صلاح فائق


/1/
عند الفجر آوي الى فراشي وأنا متأنّق
ملابسي نظيفةٌ ومكوية، تحمّمتُ وتعطّرت:
أتصرفُ كضيفٍ في مناماتي.
/2/
طيورٌ واقفةٌ على سلكٍ كهربائي
تتطلعُ إلى الأفق، حيثُ سفينةٌ تحترق
طفلٌ يهذي عند البحر
غرابٌ يسقطُ - أظنّه يستحقُّ قبراً
مع باقة ورد.
/3/

القصيدةُ نهرٌ مجهولٌ يحملُ قارباً
يغني فيهِ سكارى ويختفي معهم في محيطٍ صاخب
هي امرأتي وقتما تتكلمُ كمنضدة،
كلبي وهو يبكي في سيركٍ مزدحم
إنها أنا أبيعُ حشيشاً في سجن
ثم أسترخي في حضن كنغارو
تاركاً فمي مفتوحاً، مأوى لغربانْ.
/4/
لا تطرقوا بابي لأني نائمٌ
أو أتلوى في الفراش
أخبرتني صديقتي أنها ستهجرني
ـ لماذا؟
ـ لأنكَ تعوي أثناء النوم
ـ هذا لا يمكنُ، ربما تسمعينَ شخيراً حزيناً
يحدثُ هذا أيضاً حينما أتمدّدُ على العشب
وأبدو، من بعيد، كماناً يستلقي هناك
ينشجُ عندما تعبرهُ ريحٌ قوية
أنصتُ إليهِ لوهلة، ثم أرى ريحاً أخرى
تتعثرُ بهِ، ولا أسمع أي صوت.
/5/
حياتي عرباتٌ فارغة لقطارٍ تائه
إلا من خدمٍ يرتبون موائد للاأحد
وهناك حراسٌ سمان وكهول، في رواحٍ ومجيء
في ممراتٍ خافتة الأضواء، حاملين أسلحةً قديمةً جداً.
/6/
سيطولُ انتظاركَ لتثنيَ حسناءُ على عينيكَ الجميلتين
أو تدعوكَ أشجارٌ إلى مأدبة.
انظرْ أمامكَ، ابتهجْ بأطفالٍ يضحكونَ
ويمزقونَ راياتِ أممٍ وأعلام دول
/7/
في النهايةِ ستعثرُ على تلكَ العلامة
حيث بدأتْ سلالتكَ خطواتها الأولى
بلا أملٍ للوصولِ إلى أي مكان.
مثلهم، إستبقْ أنهاراً وجداولَ
للخروجِ من هذه الأرض، متتبعاً آثارَ عصفورٍ
على رملِ شاطىء، وحولكَ أكوام مفاتيح.
/8/
أفرغتُ إحدى قصائدي من الألم
من أسوجةٍ تحيطُ سجناً
من أشجارٍ واقفةٍ عند ساحل
تتطلعُ الى سفينةٍ تحترق
من مسرحٍ فارغٍ صرخات ممثليهِ لا تتوقف
من أعاصيرَ تدفعُ أمامها نجمةً صغيرة
من الزمنِ، من طفولتي من امرأتي
ومن يدينِ تقبضانِ على جمرةٍ كبيرة
ولا تحترقان.
/9/
أوقفني في مبغى خارج مدينة أضنة
كان غاضباً، صرخَ سائلاً:
ـ ماذا تفعلُ هنا؟
- هذا بالضبط ما كنتُ أريدُ أن أسالكَ عنهُ حينَ رأيتكَ تقترب
يبتعدُ وهو يشتمُ لا أعرفُ من، ثم يلتفتُ ويقولُ :
- وتدخنُ أيضاً؟
- لا أدخّنُ، إنما أحشّش
- تحششُ في مبغى؟ شاعرٌ يحششُ في مبغى؟
- لكنهُ مسموحٌ به هنا
شاعرٌ يحششُ في مبغى، عنوانٌ جميل، سأستخدمهُ. شكراً لك
يشتمُ، لا أعرفُ منْ، وهو يبتعد.
/10/
وقال لي نم بعينينِ مفتوحتين، فنمتُ
رأيتُ مشاهد عجيبة في غرفتي – معماريينَ يرقصون، مهرجينَ هربوا من معبدٍ بوذي
جاء هواءٌ لينقلهم الى ميناءٍ بعيدٍ لكنهُ لم يعثرْ عليهم لأنهم يختبئون هنا.
وقال لي لا تغسلْ كومبيوتركَ بماءٍ عذب
لا تخفْ من ظلك، ومن مدنٍ مبنية من ضباب
إذا استلقتِ امرأة في سريرك
فدرْ حولها مختالاً حتى تناديك فتكون لك
وقالَ لي اسردْ لي ما في رأسك من حكايا، فأنا أفضّل الساردين
واعلمْ أن لا شيءَ يرضي غرورَ شاعرٍ غير أن يسردَ
وبصوتٍ خافت
/11/
نهرٌ يتجولُ، أخيراً يقفُ عندي
يستمعُ إلى إحدى قصصي وأنا أسردها على نفسي
يدعوني لأغفرَ عن أبي الذي انتحر، فأرفضُ
ثم يقترحُ أن أنقلَ على ظهري جدولاً أخفيه بأغطية وبطانيات
إلى أطفالٍ يبحثونَ عن جدولٍ
فأوافقُ .
/12/
أتوارى خلفَ شجرة حور
تمرُّ، منهكةً، فيالقُ مهزومة
إلى أينَ تذهبونَ؟ أصرخُ
تنهالُ عليّ رصاصاتٌ، أبتعدُ جريحاً
أصلُ مقهى وأرى النادلَ يبتسمُ لي من وراء زجاج الواجهة
وهناك عمال مطبعة، وجوههم مسخّمة ويتهامسون.
/13/
ما زلتُ أسمعُ خرير جدولٍ كانَ هنا قبل يومين
وشكوى أبي من جرحٍ في فخذه أثناء حربٍ وقعت قبل ولادتي
حتى آخر لحظةٍ من حياته
كتمتُ عنهُ سرَّ اختفاء حصانهِ الأبيض
الذي بعتهُ إلى مختار قريةٍ نائية.
* شاعر عراقي