لي الحكاية لكنني أسكتُّه بإشارة مني.
أعيش مع أشباحي، أقْبَلُهم وأستدعيهم. قد تكون أبيات كافافيس جعلتني أشرب الشامبانيا مع شبح لا يُنسى جاء من حيواتٍ أخرى. وقد تكون الصحراء قد أهدتني هذا السراب الجميل، على حافة البحر، أرض الخلاص والقلق هذه.
1 ــ كافا: نوع من النبيذ الاسباني.

* لويس سيبولفيدا: ولد سنة 1949 ويعد من أبرز الكتّاب المعاصرين في تشيلي. حقّق شهرة عالمية عند صدور روايته الأولى «العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية» التي ترجمت إلى 35 لغة من بينها العربية. ومن أعماله الأخرى: «عالم نهاية العالم»، و«اسم مصارع ثيران»، و«مذكرات قاتل عاطفي»، والأخيرة ترجمت إلى لغة الضاد أيضاً.