«كيف يمكن لمن يكتب عن كتابه أن يتجنب الكتابة عن نفسه» (شبه اعتذار)


«هابط من القمر»، «فاكهة جديدة وغريبة»، أوّل شيء قرأته عني وعن شعري، في إحدى متابعات شوقي بغدادي في ملحق «الثورة» الثقافي لقصائد الشعراء الشباب، أواسط عقد السبعينيات من القرن الماضي.
قبل هذا بزمن، في الجبهة، ليلة عاصفة، أحد جنود كتيبة الإشارة، اللواء 61، يقتحم خيمتي قائلاً: «أعجبتني قصائدك في «الموقف الأدبي»»، لأكتشف أن القصائد التي أرسلتها لزكريا تامر، نشرت في العدد الخاص بحرب 1973، بعنوان آخر مأخوذ من أحد سطورها «رحلات شقائق النعمان»: «خضّب دمُ الحرية/ القُبّرة الذبيحة/ مياه الساقية/ وهكذا ابتدأت من ضفافها/ وعلى صدور من شربوا منها/ رَحَلاتُ شقائق النعمان/ الخاطفة».

شاعريته المفرطة هي ما راق عدوَّ الشاعرية!؟ فصار عنوان القسم الأول من ديواني «بشر وتواريخ وأمكنة» الذي صدر بعد ستة أعوام (1979). خلافاً لكتّاب كثيرين أعرفهم، الشعراء خاصة، أصحاب القصائد المنزّلة، يسرّني تدخّل المحررين في كتاباتي، كتغيير عناوينها (كأن هذه وظيفتهم) أو بعض كلماتها؛ زكريا تامر، لو لم يكن حينها رئيس تحرير «الموقف الأدبي»، لما نُشرت القصائد أصلاً. عباس بيضون ويوسف بزي؛ إذا لم تُنشر مادة لي في «السفير»، لسبب ما، أعود وأرسلها لتنشر في «نوافذ»، وبالعكس. أما شوقي أبي شقرا، الذي عُرف عنه لعبه بقصائد شعراء مجلة «شعر» وملحق «النهار»، ومنهم الروّاد، فقد كان شعوراً رائعاً أن أُبقي «شهوتي مفتوحة» بدل «شهيتي مفتوحة»، في إحدى قصائد «آمال شاقة»، مجموعتي الأولى الحقيقية، التي وافق اتحاد الكتاب على طبعها بالتعاون، شرط أن أشير إلى هذا على غلاف الكتاب، مقابل 1000 ليرة سورية تقدّم للمؤلف. أنا لم أوافق، ورحت أصورها وأوزعها على الأصدقاء، كما فعلت سابقاً بقصائد عديدة تعذّر نشرها، مثل «أمريكا أنتِ تعنين لنا المتاعب» (1976) تعذر نشرها على بندر عبد الحميد المشرف على القسم الثقافي في صحيفة «البعث»، حرصاً على العلاقة الطيبة بين سوريا والولايات المتحدة آنذاك، أو بتفسير عادل محمود: «ينظر بندر لقصائد الآخرين كما تنظر ربة البيت لنشر غسيل جارتها في مطبخها!». فإذا بعبد الله البردوني، الذي قابلته خلال زيارته الوحيدة للاذقية، يفاجئني بنشر القصيدة التي ظن صلاح فائق أن كاتبها شاعر أميركي، في مجلة «الحكمة» اليمنية، ومعها قصائد «فلسطيني وسوداني والثالث مغربي»، و«بيروت.. جثة ترتدي ثوب السهرة»، البدعة التي أنهيتها بقصيدتي الملعونة «ساقا الشهوة» بعد منع مجموعتي «داكن» بسببها، وتمزيق الرقابة صفحتيها في مجلة «الناقد».
لا بد من أنه تدبير سماوي صدور «بشر وتواريخ وأمكنة» كأول كتبي، مطابقاً لاعتبارات كثيرة كانت في منتهى الأهمية بالنسبة لي:
1 – الشاعر الجيد هو من يبدأ بكتاب جيد.
2 – لا عواطف تسيل من طيات الكتاب. لست الشاعر الذي يسرّه إطلاق التأوّهات، رياض الصالح الحسين في مقاله «منذر مصري يؤرشف حياتنا اليومية»، يستغرب أنه لا يوجد قصيدة حب واحدة «مع أن منذر شاب في مقتبل عمره!». مات رياض بعد ثلاثة أعوام، وهو في عمري ذاك تماماً.
3 – قصائدي العمومية، القصائد التي نُشرت وعُرفت بها، مثل: «رحلات شقائق النعمان»، «أمريكا.. أنتِ تعنين لنا المشاكل»، «تواريخ» نشرت في الملحق الثقافي «الدرس». يسألني عادل محمود: «ماذا ستكتب بعدها؟»، «المقاطع الخمسة» نشرت في مجلة «المعرفة» السورية، وقال الناقد خلدون الشمعة عني وقتها: «أول شاعر حديث في سوريا»، عارضاً عليّ أن يكتب مقدمة «بشر....». ولكن كيف لي، ويا له من سبب، أن أقبل، والمعركة على أشدها بينه كممثل للخط الليبرالي في الأدب، وبين سعيد حورانية ومحمد كامل الخطيب ومحمود عبد الواحد الشيوعيين.. أصدقائي!؟.
تقدّمت بمخطوط الديوان إلى «مديرية التأليف والترجمة» في وزارة الثقافة السورية، على دفتر مدرسي بشريط معدني، خلال إحدى رحلاتنا المكوكية (في شهري آب وأيلول 1978) التي كنا نقوم بها أنا وأبي وخالي بين اللاذقية ودمشق، بعد تأكّدنا من إصابة أمي بسرطان المعدة، قبيل سفري إلى بولونيا بمنحة دراسية لمدة ستة أشهر. أمي، وهي تحتضر، كانت الأشد حماسة لسفري، ربما لذات السبب الذي كان يدفعني أنا نفسي للسفر، وهو ألا أراها وهي تموت، على أملٍ أخرس وأعمى، أن أعود وقد شفيت. توفيت دون أن ترى اسمها على الصفحة الأولى: «إلى خالدية»، دون ضرورة لصفة أخرى، توفيت دون أن تراني.
صدر الديوان في الشهر الأخير من العام الأخير لعقد السبعينيات، وقد سبقني كلّ مجايلييّ من الشعراء السوريين، الأكبر عمراً مني بقليل، الذين ترددوا زمناً، طال أو قصر،

استغرب رياض الصالح
الحسين أن لا قصيدة حب واحدة في الديوان «مع أن منذر شاب في مقتبل عمره!»

بتبني قصيدة النثر، كبندر عبد الحميد (احتفالات ــ 1978)، نزيه أبو عفش (أيها الزمان الضيق أيتها الأرض الواسعة ـــ 1978)، عادل محمود (قمصان زرقاء للجثث الفاخرة ــ 1978). ومعهم من كانوا بعمري أو أصغر بقليل؛ سليم بركات الذي توصل باكراً إلى قصيدته الخاصة، ليعبر بعدها من التفعيلة إلى النثر بلا كسر لهذه الخصوصية. وكذلك رياض الصالح الحسين (خراب الدورة الدموية - 1979). جميعهم، ما عدا نوري الجراح (الصبي - 1982)، أصدروا مجموعاتهم النثرية قبلي. غير أن الشعر لم يكن يوماً مضمار سباق، أو حلبة مصارعة، ذلك أن كلاًّ منهم أخذ موقعه في المشهد الشعري الجديد، وقد طرأ عليه هذا التغيير الكبير، بالرغم من الموقف العدائي الذي اتّخذه شعراء الأجيال السابقة، الستينيون منهم خاصة، الذين كانوا، ولزمن مديد تلى، المتسلطنين على كل المنابر الثقافية في سوريا لتماهيهم الشديد الندرة والشديد الوطء مع أيديولوجية النظام السياسي القائم، رغم كل ما عرف عنهم من تململ وعدم انصياع يمكن تفسيره، ولو بعسف ما، كصراع بين شاعريتهم الثورية الرومانسية وارتهانهم كواجهة ثقافية لذلك النظام. كان «بشر....» كتاباً مختلفاً. شكلاً؛ حجمه الكبير، وعدد صفحاته (229)، في الوقت الذي كانت فيه «دار العودة» تعيد إصدار دواوين السياب ودرويش وأدونيس والماغوط بقياس كتاب الجيب. وغلافه الأخضر الكامد، يتوسطه مربع أبيض تطلّ منه عينان بشريتان، تحيط بهما ظلال كثيفة، وما يزيد على 30 لوحة داخلية بالحبر الصيني، رسمتها بالتزامن مع كتابتي لقصائده، أيام الحرب. ومضموناً؛ عنوانه، الذي جعل البعض يظنونه كتاباً في الجغرافيا البشرية، وقصائد تدير ظهرها لكل معايير الشعرية المعممة، واقعية وسردية، بلغة مباشرة، كأن لا همّ لها إلا الوقوع في كل مطبّات قصيدة النثر. لكن «بشر ...» استُقبل باحتفاء لافت. كتب عنه مباشرة رياض الصالح الحسين، مقاله النقدي الوحيد، كما كرّسني كتاب جمال باروت «الشعر يكتب اسمه» رابع فرسان الشعر السوري الجديد (نزيه - بندر- عادل). وهذا لا يقارن بشهادة سعدي يوسف في مجلة «البديل - 3»: «... هو الذي يعتبر الإحساس رهانه الأول، لا يفتئت على الواقع ولا يحمِّل منتقياته أكثر مما تحتمل، ولو ألَحّت عليه الاحتمالات... وربما كان لمقدرته التشكيلية دور في هذا الاعتبار، مكّن طموحه إلى الدِّقة الشِّعرية من التَّحقُّق عبر الموازنة بين المرئي والمبصر. إنّ قصيدته متميزة عمن حوله، مكتفية بنتوءات الواقع وملمس هذه النتوءات على أنامله المرهفة، محاولاً على الدوام أن يكون أميناً على شروط العملية الفنية، شرعية العملية الفنية، أي على حقيقة التركيبة التي تجعلنا نُميّز بين النصّ الإبداعي وسواه».
بقيت شاعراً بكتاب واحد، أو بكتاب وثلث إذا أُخذت بالحسبان مشاركتي لأختي مرام وصديقي الراحل محمد سيدة في مجموعة «أنذرتك بحمامة بيضاء» (1984)، مدة 18 عاماً، من 1979 إلى 1997 عام إصدار «مزهرية على هيئة قبضة يد». حتّى إني أقنعت نفسي بأن الشاعر الحقيقي هو من يصدر كتاباً واحداً طوال حياته، يودعونه معه القبر. لكن «بشر ...» تطوّع ونشلني من قبري الشاعري البائس هذا، عندما التقطه يوسف بزي من بسطة كتب على الرصيف في دمشق في أواسط التسعينيات. ولما عاد إلى بيروت، كان أول ما فعله أنه اتصل بي وسألني، ما إذا كنت مهتماً بطبع مجموعة شعرية في دار «الريس»؟
أستطيع شكر الحظ، أن يكون كتابي على البسطة، وشكر يوسف، اشتراه وقرأه وصدّقه. وشكر رياض الريس، رفيق توفيق الصايغ وجبرا ابراهيم جبرا، ينظر إلى مخطوط «الشاي ليس بطيئاً» ويقول ضاحكاً: «من أين تأتي بكل هذا الكلام». ولكن بالتأكيد إنّ ديواني الأول هو ما جعل كل هذا يحدث. لولاه لبقيت ضحية النسيان والمحو والتنكر، الذي جُوبهت به كما كثيرين أمثالي. «بشر وتواريخ وأمكنة» أنقذني وشفاني.