وضع الكاتب صقر أبو فخر حجراً أساساً في قراءته للنخب الفلسطينية والتحولات التي طرأت عليها، أو النخب التي دَخلت وأُدخلت في بنى هذه التحولات، على اعتبار أن مدار البحث هنا يتوسّع ويضيق ويحمل ويحتمل بمقدار ما تتسع له فلسطين تاريخاً وجغرافيا وإنساناً وقضية لم يشهد تاريخ البشرية أعقد منها، مع ما سيرافق كل هذه العناصر من تأثيرات وتفاعلات تفضي إلى تحولات تُخضِعُها الظروف لقراءات شتى.

يتضمّن «تحولات النخبة الفلسطينية ـــــ مراجعات في التاريخ والهوية» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) للكاتب أبو فخر، مقدّمة وخمسة أبحاث/دراسة. خُصّص الفصل الأول لدراسة «تحولات النخبة الفلسطينية: من الأعيان والآغوات إلى التبعثر وضمور الفاعلية»، فاستنتج خمسة عناوين طاولتها تحولات في المجتمع الفلسطيني تزامنت وترافقت مع أوضاع فلسطين السياسية والإدارية والاقتصادية والكفاح المسلح والعولمة.


بقراءة سوسيولوجية، نفسية، ناقدة، انتمائية في آن، أراد أن يثير «الأسئلة في وجه بعض المؤرّخين الفلسطينيين ممن امتازوا بغزارة الإنتاج وهزال المعرفة» (لم يذكر أي اسم من هؤلاء) فعَرضَ للبنى الاجتماعية الفلسطينية منذ العهد العثماني وصولاً إلى العولمة، وتحديداً الصراعات الشخصانية لرجالات تلك الحقبات، وقد صبّت في خدمة العدو الصهيوني واحتلاله فلسطين في بعض جوانبها. هنا يركز على «الانقسام الأبرز الذي شهدته فلسطين في حقبة الانتداب البريطاني بين آل الحسيني وآل النشاشيبي»، ما أدى إلى تعاون معارضي الحاج أمين الحسيني مع عصابات الهاغانا، وتقديم المعلومات الأمنية لهم عن أنصار الحسيني. يكشف المؤلف عن بعض أسماء كبار العائلات وتعاونها مع الصهاينة، وعمليات بيع الأراضي لليهود، متوقفاً عند وثيقة كينيث ستاين حول بيع الأراضي في فلسطين «وذهول كثيرين أمام الحقائق الواردة في الوثيقة». تناولت الوثيقة الأسماء والتواريخ والأمكنة والبائعين وهم أعلام وقادة في الحركة الوطنية الفلسطينية أمثال موسى العلمي، وهاشم أبو خضرا، وفهمي الحسيني، وموسى كاظم الحسيني، وراغب الإمام، وصبحي الخضراء، ومعين الماضي، ومغنم مغنم، وألفرد روك، وفؤاد السعد، وإبراهيم صهيون، وعاصم السعيد، ورشاد الشوا، ومحمد صالح شبل، وصدقي الطبري، وعوني عبد الهادي وغيرهم كثيرون. (ص48-49). يقول: «فهل نتساءل بعد ذلك لِمَ سقطت فلسطين بأيدي الحركة الصهيونية؟».
لكنّ الغريب من جانبنا ـــ إلى جانب تساؤل أبو فخر عن سقوط فلسطين في أيدي الحركة الصهيونية ـــ هو لماذا استمر هذا السقوط ومرور كل هذه العقود، وكيف لرموز وأسماء شبيهة بمن وردت أسماؤهم آنفاً من خيانة لفلسطين، أن نرى أمثالهم في سدة السلطة هذه الأيام مع تنسيق أمني فعّال وكامل لا يخدم إلا المشروع الصهيوني، مع دعم إعلامي تبريري لهذه السلطة؟
إذاً، لعب التكوين الاجتماعي الفلسطيني في الحقبات المتعاقبة وانقساماته في السياسة، وتشكيلاته الما دون أهلية، والتمايز الاجتماعي الحاد بين أهل الأرياف وسكان المدن، وضعف القدرات في الاستعداد للقتال، وغياب التجهيزات التسلّحية (ونفاق النظام العربي المُستلب قراره) إلى تعميق القصور الذاتي أمام المشروع الصهيوني ومواجهته، من دون أن نخفي دور الانتداب البريطاني والغرب في دعم هذا المشروع الصهيوني/الاستيطاني/الإحلالي إلى أيامنا هذه.
في تسلسل بروز النخب في ظل التحولات، يتوقف صقر أمام ما أسماه بهوية الشتات والنخب الجديدة التي تطوّرت بعد نكبة الـ 48، و«هذه التجربة اشترك فيها الفلاحون اللاجئون والأعيان القدامى وأبناء المدن الساحلية والداخلية». لكنّ هذه النخب الجديدة انشطرت خارج فلسطين إلى قسمين: رجال أعمال حوّلوا أموالهم خارج فلسطين في عام 47، وشكّلوا لاحقاً أغلبية أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الأول، إلى جانب التكنوقراط الجدد والأنتلجنسيا الجديدة من المناضلين البارزين في الأحزاب القومية العربية كحزب «البعث» و«حركة القوميين العرب» والناصريين (مجلس القدس 1964). أما في الأردن «وبعد استتباب الحكم للملك عبدالله بعد تفاهمه مع إلياهو بن ساسون، راح يعيّن أبناء العائلات المناهضة لزعامة الحاج أمين الحسيني، وفي تلك الأثناء كانت النخبة الفلسطينية الجديدة التي أطلقت الكفاح المسلح في 1/1/1965 تتكون بعيداً عن تلك العائلات وخارج رحم الملاكين والتجار ورجال الأعمال» (ص 60-61)، في حين أنّ النخب المعولمة وجدت ضالتها «في الفأرة ولوحة المفاتيح/ الكيبورد»، فمن غير الممكن وصفها بالنخب الجديدة وإن كانت تنحو في مسلكها السياسي أو الثقافي مسلك النخب المضطربة بسبب التشرذم.
يتوقف عند هوية الشتات والنخب الجديدة التي تطوّرت بعد النكبة


يستدرج المؤلف التاريخ في تشكيل هوية المجتمع الفلسطيني، واضعاً حداً فاصلاً بين مفهوم الوطنية/ القومية التي لم تكن قائمة أو معروفة في هذا المجتمع (مفهوم نشأ في الغرب)، وبين المكان بمعنى الوطن الذي افتقده الشعب الفلسطيني بعد نكبة 48، ومنها استمسك بالذاكرة كذخيرة حيّة، مع الإشارة المشتركة بيننا وبينه إلى أنّ الوطنية الفلسطينية لم تخمد أو تفقد أحقيتها بسبب البعد العربي للقضية، وبالتالي لم يصبح الفلسطيني هنديّاً أحمر (!) مع تركيزه على تصحيح بعض المرويّات. ومن هنا يدخل في نقده اللاذع لبعض المرويات عن التاريخ الفلسطيني، فلم يترك أي دلالة على «ثورية» ظاهر العمر الذي «لم يمتلك وعياً وطنياً، فالولاءات كانت معقودة آنذاك للحكام والعشائر والعائلات والطوائف والمناطق». ويضع توصيف بطولات العمر ضمن التلفيق التاريخي، كما أنه يشبهها بتلفيقات مؤرّخين لبنانيين لتاريخ لبنان. بالتالي، فلكثرة تنقلات ظاهر العمر وأطماعه بالتوسع ما بين عثماني وروسي، أدّى ذلك إلى مقتله بتحريض من أحد أولاده، كما يرد في النص.
بعيداً عن وفرة الإصدارات في السيَر والمذكّرات لقيادات فلسطينية وقد أحصاها بـ 245 كتاباً/ مذكّرات وهي الأعلى عربياً (مع إشارتنا إلى زيادة ملحوظة في كتابة مذكّرات الأسرى وتجاربهم) فإن الذاكرة من عوامل الحفاظ على الهوية، ولكن ليس كل ذاكرة تبني مستقبلاً، كما ليس كل مذكّرات معصومة من ثقوب الغربال!