«عيناي مثبّتتان على لونَي الكرة: الأبيض والأسود. عندما تدوّي الصافرة، أدخل في كون آخر، له وقته وطقوسه. أصبحُ جزءاً من الكرة، من الملعب، من المحيط نفسه. أشعر بانقباض في معدتي. اللحظة التي تسبق صافرة البداية لها رهبتها. بعدها، أصبحُ شديد الهدوء، وما يزيدني ثقة بنفسي هو عندما أُجيل النظر من حولي، وأرى وجوه رفاقي، أعكس الثقة عليهم. منذ ركلة البداية، ندخل في الكون الآخَر، مفعمين بالطاقة، وتبدو علينا القوّة. يجنُّ جنون الجمهور. نركض دون توقّف، ونمرّر الكرة خفيفة على أقدامنا، توّاقين إلى كل فرحة. علينا أن نسجّل هدفاً». إنها يوميات الشاعر والمترجم اللبناني فوزي يمّين، لاعب كرة القدم السابق في ناديَي «السلام زغرتا» و«الحكمة بيروت» التي نجدها في «استراحة بين شوطين» (منشورات المتوسط ـــ 2022) ضمن سلسلة «يوميات عربية».



يمّين، الذي لعب سابقاً ضمن صفوف المنتخب اللبناني في تصفيات كأس العالم 1993، يرصد هنا يوميات كروية محلية ومتابعات عالمية في الفترة بين عامي 1975 و1990، واختلطت فيها محبوبة الجماهير بالأدب والسياسة حتى يصعب تصنيف الكتاب من بعدها في خانة يوميات الرياضة، إذ يبدو يمّين فيها شاعراً يكتب عن كرة القدم، بالطريقة ذاتها التي اختطّها ساحر الأوروغواي إدواردو غاليانو في كتابه المرجعي «كرة القدم بين الشمس والظل»، حين وصف كرة القدم بأنها «مرآة العالم، تقدّم ألف حكاية وحكاية، فيها المجد والاستغلال والحبّ والبؤس. وفيها يتبدّى الصراع بين الحرية والخوف ونحن في أوج ديانة السوق».
تشترك يوميات فوزي يمّين في خطّها اللاقط مع مدرسة غاليانو في الكتابة عن الكرة في تمرّد سردياتها على كرة القدم الاحترافية التي تخضع لقوانين السوق، وتنطلق من يوميات الحارة الصغيرة في زغرتا التي صنعت اللاعب الذي سيُلقّب في ما بعد بـ«المايسترو»، إذ تبدأ حياته الكروية برِهَان على خروف في مباراة ضد فتيان الحي المجاور: «ذات يوم، ولا أحد علم ما الذي أصابهم، وقف لاعب منهم، الأكثر غلاظة في منتصف حارتنا، وراح ينظر إلينا بغضب، ويقول بحزم: سندعكم وشأنكم، لكنْ، بعد أن نلعب ضدّكم مباراة أخيرة نهار الأحد القادم، والحكَم منّا، والشرط عن…خروف… هههه. في البداية، ذكَر الخروف ممازحاً، لكنْ، سرعان ما انقلبَ كلامه إلى الجدّ خصوصاً عندما نظَر إلى عبّود غامزاً به دون أن ننتبه إلى مزرعة عمّه، أنتم تتدبّرونه، وتربطونه عند طرف الحارة بكعب شجرة الخرّوب تلك، يشير بإصبعه إلى الشجرة، والذي يفوز يحصل عليه، سنفوز نحن طبعاً، ونذبحه، ونجلس حول موقد الشّواء، ونفقع سَكْرة على لحمه الطريّ، لها أوّل، وليس لها آخِر، هل تعرفون ما معنى السّكْر، أيها الأولاد الصغار الذين نخاف حين نلعب معهم أن نتعثّر بهم».
يأخذنا يمّين بسلاسة في مسيرة تكوينه كلاعب كرة، إذ يبدو منذ بداياته لاعباً مثقفاً وزياراته للملعب يعرّج فيها إلى مكتبة لا تزال حتى اليوم تغريه بما تستورده من المجلات الكروية الفرنسية التي تشبك الرياضة بموضوعات أخرى مثل المتعة والإغواء والكآبة والجنون، إذ «يصنعون لها ميثولوجيا. لديهم تلك القدرة على توسيع رقعة الأفكار. يشبّهون اللاعبين بأبطال المصارعة، بالفنّانين، بمغنّي الروك، بالآلهة». لا تلبث يوميات «المايسترو» أن تدخلنا في سمفونية المجتمع اللبناني بكل تنوع آلاته الطائفية من سنّته وشيعته وموارنته ورومه وأرمنه ودروزه وفلسطينييه وجوقة أحزابه اللانهائية، من خلال كرة القدم، ويجرُد أبرز الأحداث التي عاناها لبنان فوق جلجلة الانقسام، فنقرأ: «ثمّ تنغلق المدرّجات على نفسها، فيقف الجمهور المسيحيّ، ويتسلّح بفرَقِه، ويتّخذ من سيطرة ناديه الراسينغ التاريخية سبباً لوقوفه هذا، ويخرج جمهور من الأرمن خلف «الهومنتمن» و«الهومنمن»، ليُترجم توجّهات حزبَي «الطاشناق» و«الهانشاق» المتناقضَيْن فكريّاً وسياسيّاً. في الجهة الأخرى، «النجمة» و«الأنصار» و«التضامن بيروت»، أندية تمثّل التوجهات الأخرى التي تلوح على خطٍّ مناوئ للأندية المسيحية. الغرائز الكامنة تخرج دفعة واحدة بعد تتويج «النجمة» بطلاً عام 1972 وهيمنته على البطولة وتفوّقه في كلّ شيء، وكان قبله «الراسينغ» و«الهومنتمن» و«الهومنمن»».
يرسم فوزي يمّين من بعدها يوميات الكرة في «الشرقيّة» و«الغربيّة» أثناء الحرب اللبنانية التي أول ما تظهر في غلاف الكتاب الذي يُظهر لاعباً يركض بالكرة حاملاً بندقية كلاشينكوف (تصميم الغلاف لصاحب الدار الفنّان والشاعر خالد الناصري). لا تخلو هذه اليوميات أحياناً من بعض الطرافة والكوميديا السوداء، كأن يستقل فريق الشمال (السلام زغرتا) طائرة هليكوبتر مدنية ضخمة تابعة لشركة «الميدل إيست» من مطار الشمال إلى بيروت لمقابلة فريق من الجهة الأخرى بعد ضغط سياسي كبير لإقامة المباراة: «نصل في الوقت المناسب. تبدأ المباراة، تسقط القذائف بالقرب منّا. صوتها يزلزل الملعب تحت أقدامنا. تنشقّ الأرض، وتضيع الكرة. نلملم أنفسنا، وبأقصى سرعة نعود».
من موقعه كلاعب احترف اللعبة، لا تفوت يمّين ملاحظة بعض التفاصيل التي أكثر ما يلتفت إليها اللاعبون، فنرى مقاطع مخصّصة عن الجوارب البيض التي يعالجها من منظور علم النفس: «كما أقرأ في كتاب «تأويل الأحلام» لفرويد أنّ الجورب في عالم اللاشعور يدلّ على ما نخفيه من نقاط الضعف والعيوب، فلا أحد بوسعه أن يرى جواربنا إلا إذا كانت جديدة، والرجُل الضعيف الشخصية يخفي جوربه داخل الحذاء في الحُلم، أما الرجُل القويّ الشخصية فيظهر جواربه للناس، ويكون خالياً من العيوب»، أو عن الحذاء الصيني الذي كان لا يفارق قدمي كابتن «النجمة» حسن عبود الذي لا يخلو وصف يمّين له من طرافة: «البوط الصيني... هذا الحذاء الرياضي مصنوع من القماش الأسود، وله نعل ومسامير مطاطية على شكل حبّات الكاجو، يحيط به خيط قماشيّ رفيع، يتوهّج فوق اللّون الحالم، وشريطه أبيض طويل نستطيع إدخاله في الثقوب الحديديّة ويبقى الكثير منه، لنلفّه تحته أو حول الكاحل… له رائحة توافقه من المصنع، ويُصدر صوتاً عندما تتسلّل إليه أمطار الشتاء». كما يعرّج يمّين على المونديال وأجوائه ونسخه المتعددة في أعوام 1978، 1982، 1986 و1990، حيث يظهر بلا تردد حبّه للفريق الألماني: «الألمان أسياد اللعبة، أسماء لاعبيهم تلعب فكيف بالأحرى هُم؟ أسماء توحي بالثقة والقوّة. خُذ مثلاً اسم ماتاوس. يردّده بتقطيع لفظي مقصود ما/تا/وس، اسمه يراوغ فكيف بالأحرى هو؟ واسم هاسْلر، يشدّ على الساكن من أحرفه، واسم بالااااك، يمطّ الألف، أسماء توحي بدبّابات تقصف بلا رحمة، وتضع قذيفتها حيثما تريد. بوم!»، كما يعرّفنا إلى أبرز اللاعبين الذين ألهموه كلاعب ومتفرج كمارادونا «الذي استطاع بمهارة عالية أن يخرق وحده النظام رغم صرامته وقسوته، أن يدمره بمراوغة، بركلة. كأنّه بذلك يفرّح قلوب جميع الّذين يخسرون كل يوم في الحياة، ويأتون في الآحاد إلى الملاعب ليربحوا. بل كأنه يمدّنا بشحنات من القوة والانتصار، إذ ربما يثأر لنا، نحن سكّان البلدان المستضعفة، من مظلومية هذا العالم».
يرسم يوميات الكرة في «الشرقيّة» و«الغربيّة» أثناء الحرب اللبنانية


لا يخلو الكتاب من الإشارة إلى أكثر من رواية أو مقابلة أدبية أو شريط موسيقي تمتزج فيها الكرة مع الأدب والموسيقى، كرواية بيتر هاندكه «خوف حارس المرمى عند نقطة الجزاء»، أو المقابلة الشهيرة لبلاتيني مع مارغريت دوراس، أو استذكاره لجورج بيست هدّاف «مانشتر يونايتد» في الستينيات، والذي كان العضو الخامس في فرقة «البيتلز» الشهيرة. لا ينفصل يمّين الشاعر عن اللاعب حتى المقطع الأخير في الكتاب: «صحيح أنّي لعبت كرة القدم برغبة لم أعرف أقوى منها في حياتي، لكنها انتهت ما تنتهي جميع الرغبات (هل تنتهي الرغبة حقّاً؟). وإذا كان من تقمّص في الحياة، فأنا بالطبع أؤمن بأنّي عشت حياتين: حياة كلاعب، وحياة أخرى كغير لاعب. حياة داخل الملعب، وحياة خارجه. ومع الوقت تجتاحني رغبة أخرى أكثر فأكثر، الكتابة، ولطالما كانت دائماً في داخلي منذ أيام المدرسة. وها أنا اليوم أجد نفسي أكتب عن لعبة، كنت أرتجلُها بقدمَيَّ، كلما وطئت بهما سجادة الملعب»، لينهي يومياته بتأمّل تقترب فيه الجملة الكروية من الفلسفة: «في الخمسينيات من العمر، هل تصبح الحياة استراحة بين شوطين؟».