لدينا عدد من الأمثال الجاهلية يبدأ بكلمة أقرى: أقرى من مطاعيم الريح، أقرى من غيث الضريك، أقرى من حاسى الذهب، أقرى من زاد الركب، أقرى من أرواق المقوين، وأقرى من آكل الخبز. وقد عالجت في مادة سابقة المثل الأول منها: «أقرى من مطاعيم الريح»، وبيّنت أنّ «الريح» في هذا المثل تعني «الخمرة»، وأن «القرى» فيه لا يعني الإطعام، بل يعني اللزوم والمداومة والإدمان. أي أن المثل يقول: أشد لزوماً للشيء من مدمني الخمرة. وفي المقابل، فإنه لا شك بأن المثل (أقرى من آكل الخبز) يتحدث عن الأكل لا عن الشرب. والكون في عرف القدماء مكوّن من خبز وخمر. كما أن الآلهة مقسومة إلى قسمين: خمرية وخبزية. أما الآلهة الخمرية فهي تشبه الإله- الصنم الذي كانت منصوباً على الصفا قرب الكعبة، ويدعى «مجاوز الريح»، أي «ساقي الخمر»، في حين أن الآلهة الخبزية تشبه الصنم- الإله الذي كان منصوباً على المروة وهو «مطعم الطير». بذا فلدينا إله ساق خمري وإله مطعم خبزي.


«غيث الضريك» تعني: «مطعم النسر» (لوحة بعنوان «النسر وانعكاسه» لريبيكا كينكهيد (زيت على كانفاس ـــ 152.4 × 5.1 سنتم ـــ 2022)

وهذان الإلهان، أو ما يشبههما، معروضان في قصة يوسف في التوراة والقرآن. فقد دخل السجن مع يوسف فتيان: واحد خمري، والآخر خبزي: «ودخل معه السجن فتيان؛ قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً، وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبّئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين» (يوسف: 36- 37).. وتضيف السورة: «يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيُصلب فتأكل الطير من رأسه، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان» (يوسف: 41). وكما نرى فلدينا واحد يسقي خمراً، أي أنه مثل مجاوز الريح= ساقي الخمر على الصفا. أما الثاني، فتأكل الطير من رأسه، أي أنه «مطعم طير» كالصنم الذي نصب على المروة.
أما في التوراة، فقد عرض لنا الفتيان كخباز تأكل الطير من السلة على رأسه، والثاني كساقي خمر: «فلما رأى رئيس الخبازين أنه {أي يوسف} عبّر جيداً قال ليوسف كنت أنا أيضاً في حلمي وإذا ثلاث سلال حوارى على رأسي. وفي السل الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعة الخباز. والطيور تأكله من السل عن رأسي. فأجاب يوسف وقال هذا تعبيره. الثلاث سلال هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام أيضاً، يرفع فرعون رأسك عنك ويعلقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك، فحدث في اليوم الثالث يوم ميلاد فرعون أنه صنع وليمة لجميع عبيده ورفع رأس رئيس السقاة ورأس رئيس الخبازين بين عبيده. ورد رئيس السقاة إلى سقيه. فأعطى الكأس في يد فرعون. وأما رئيس الخبازين فعلّقه كما عبر لهما يوسف» (تكوين 40: 16- 23).
وهكذا فنحن مع الأسطورة ذاتها، أي مع الخمر والخبز.
وفي هذه المادة، نودّ أن نعرض للمثل الذي يقول: «أقرى من غيث الضريك». ونظن أن هذا المثل له علاقة بما نحن فيه، أي عملياً على علاقة ما بمطعم الطير- آكل الخبز. والمثل بلا قصة. غير أننا نعرف أن «غيث الضريك» هو لقب لقتادة بن مسلمة الحنفي: «أقرى من غيث الضريك: وهو قتادة بن مسلمة الحنفى، وكان أجود قومه» (أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال). وقد لقّب به لأنه كان يغيث الفقراء ويطعمهم، بحسب المصادر العربية. فالضرك هو الفقر وبؤس الحال. وبحسب الليث فإن: «الضَّرِيكُ: اليابس الهالك من سوء حال» (الأزهري، تهذيب اللغة). وعند الخليل: «الضّريك: البائس الهالك بسوء حال» (الخليل، العين). أما السهيلي فيرى أن «الضريك: الضعيف المضطر» (السهيلي، الروض الآنف). ويقول حسان بن ثابت:
«مأوى الضريك إذا الرياح تناوحت

ضخم الدسيعة مخلفٍ مـتـلاف»
وهكذا يتفق الجميع على أن قتادة لقّب بغيث الضريك لأنه كان يغيث الفقراء وضعيفي الحال، ويسعفهم ويؤويهم. لكنني لا أتفق مع هذا الإجماع، ولا أؤيده. فالضريك هنا ليس الفقير والضعيف والمعدم بل هو النسر: «الضريك: النسر الذكر» (الخليل، العين). وحين يتعلق الأمر بالنسور، يكون هناك احتمال جدي بأننا ندخل عالم الميثولوجيا.
وإذا كانت كلمة الضريك في المثل تعني النسر بالفعل، فإن «غيث الضريك» تعني: «مطعم النسر»، أو «مطعم النسور». أي أنّ المثل يعني «أكرم من مطعم النسور». وهذا يعني أنّ «غيث الضريك» طراز من «مطعم الطير». فمطعم النسور، في نهاية المطاف، هو مطعم طير. بذا فلقب «مطعم الضريك» معادل للقب «مطعم الطير» الذي هو لقب جد الرسول عبد المطلب بن هاشم. وكنت قد اقترحت أن لقب عبد المطلب هذا يشير إلى أنه كاهن الصنم (مطعم الطير) الذي كان منصوباً على المروة. وإن صحّ هذا يكون قتادة بن مسلم أيضاً كاهناً لصنم من نفس الطراز. والفارق أن الطائر هنا يصبح نسر الضريك.
نحن أمام مَثَل يضرب على وتر ديني عميق


ولدينا شخص آخر لقبه هكذا: «مطعم الكبش الرخم». وتقول لنا المصادر العربية إن صاحب هذا اللقب هو: منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك، وهو جدّ الشاعر منصور النمري. وقد لقب بذلك «لأنّه أطعم ناساً نزلوا به ونحر لهم، ثم رفع رأسه فإذا هو برخم يحمن حول أضيافه، فأمر أن يذبح لهن كبشاً ويُرمى لهن، ففعل ذلك، فنزلن عليه فمزّقنه، فسمي: مطعم الكبش الرخم» (ابن الجوزي، المنتظم). أما الرخم فهي طراز معروف جيداً من النسور. عليه، فقد أطعم الرجل النسور كبشاً. أي أنه هو الآخر «مطعم طير» مثله مثل جد الرسول، ومثل «غيث الضريك» الذي يعني لقبه: مطعم النسر.
بذا فمثل «أقرى من غيث الضريك» يعني: أكثر إطعاماً، أو أكثر كرماً من مطعم النسر، أو النسور. وهو ما يعني أن القرى في هذا المثل لا تعني المداومة واللزوم، بل تعني الإطعام. كما يعني أننا مع مثل يضرب على وتر ديني عميق.

* كاتب فلسطيني