لا يزال رشيد الضعيف قادراً على إدهاشنا كقرّاء ونقّاد ومتابعين لمسارات كتابته منذ بداياته الشعرية في «حين حل السيف على الصيف»، و«لا شيء يفوق الوصف»، و«أي ثلج يهبط بسلام»، وانتقاله إلى فضاء الرواية، مبتدئاً باعهُ الطويل فيها برواية «المستبد» (1981) لتكرّ من بعدها سبحة الأعمال التي تربكنا وتمتعنا بلغتها التي تقارب الواقع بلغة مباشرة وجدلية تنطلق من المكوّن الماركسي في شخصية كاتب «غفلة التراب» إلى عناوينه المثيرة للجدل أو الغرابة مثل «تصطفل ميريل ستريب» و«أوكي مع السلامة» و«انسي السيارة» وغيرها، لكنها لا تتوانى عن معالجة المواضيع المعقّدة على الصعيد الإنساني العام أو المحلي، كالمواضيع الأخلاقية والاجتماعية ومسائل الحداثة والتقليد ومسألة حلم مثقفي القرن التاسع عشر ببناء الدولة كما في «تبليط البحر»، والاغتراب والإيمان الصريح كما في «هرّة سيكيريدا»: يطرق رشيد الضعيف هذه المرّة باب الميثولوجيا في روايته الجديدة «الوجه الآخر للظل» (دار الساقي ــــ 2022)، ناهلاً من تراث المنطقة العربي والمشرقي الذي تتبدى ملامحه في أكثر من مقطع من الرواية في ثيمات الحمل والولادة والأمومة. يصوغ لنا حكاية فانتازية ميثولوجية هي ــ كما يصفها ــ نوع من القيلولة على ظهر العاصفة. حول روايته الجديدة التي هي بمثابة اللبنة الثانية في كتابته لهذا النوع الأدبي بعد «الأميرة والخاتم» (دار الساقي ـــــ 2021) وأمور أخرى مرتبطة بالكتابة والثقافة والحياة، كان هذا الحوار مع رشيد الضعيف الذي يؤمن بأن «الأسطورة تقي من الصقيع. الإنسان الذي يذهب في الأسطورة يأخذ مسافتَه من الأشياء وينفصل عن هذا الواقع الذي يفوق قدرة العاقل على التحمّل»


لماذا هذه النقلة في أسلوب رشيد الضعيف، اعتدنا عليك في مقاربة أكثر مباشرَة للواقع، فإذا بك تنتقل بنا إلى نوع آخر ليس أقل جمالية؟
- هذا سؤال جوهريّ، لكنّني فعلاً لا أدري. كتبت هذه «الميثولوجيا» التي رأيت نفسي منقاداً إلى كتابتها، من دون أن أتساءل عن الأسباب. كان انتقالي إلى هذا النوع مفاجئاً لا شكّ، لكنّ بذوره في كتاباتي، إذا ما دقَّقْتَ، موجودة بالفعل. مثلاً: ثيمة الأمومة في هذه الرواية، تشبه ما جاء في كتابي «أنسي يلهو مع ريتا». في هذا الكتاب، يخرج أنسي من قعر الماء ويذهب في اتّجاه المدينة، يقول لأوّل امرأة يلتقي بها: أنت أمّي! فتجيبه: «لست أمّك، ولكي أكون أمّك يجب أن ألتقي برجُل أحبّه»، فتركها ومضى. وأوّل رجُل التقى به انحلّ فيه على الفور واختفى. ثم التقى الرجل المرأة فولدت طفلاً سمّياه أنسي. إذاً فكرة أن الأولاد لا يأتون منّا وإنما يأتون من تلقاء أنفسهم، سبق أن عجنتُها، ومفادها أنّنا عملاء لأولادنا، وأولادنا سيكونون عملاء لأولادهم، ليس بمعنى «أولادكم ليسوا لكم»، وإنما بمعنى أنّنا نحن عملاء لهذا الوجود ولهذا التاريخ الذي يحقّق نفسَه عبرنا ثم يرمينا. هذا على سبيل المثل، إذ في الرواية ثيمات أخرى بذورها موجودة في ما كتبتُه سابقاً. أما على مستوى الشكل السردي الحكائي، فكأنما ولدتُ من جديد، على حدّ تعبير عدد من النقّاد والقرّاء. أردْتُ فعلاً أن أغيِّر ما أنا عليه علَّ ما أنا فيه يتغيّر أيضاً.

(هيثم الموسوي)


ما الذي يدعو في هذا العصر المستغرق في العلم إلى كتابة الأسطورة؟
- لا يتناقض العلم مع الأسطورة، فالمعتقدات والممارسات الميثولوجية تتعايش مع أكثر العصور علميّة، وتتعايش مع الكمبيوتر والهاتف ومنجزات التكنولوجيا كافّة. كتَبَ مفكّر وناقد ياباني راحل (سويتشي كاتو)، تعرّفت إليه في طوكيو، عن روايتي «عزيزي السيّد كواباتا». قال إنّ إحدى شخصيات هذه الرواية لا تؤمن بأنّ الأرض تدور وبأن الأرض مستديرة، بسبب الفائض في العقلانية الذي نعيش فيه في هذا الزمن. لفتني هذا التحليل. إنّ المزيد من العلم والعقلانية قد يؤدّي إلى رغبة في التنفّس. أضِف إلى ذلك أنّ هذه الرواية، «الوجه الآخر للظلّ»، هي نوع من القيلولة على ظهر العاصفة. نحن نعيش وسط العواصف العنيفة المعنِّفة في جميع المجالات. وأنت تقرأ هذه الرواية، تشعر أنّك قد أخذت قيلولة من كل شيء. الأسطورة تقي من الصقيع. الإنسان الذي يذهب في الأسطورة يأخذ مسافتَه من الأشياء وينفصل عن هذا الواقع الذي يفوق قدرة العاقل على التحمّل. بالأسطورة تنبت للإنسان أجنحة. في الأسطورة يغدو الإنسان قادراً خالقاً. يغدو سيّد الزمان بضفّتيه الوقت والمكان. الأسطورة تَقيك أيضاً من الآثار السلبيّة للعلم وللتكنولوجيا، ومن الآثار السلبيّة للمبالغة في العقلانيّة.

امرأة تحبل من أثر غيمة... تولّد انطباعٌ بأنّ الروح القدس ينفخ على بطن العذراء، هل حضر النصّ الديني في وعيك عند الشروع في كتابتها؟
ــــ ما حضر هو الميثولوجيا في ثقافتنا العربية، والتراث الشعبي الديني الذي حضن اليهودية والمسيحية والإسلام. مكوّنات هذه الرواية من هناك. يجب قراءة الرواية نقدياً على ضوء هذا التراث، وهو ما لا يجيده بعض النقّاد. يجب أن تكون لديك الأداة المعرفيّة لذلك. هناك مستويان في الرواية، زمن أحداثها الذي يقع في الماضي، وزمن كتابتها الذي هو اليوم. لا أنادي بالعودة إلى الماضي بالتأكيد، ولكنّ في هذا التراث العربي درراً تحتوي على قدر هائل من الدهشة. إنها تجارب مئات السنين، وحضارة سادت العالم مئات السنين، وهو ليس بالأمر اليسير، وثقافة عالية الطراز. لا ننسَ عصر الرشيد والمأمون. هي ثقافة حضنت إلى حدّ ما ثقافة اليونان والرومان، لم يحدث قطع بين هذه الثقافات الثلاث، كما أَنَّ الحضارة العربية هي في بطن الحداثة الغربية اليوم، ورافد أساسي من روافدها. لا أقول ذلك من باب الدعاية القومية أو الدينية، بل من موقع إنساني مراقب فحسب. هذا تراث غنيّ بشكل هائل، وللأسف فإننا ندرّسه في المناهج كصرف ونحو وبلاغة كما حين نتعامل مع الشعر الجاهلي، ولا ندرّسه كظواهر إنسانية خالدة. حين يقول الشاعر الصعلوك مثلاً: «عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ»، أي نوع من الوجودية العالية الطراز في هذا البيت قبل إنشاء مذهب الوجودية بقرون، ليس على مستوى النظام الفلسفي المتطور، وإنما على مستوى الإحساس التلقائي.

هل الكتابة التخييلية منبوذة من القراء في العالم العربي، بحيث نراهم يفضّلون الكتابة المباشرة التي يحيط فيها السرد باليومي والمعيش والواقع الصعب؟
- فاجأني عدد القرّاء الذين قرؤوا هذه الرواية بمتعة. غالبية ردود الفعل التي بلغتني هي أنهم لم يتركوها من أيديهم حتى أنهوها إلى آخرها، أي قرأوها في جلسة واحدة أو جلستين، واستمتع بها القراء من مختلف المشارب، ومنهم رجال السياسة كالوزير السابق الفضل شلق الذي كتب عنها مقالاً مطوّلاً في «180 بوست». أحد الكتّاب المصريين قرأ «الأميرة والخاتم» لأولاده. الكاتبة والرسّامة خيرات الزين قالت إنّها أوقفت الرسم والكتابة لتنسج للأميرة فستانَها. أسوق هذه الأمثلة لأقول إنّ ما تسمّيه النقص في الكتابة التخييلية يعود ربّما إلى الكتّاب والنقّاد، وليس إلى القارئ الذي هو بحاجة إلى المتخيَّل كي يأخذ قيلولة تُنسيه لبرهة هذا الواقع، وهو بحاجة إلى المتخيَّل أيضاً لأسباب عديدة أخرى. قد لا يلقى هذا النوع من الكتابة الاهتمام اللازم والمستحَقّ من بعض النقّاد، لأنّهم غير مسلّحين بالأدوات اللازمة لقراءة هذا النوع وتحليله وإبداء الرأي فيه.

حين قرأنا الرواية السابقة «الأميرة والخاتم»، قلنا إنها فلتة شوط تجريبية من رشيد الضعيف وخروج عن السائد والمألوف، يبدو الآن كأنك تكرّس هذا النوع من الكتابة الأسطورية التخييلية... وماذا عن كواليس الكتابة؟
ـــ هذا صحيح. شجّعتني على كتابة هذه الرواية الثانية رغبتي في تأكيد هذا النوع. لم أشأ أن تكون «الأميرة والخاتم» «فلتة شوط». لذلك كتبت الثانية «الوجه الآخر للظلّ» تكريساً وتأكيداً لهذا النوع، وقد أكتب رواية ثالثة في هذا المناخ. كتب الروائي والناقد المصري محمد سمير ندا على صفحته على الفايسبوك أنّ هاتين الروايتين، ولادة جديدة، وهما تشكّلان فصلَين ليُضافا إلى «ألف ليلة وليلة». سرّني هذا الرأي. أنا من المثابرين على قراءة التراث النثري العربي القديم، أقصد كتب التاريخ والنقد والأخبار والسِّير... وأتابع بخاصّة التصوّر الأسطوري للعالم في الثقافة العربيّة القديمة. إنّ مصادر روايتَي «الأميرة والخاتم» ثم «الوجه الآخر للظلّ» ومكوّناتهما من هناك، لكن بكتابة معاصرة.
أحبّ أن أقول هنا، بأنّ هذا النوع من الكتابة يستهويني من زمن بعيد، وبأنني كتبت سابقاً ولم أنشر أشياء من هذا القبيل وفي هذا المناخ، قد تجد طريقها إلى النشر يوماً أرجوه قريباً.
وانا أكتب الرواية أكون داخلها، أحاول أن أذلّل المصاعب التقنية، مثل هويّة الشخصيات والانتقال من حدث إلى آخَر وتركيب العبارة، وتحديد الفئة التي أتوجّه إليها وبأيّ أسلوب، والصوت الداخلي... عندما أنتهي من كتابتها أسأل نفسي: «ماذا سأقول عنها الآن؟ أيّ خطاب سأعتمد؟»، ليس لديّ خطاب مسبق عمّا أكتب، بل خطاب أُنشِئُه في ما بعد. بعد أن أُنجز العمل. ذلك لأنّني لا أكتب لتأكيد نظرية أو تطبيق نظريّة، ولا أكتب بروباغندا.
مكوّنات الرواية هي التراث الشعبي الديني الذي حضن اليهودية والمسيحية والإسلام (ر. ش)


أقول لك رأيي صراحةً في هذا الموضوع: عندما يتكلّم الكاتب أو الروائي أو الشاعر عن نتاجه، إنما هو يبرّر ما يكتب. إنّه يقوم بالدعاية لما يكتب. يسوّقه. ليس الكاتب بالضرورة هو الذي يدرك جميع أسرار ما كتب. هل كان المتنبي يدري بأنه عروبيّ بالمعنى السياسيّ، كما يقرأه اليوم كثير من الناس؟ لا شكّ في أنّ الكاتب قريب جداً مما يكتب، إنّه لا شكّ أقرب إليه من حبل الوريد، لكنّه يتحوّل مهما يكن قريباً له، إلى قارئ له. قارئ مميّز بالتأكيد، لكنّه قارئ.

متى يقرّر الروائي أن يغيّر تقنياته في السرد والكتابة؟ هل يتّخذ قراراً واعياً بخصوص هذه النقلة أم ثمة ثيمات تفرض نفسها فرضاً على كتابته؟
ـــــ هذه أشياء تنمو بهدوء في باطن الأرض وتظهر ساعة تشاء كالبذور تنفرج عن نُبوتها في أوانها. المرأتان في الروايتين هاتين موجودتان في رأسي وأحلامي وثقافتي وتطلّعاتي ووعيي وطفولتي وكرهي وحبّي من زمن بعيد. فرضت المرأة نفسها فرضاً، اختارت نفسها وصفاتها وسيرتها ومصيرها، واختارت بخاصّة طبيعتها. «فالألوهة» لها، بخلاف التفسير الذكوري للدين... أرى في ذلك تفسيراً عادلاً إذا جاز التعبير. لماذا ننفي «الألوهة» عن المرأة؟ حريّتها مطلقة في التصرّف بجسدها. تقرّر الاحتفاظ بولدها رغم كلّ شيء. رغم الاضطهاد وأنواع الصعوبات والقيل والقال... نهوض المرأة صباحاً لتجد حشرة قد لسعتها في بطنها، هي إشارة إلى أنّ الموضوع ليس غيبيّاً حصراً، وليس طُهراً بالمعنى الميتافيزيقي.
اخترت الأسلوب اللغوي الذي رأيته مناسباً ومتمِّماً للموضوع. مراجع هذا الأسلوب هي في التراث النثري الثري (القديم). بنيتُ أسلوبي على الطرُق والحِيَل والمهارات اللغويّة التي تعبّر عن تصوّر الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة للعالم (أقصد جانبها الميثولوجي) من أجل أن أخلق هذا الجوّ الأسطوري.

هناك من يقرأ هذه الرواية قراءةً سياسيّة، فهل دخلنا في السياسة إذاً؟
- هذا حقّه. كلّ نتاج فنّي، لغوياً كان أو صوتاً أو صورة، يمكن قراءته بطرق لا تُحصى. أمّا رأيي شخصياً في الموضوع، كقارئ، فأقول نعم يمكن قراءتها من زاوية الأخلاقيّات السياسية (الأثيقا).
كيف تحبل الملكة ولم يقربها زوجها الملك؟ هذا أمر لا يُحتمل بالمطلق. إنّ خيانة الملكة للملك ليست مسألةً شخصيّة، بل هي مسألة خطيرة لأنّها تنال من المُلك بالذات.
ليس على الملك أن يحمي مُلكَه فحسب، بل عليه أن يحمي المُلك بالمطلق. المَلِكُ خادم المُلك. صحيح أنّ الناس جميعاً رعاياه لكنّه في الوقت نفسه، هو ذاته، خادمُ المُلك. لذلك لا يمكنه أن يهرب من إجماع الناس على أنّ زوجته خانته، فكيف لا ينتقم منها؟ لا يرضى شعبُ المملكة بهذه الخيانة، يجب غسلها بالثأر، بالنار. وينصاع الملك لشعبه، قبل أن يصل إلى الحقيقة التي تحرّره من الشكّ.

لم يقدّم العلم ولا الدين الخلاص للبشريّة، هل يخلّصنا الخيال؟
- أصبح العلم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر هو الدين الجديد الذي ظُنّ بأنه الخلاص للبشريّة... وإذ بالبواخر المسيَّرة على البخار، تختصر المسافات وتخلق ظروفاً مؤاتيةً للاستعمار... وإذ بالصناعة تلوّث الكوكب... في موضوع الدين، لا مفرّ من ملاحظة أنّ الدين لم يحلّ مشاكل البشر، ولا وقاها من الأمراض والكوارث والحروب والمجازر والتدمير. لا بدّ إذاً من «تحرير» الله من قبضة الأديان المصالح والمؤسّسات والطوائف والأحزاب والأمم. لم تحلّ هذه الأديان مشاكل البشريّة، لكنّ الإيمان قادر على توفير الخلاص للإنسان، بالرجاء والأمل، بالعودة إلى الله المحبة الصرف، والله العدل المطلق. الله الأمل المطلق بالخلاص، والرجاء المطلق بالانتصار على الفناء. كانت الشيوعية بمثابة دين. كانت رجاءً بخلاص أرضيّ، وكذلك كان كلّ حزب حمل، أو ما زال يحمل، عقائد ثابتة كقطع الحديد الصبّ. كلّ شيء يفقد ليونته يتحوّل إلى عقيدة صبّ. هل تُنشئ هذه العقائد الثابتة الظروفَ لولادة الميثولوجيا والخيال البحت غير المرتبط بما يسمى الواقع؟ هل تصبح الحياة مع الميثولوجيا أرحب وأرحم؟

في الرواية أُلفة بين المرأة والطبيعة في زمن يبدو فيه الإنسان عدواً لنفسه وليس للطبيعة فحسب، ماذا يمكن أن تقول بهذا الصدد؟
- حين أفكّر الآن بالرواية مثلك كقارئ، يمكن أن أعثر فيها على الهارمونيا بين المرأة والطبيعة، وهو أمر لا أمتلك نظرية فيه ولم أقصد مسبقاً أن أكون كاتباً إيكولوجياً بيئياً. لا أحد يعرف كيف يغربل الزمن ما نكتبه وكيف يصنّفه.

كمدرّس لمادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في بيروت، ما هي الفروقات التي تلحظها في الكتابة بين جيلكم والجيل الجديد؟
- علاقة الجيل الجديد بالمكتوب مختلفة تماماً. لديّ إحساس بأننا بحاجة إلى مزيد من الوقت لفهم الاتجاهات التي يسلكها هذا الجيل بالكتابة، ولكن من المؤكّد أنهم يتمتّعون بقدر كبير من الخيال، وبلغة سليمة لا يعوزها الكثير من الصقل. صدر قبل أيّام، عن «دار نلسن»، كتاب ثان من نصوص لطلّابي، اخترتُها وحرّرتها، بعنوان «دعوة إلى العشاء». يضمّ هذا الكتاب نصوصاً مدهشة، ومنهم طالبة الطب، ومنهم طالب الكمبيوتر، ومنهم طالب الهندسة، إلخ... دائماً ما نسمع أن اللغة العربية اليوم هي في حالة يرثى لها، لكنّ رأيي معاكس تماماً لهذا القول المتشائم. أنا أقول إنّنا اليوم في العصر الذهبي للّغة العربيّة. من كان يمتلك القدرة على القراءة والكتابة في زمن المتنبّي كما هو واقع الحال اليوم؟ كم كان عدد المتكلّمين بالعربية الفصحى في الإمبراطورية العباسية المترامية الأطراف؟ هل يجب على المهندس اليوم أن يكتب بأسلوب المتنبّي لتكون اللغة العربية بخير؟ ومن كان يكتب مثل هذا العملاق في زمانه؟ لا أحد. عشرات الملايين من العرب يقرأون ويكتبون اليوم باللغة الفصحى. كم كان عدد الذين يقرأون ويكتبون في العصر العبّاسي؟ واحد كلّ عدّة آلاف؟ ربّما أقلّ. ملايين العرب يسمعون الأخبار يومياً باللغة الفصحى، ويقرأون الصحف! فهل كان ذلك متوافراً في تلك الأيّام؟ أمّا الكتابة العلميّة والنشر، فهذا موضوع آخر لا علاقة له باللغة.

بماذا تنصح...
- ليست عندي قواعد أو نصائح للكتابة وبخاصة أنّني شخصياً لا أنسج على منوال. أَنْ تكتب وأنت متحرّر تماماً أمر خطير للغاية لأنه قد يعرّضك للفشل التام. أنصح فقط -إذا حقَّ لي أن أنصح - بأن يكون الإنسان متحرِّراً من المسلّمات الموروثة، وألّا يراقب نفسه خوفاً وهو يكتب. «من ألّفَ استهدفَ» (قول عربيّ قديم). اسمح لي أن أختم هذا اللقاء، بأن أذكّر القارئ بما أردّد دائماً، وهو أن ينسى ما قلتُه عمّا كتبت، وأن يقرأ على هواه وبثقافته وهمّه ومشاغله، لا أن يقرأ كما أريده أن يقرأ. الكتاب ملكه.