فرناندو بيسوا

ترجمة: جولان حاجي

عاجلاً أو آجلاً، ومهما رغبتُ في الحفاظِ على عافيتها، تتحوّلُ كلُّ فكرة في داخلي إلى حلمِ يقظة. لو تمنيتُ الشروعَ بتقديمِ الأسباب أو الإتيان بسلسلةٍ من الذرائع، فإنّ ما يخرج من داخلي هو جملٌ تعبّر في البداية عن الفكرة بحدِّ ذاتها، ثم عباراتٌ تتبعُ جُملَ الاستهلال تلك، وأخيراً ظلالٌ من توابعِ تلك العباراتِ ومشتقّاتها. أبدأ بتأمّلِ وجودِ الله، وسرعان ما أجدُ نفسي أتكلمُ عن حدائقَ بعيدة ومواكبِ الإقطاعيين وأنهارٍ تجري، دون صوتٍ تقريباً، تحت نوافذِ تأملاتي... وأجدني أتكلم عنها لأنني أجد نفسي أراها وأحسُّها، وثمة لحظةٌ وجيزة تلامسُ فيها وجهي نسمةٌ حقيقية آتيةً من صفحة النهر الذي حلمتُ به عبر المجازات، بتلك النزعةِ الإقطاعية التي يسِمُ أسلوبُها جوهرَ تنازلي عن نفسي.
أحبُّ أن أفكر، لأنني مدركٌ أن الوقتَ لن يطول قبل توقفي عن التفكير. إنها نقطةُ الانطلاق حين أقول إن التفكير يُمتعني – فهو ميناءٌ معدني بارد لنشرِ الأشرعة صوب الجنوب الشاسع.

أحاولُ أحياناً أن أستجمعَ تفكيري في معضلةٍ كبيرة، ميتافيزيقية أو حتى اجتماعية، لأنني أعرف عبر صوتِ عقلي المبحوح أن هناك ذيولَ طواويس تتهيأ كي تنبسطَ من أجلي حالما أنسى أنني أفكر، وأعرفُ أن الإنسانية هي بابٌ في جدارٍ لا وجودَ له، ولهذا يمكنني فتحهُ لأطلَّ منه على أيٍّ من الحدائقِ التي أحبّ.
أشكرُ الله على ذاك العنصرِ العبثيّ في مصائر البشر، فهو يجعلُ الأحلام نمطَ التفكير لدى المفتقرين إلى الحياة، مثلما يجعل الحياة نمطَ التفكير – أو التفكيرَ نمط الحياة – لدى المفتقرين إلى الأحلام.
لولا أن الحلم نفسه، متدفّقاً عبر أقنية التفكير، ينتهي بإرهاقي. قد أفتحُ عينيّ من الحلم في أيةِ لحظة، لأتجهَ إلى النافذة وأنقلَ حلمي إلى الشارعِ وسطوح البيوت. وأثناء تأملاتي الساهمةِ المستغرقة في الكثيرِ الكثير من أحجارِ القرميد المقسَّمة إلى سطوحٍ منظّمةٍ في شوارع وتغطّي الاستفحالَ الفلكيَّ للناس، تنفصلُ روحي عني حقاً، فلا أعود أفكرُ ولا أحلمُ ولا أرى، ولا أحتاجُ إلى ذلك كلّه. عندئذ أتأمل حقاً التجريد في الطبيعة – فالطبيعة هي الفرقُ بين الله والإنسان.

■ ■ ■


القيامُ بشيءٍ يخالفُ ما يقومُ به الجميع يماثلُ تقريباً، من حيث السوء، القيامَ بشيءٍ آخر فقط لأن الجميعَ يقومون به. إنه يُظهر انشغالاً مماثلاً بالآخرين، وانتباهاً مماثلاً إلى آرائهم، وهذه علامةٌ أكيدة على دونيةٍ مطلقة.
ولهذا السبب أبغضُ أمثالَ أوسكار وايلد، وأولئك الذين يتعمّدون السلوكَ الشائن أو مجافاة الأخلاق، ويتقصّدون المجاهرةَ بالمفارقاتِ والآراء الهذيانية. ما من إنسانٍ رفيع يُعنى بآراءِ الآخرين مُولياً إياها مثل هذه الأهمية، فضلاً عن اكتراثهِ بمخالفتها.
بالنسبة إلى الإنسانِ الرفيع، ليس ثمة آخرون. إنه آخرُ ذاتِه. إذا رغبَ في تقليدِ أحد حاولَ أن يقلّدَ نفسه. وإذا رغبَ في معارضةِ أحد سعى إلى أن يعارضَ نفسه. إنه يسعى إلى إيذاءِ نفسه في أبعد أمدائها وأشدّها حميميةً. إنه يتحايلُ على آرائه. ولديه حواراتٌ طويلة مع الأحاسيسِ التي يحسُّ بها فيكلّمها و...
كلُّ إنسانٍ موجود هو أنا. لديَّ في داخلي المجتمعُ كلُّه. أنا أعزُّ أصدقائي وألدُّ أعدائي. ما تبقّى كلُّه – ما يوجدُ في الخارج، من التلالِ والسهول إلى الناس ... – منظرٌ فحسب.

■ ■ ■


قلما رأى القدماءُ أنفسهم. أما نحن هذه الأيام فنرى أنفسنا في كلِّ الأوضاع. هو ذا رعبنا واشمئزازنا من أنفسنا.
يحتاجُ كلُّ إنسان، كي يستطيع أن يعيش ويحبّ، إلى جعلِ نفسه مثالياً (وكذلك، في نهاية المطاف، أولئك الذين يحبُّهم). ولهذا السبب نحبّ. لكنني، ما إن أرى نفسي وأقارن ما أراه بمثالٍ ما – صغير وليس سامياً - عن الجمالِ الإنساني، فإنني أتخلّى عن الحياة الحقيقية وعن الحب.
الحساسية الجمالية الزائفة لدى الإغريق... لا بد أن إدراكهم مثل تلك التماثيل قد جعلهم تعساء، فهم ناقصون جسمانياً (نقصاناً لا مناصّ منه)، شأنهم شأن كل البشر الحقيقيين!
المقصود أن هذا الإدراك كان سيجعل الإغريق تعساء إذا كانوا قد شعروا على هذا النحو. ولكن ما من إشارةٍ إلى ذاك الشعور في أدبهم. إنه في الواقع شعورٌ حديث محض.
حتى المرأة الجميلة لا تبعثُ على الرضى الذي يبعثهُ تمثال. لأن المرأة جميلة، بالإضافة إلى أشياء جسدية وأخلاقية أخرى ليست من الجمالِ في شيء. وحده التمثال هو الجمال. (إنه حجر أيضاً، ولكنّ الحجر لا يعني شيئاً بالنسبة إلينا، ولهذا نتجاهله ناظرين إلى الجمال فحسب).

■ ■ ■


أعظمُ انتصاراتِ الإنسان بلوغهُ القناعةَ بأن السخفَ شيء لا وجودَ له إلا في نظر الآخرين ومتى ما شاؤوا إيجاده. آنئذ سيكفُّ عن القلق بخصوص سخافته التي لا يمكنه إفناؤها لأنها ليست منه.
بُغية الاستمتاع برفعتهِ، في هدوءٍ تام، يجبُ على الإنسانِ الرفيع أن يعلّمَ نفسه كيف ينسى ثلاثة أشياء: السخف والعمل والتكريس. غيرَ مكرّسٍ نفسَهُ لأحد، لا يطلبُ بالطبع التكريسَ من الآخرين. رزيناً، عفيفاً، مُقتّراً ومُلامساً الحياةَ بأقلِّ قدْرٍ ممكن لئلا تزعجه ولئلا يقتربَ من الأشياء كثيراً فيدمّر مقدرتَها على الإيحاءِ بالأحلام، ينزوي ليتدارك كبرياءَه وتبدُّدَ أوهامه. إنه يتعلّمُ كيف يشعرُ بكلِّ شيء من دون الشعورِ به مباشرة، لأن الشعورَ المباشر شكلٌ من الخضوع – إخضاعُ النفس لتأثيرِ الشيء الذي تشعرُ به.
إنه (والت) ويتمان بطلُ الأولمب وبروتيوس الفهم، يعيش في مسراتِ الآخرين وأوجاعِهم من دون أن يعيشَها حقاً في الواقع. بمقدوره الإبحارُ أو التخلُّفُ عندما تغادرُ السفن، وبمقدوره الإبحارُ والمكوث في نفسِ الوقت، لأنه لا يُبحر ولا يمكث. لقد كان مع الجميع في كلِّ أحاسيسهم، في كلِّ ساعةٍ من حياتهم. رانياً بعيونِ الأبطال وقلوبهم، شهدَ كلَّ مأساةٍ على الأرض. لقد ارتدَّ مع المرتدّين، وخسرَ في كلِّ معركة، وكان في جميعها المنتصر.
لقد نالَ فرحَهُ وحزنه بنيلهِ كلَّ أفراحِ العالم وأحزانه.
إنه يتذكّر صوتَه يصيحُ وسط جموع الشعب اليهودي المحتشد: «اطلِقوا باراباس!» وعندما فكّر بتلك اللحظة ذكّره الاسمُ بأنه هو نفسه كان باراباس، وكان أيضاً المسيحَ الذي رغبَ عنهُ الناس. وحين عاود محاولة أن يتذكّر أيَّ شخصٍ كانَهُ في الحشد أدرك أنه كان كلَّ مَن في الحشد جميعاً. وعندما رفع ناظريه قليلاً أحسَّ على جبينِ امرأة أحلامه بالشعر الأسود لمريم أمِّ يسوع. أحسّ بالنهدين. ولأن هذه الأحاسيس دفعت بعقله نحو الغريزة الجنسية بكى بغتة، عارفاً أنه هو مريمُ المجدلية. بحبٍّ مدَّ يديه، ولكنه تذكّر عندما تنصّلَ بيلاطس نافضاً يديه من كلِّ مسؤولية فانتصبتْ قامته – الحاكم الروماني – في رداءِ الحلم الذي مسّ برقّةٍ الإحساسَ المثاليَّ لجلده هو. أغمض عينيه، عيني حلمه الحقيقيتين، على ذاك الإنهاك الذي تعدّدَ إثر كلِّ ما شعرَ به، وفي ردِّ فعلٍ أخير، قبل أن تهمدَ حساسيته، مرّتْ به البيارقُ الأخيرة لكلِّ الأشياء التي شعرَ بها، مزدانةً بالنسور في غسقٍ تلوحُ في خلفيتهِ جبالٌ خضر.
كدّره تعبهُ بعد تشتُّتِ أحاسيسه الكبير، وعادت عليه الكآبة بمشاعر كئيبة تضمنت – في عيائه المطبِق - شعوراً بالشفقة الدامعة الحانية تجاه الآخرين: تهويدة غنّتها إحدى المربّيات في الليل، عندما يلتقي فقيرٌ محتاجٌ بلا أصدقاء سيدتَنا على الطريق، مرتديةً ثوبَ راعية، فتأخذُ بيده ويصعدان إلى السماء.
وطفولتهُ المستعادةُ فتحتْ للمسيحِ الباب، فدخلَ عبر إحساسه بكلِّ دمعةٍ لم تُذرفْ بعد.

■ ■ ■


كنت أتصرّفُ على الدوام داخل نفسي... ما مسَسْتُ الحياة قطّ... كلما هممتُ بالشروع في عملٍ ما اختتمتُه في أحلامي اختتاماً بطولياً... وزنُ السيفِ أثقلُ من فكرةِ السيف... كانت تحت إمرتي جيوش كبيرة، وانتصرتُ في معارك عظيمة، واستسَغْتُ هزائمَ نكراء – هذا كلُّه في داخلي ... كنتُ أستمتعُ بالتنزّه وحيداً في الحدائقِ الخضراء وعبر الممراتِ الواسعة، مُطلقاً أوامري للأشجار، ومتحدّياً صورَ الشخصياتِ المعلقةَ... في الممرِّ الواسعِ والمعتم، الواقعِ في القسمِ الخلفي من القصر الذي لطالما تنزّهتُ فيه، أنا وخطيبتي... لم أحظَ قطّ بخطيبةٍ حقيقية... لم أعرفْ قطّ كيف أحبّ... عرفتُ فقط كيف أحلمُ بالحبّ... لو أحببتُ أن أضعَ خواتمَ السيدات في أصابعي فلأنني افترضتُ أحياناً أن يديّ هما يدا أميرة، ولأنني، على الأقل في حركاتِ يديّ، كنتُ المرأة التي أحببتُ... ذات يوم عثروا عليّ في زيّ ملكة... كنتُ أحلمُ بأنني أنا زوجتي الملكيةُ... وددتُ لو أرى وجهي منعكساً أمامي، إذ كان بمستطاعي أن أحلمَ به كوجهِ شخصٍ آخر – وجه حبيبتي تحديداً، لأن الانعكاسَ الذي رأيتُه أفصحَ عن ملامح أنثى... كم لامستْ شفتاي شفتيَّ في المرآة!... كم شدَدْتُ بإحدى يديّ على الأخرى، أو داعبتُ شعري بيدي التي أمسيتُ عنها غريباً، وكأنها يدُ حبيبتي تلمسني. لستُ أنا مَن يروي لكم كلَّ هذا... مَن يتكلمُ هو ما تبقّى مني.

فرناندو بيسوا (1888ـ1935): أحد الكتاب الأساسيين في أدب القرن العشرين. كتب بالبرتغالية والإنكليزية. وُلد وتوفي في لشبونة التي لم يغادرها، حيث عاش متنقلاً وحده بين الغرف المستأجرة، متجنباً أجواء الكتاب، ومشتغلاً بالترجمة ليعيل نفسه. عُرف عنه اختراعه شعراء ومؤلفين متناقضين في الأمزجة والديانات والمذاهب والميول. مطلع القرن العشرين، راج بين الكتّاب تقليد استخدام الأقنعة الأدبية، إذ نصادف تحولات «الأنا البديلة» لدى ريلكه وإزرا باوند وبول فاليري وسواهم، مثلما فعل سورين كيركجور من قبل، لكن لم يكن أحد منهم بهذا التعدد الذي عاشه بيسوا، رافضاً اعتبار أنداده الكثر هؤلاء مجرد أسماء مستعارة، فقد ألفوا معه آلاف القصائد والنصوص (كتب خوسيه ساراماغو سيرة واحد منهم في روايته «سنة موت ريكاردو رييس»)؛ يذكّرنا عددهم الكبير بإله التحولات اليوناني بروتيوس الذي يرد اسمه في المقاطع المترجمة هنا، المقتطفة من نصوص عنوانها «مفكرة لم يكن لها وجود قط»، عُثر عليها ضمن الحقيبة التي احتوت على دفاتر بيسوا وأوراقه وقصائده غير المنشورة أثناء حياته، ويشبه أسلوبها يومياته في «كتاب اللاطمأنينة». علامات الترقيم والفراغات هنا تعتمد ما ورد في الأصل.