لدينا من مجموعة تشارلز هوبر من الجزيرة العربية قطعة خاصة من تيماء. وهي موجودة الآن في متحف اللوفر. والمعلومات عنها شحيحة جداً. حتى أنني لم أستطع أن أعرف بشكل مؤكد إن كانت القطعة نحتاً حجرياً أو معدنياً، مع أنها تبدو كقطعة حجرية. واعتقادي أن هذه القطعة شديدة الأهمية في ما يخص أديان الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأديان المنطقة عموماً، كما ستقترح هذه المادة.

القطعة تصوّر بهو معبد، أو بوابة معبد، بعمودين ضخمين. وفي الداخل هناك رجلان: واحد يمثل ملكاً أو إلهاً جالساً على عرشه ويحمل بيده اليسرى صولجاناً، وفوق قبضته طائر ما. وأمام الرجل الجالس، هناك رجل واقف أضأل حجماً، يرفع يده اليمنى في نوع من تحية ربما، وفي يده اليسرى ما يبدو أنه طبق ما فيه تقدمة ما. الطائر يبدو منتبهاً للرجل وللطبق في يده، وبحيث يمكن للواحد أن يفترض، وبشكل ما، أن التقدمة في الطبق تقدم للطائر الذي يقف على قبضة الإله- الملك على العرش. وهو ما يشير إلى أن ما في الطبق ربما يكون طعاماً للطائر، الذي يبدو أنه على علاقة مباشرة بالإله الجالس على العرش، أو قل إنّه رمزه وتجسيده.


وهذا يذكّرنا بالصنم- الإله «مطعم الطير» الذي كان منصوباً على جبل المروة في مكة: «ونصبوا على الصفا صنماً، يُقال له: مجاور الريح [الأصل مجاوز] وعلى المروة صنماً، يقال له: مطعم الطير» (تاريخ اليعقوبي). وإذا صح، فإن الرجل الذي يحمل الطبق في يده هو طراز من «مطعم الطير»، وإنه يحمل في طبقه طعاماً للطائر الذي يمثل الإله الذي يجلس على العرش، ويقف على قبضته.


كما أن الاثنين يذكران بإيليا التشيبي التوراتي الذي أطعمته الغربان: «كانت الغربان تأتي إليه بخبز ولحم صباحاً، وبخبز ولحم مساء، وكان يشرب من النهر» (الملوك الأول6:17). ومن الواضح أن الغربان كانت تتلقى التقدمات المقدمة لهذا الإله وتأكل وتطعم منها إيليا. والاسم إيليا يعني: «الإله يا» في أغلب الظن، أي الإله «يهوه»، الذي يتماهي مع «يهد، أهد».
وإن صحّ هذا الاستخلاص، فهو يذكّر بقطعة نقدية من فلسطين عُثر عليها في القرن التاسع عشر، ونشرها المتحف البريطاني عام 1914. القطعة تصوّر رجلاً جالساً على عربة مجنحة، يقف على كفه اليسرى طائر يشبه غراباً ربما، وإلى اليمين رجل يبدو مسناً واقفاً تحت الطائر. لكن الذي أثار الضجة وقتها أنّ الحروف حول رأس رجل العربة، قرئت على أنها «يهوه»، أي يهوه. بالتالي، فقد ظن حينها أننا حصلنا، وللمرة الأولى على صورة ليهوه التوراتي. لكن تبين في ما بعد أن الكلمة قرئت خطأ. فالحرف الثالث فيها دال وليس واواً. أي أننا مع «يهد» لا «يهو». وقد ثبت هذا بعد اكتشاف قطع أخرى عديدة عليها كلمة «يهد» بوضوح. وقد افترض بالتالي أن الكلمة على قطع العملة تعني «يهودا»، أي أننا مع قطع صادرة عن مقاطعة يهودا في منطقة القدس. وقد اعتقد أن القطعة من العهد اليوناني، أو من العهد الفارسي على أبعد تقدير. هذا الاستخلاص ضيّع المشهد على قطعة النقود التي نتحدث عنها، ولم يعد مفهوماً، وألغى احتمال الربط بين الاسم «يهد» وبين الرجل الجالس على العربة. أي ألغى احتمال أن يكون «يهد» هو الجالس على العربة.
والحال أنّ قطعة تيماء تعيد فتح ملف قطعة «يهد» الفلسطينية من جديد. فلدينا في القطعتين رجلان وطائر يقف على اليد، والفارق هو عدم وجود الطبق في قطعة «يهد». لكن من السهل افتراض وجوده. عليه، يمكن للمرء أن يفترض أننا مع الأسطورة الدينية ذاتها. أي أننا مع «مطعم الطير» ومع إله- ملك آخر يتقبل طعام الطائر الذي يقف على كفه. وفي هذه الحال، فمن الواضح أن الرجل الذي يظهر وجهه تحت الغراب في قطعة النقد مثيل للرجل الذي يحمل الطبق في تيماء. بذا فهو طراز من «مطعم طير». أي أنه هو الآخر على علاقة ما بالإله الذي نصب صنمه على جبل المروة المكي. وإذا صح هذا، يكون الإله الذي يحمل الطائر ويجلس على العرش، أو على العربة المجنحة، هو مستقبل طعام الطير، أي مستقبل التقدمة- الأضحية. أي أن «يهد» هو اسم من يستقبل التقدمة من «مطعم الطير» في فلسطين. ومن اسم هذا الإله أخذ اسم مقاطعة يهودا في منطقة القدس، ومنه أيضاً أخذ اسم الديانة اليهودية لاحقاً.
وإذا كان «مطعم الطير» على المروة مشابهاً للرجل الذي يطعم الطائر في قطعة تيماء، ومشابهاً للرجل الذي يظهر وجهه في قطعة «يهد» الفلسطينية، فإن المنطقي أن نفترض أنّ الرجل الذي يقف الطائر على يده في القطعتين يساوي الصنم المقام على الصفا، أي أنه طراز من «مجاوز الريح». بذا فالإله ذو الطائر هو «مجاوز الريح» المكي. والاسم مجاوز الريح، الذي صُحّف ليقرأ بالراء «مجاور»، يعني: ساقي الخمرة. فالجذر جوز يعطي معنى السقاية، والريح هي الخمرة. بالتالي، فنحن مع الطعام والشراب، أي مع الرفادة والسقاية، المهمتين الدينيتين المركزيتين في مكة قبل الإسلام.
هذا يعني أنّ «يهد، يهودا، أهود» على قطعة عملة فلسطين اسم إله في الأصل. وكنت قد توصلت إلى هذا الاستخلاص في كتابي: «عندما سحقت حية موسى: نشوء الديانة اليهودية في فلسطين في العصر الفارسي». وقد بينت في ذلك الكتاب أن بني إسرائيل في التوراة كانوا يعبدون إلهاً اسمه «إسرائيل»، في حين كان بنو يهودا يعبدون إلهاً اسمه «يهودا، أهود».

صورة الإله يهد
ولحسن الحظ يبدو أنني عثرت بالفعل على هذا الإله مصوراً على تمثال نذري في أحد المواقع التي تتعامل مع القطع الأثرية المحفورة بشكل غير شرعي وعلى اللينك أدناه.


لكن حين عدت إلى اللينك أثناء كتابة المادة، وجدت أن الصورة قد حذفت. ويحدث هذا في العادة حين تباع القطعة. وليس لدينا أي معلومات عن القطعة. فمن نشرها لم يعطنا أي معلومات عنها وعن مكان العثور عليها. لكن كما نرى في الصورة أعلاه، فهناك رجل يرفع كفيه أمام المشاهد في حركة ذات طابع ديني واضح، وعلى صدره كتبت كلمة تقرأ من اليسار إلى اليمين هكذا: «أهد» أي «أهود». وهو نفس الاسم على قطعة العملة الفلسطينية، لكن مع تحويل الياء إلى هاء. ونحن نعلم أن الاسم «يهد» يرد في التوراة كـ «أهود»، أي بالألف لا بالياء، وكاسم لواحد من قضاة عصر القضاة. بناء عليه، يمكن القول إنّه صار مؤكداً وجود إله اسمه «يهد، أهد».
وإذا نظرنا إلى حروف الكلمة، فإنّ حرف الألف يشبه ألف عدد من أبجديات شمال الجزيرة العربية، وهذا ما يوحي بأنّ أبجدية النقش على علاقة بالجزيرة العربية. أما الحرف الأوسط، حرف الهاء، فيبدو الأشد قدماً من حيث شكله. فهو يشابه حرف الهاء في نقش وادي الهول، وفي النقوش السينائية عموماً. وهو ما يشير إلى أنّ النقش قديم جداً. وتقديري أنه ربما أتتنا من القرن العاشر قبل الميلاد. بذا فالإله الذي نتحدث عنه موجود منذ زمن موغل في القدم.
وكنت قد ركزت في كتبي عن ديانة مكة في الجاهلية على أنّ لقب عبد المطلب بن هاشم، جد الرسول محمد، هو «مطعم الطير»، واستخلصت أنه كان كاهناً للإله مطعم الطير. لذا فهو يحمل لقب إلهه لأنه ممثله على الأرض. كما بينت أن عبد المطلب ذبح ابنه عبد الله رمزياً للطير. ونقول رمزياً لأنه فداه بحيوانات في نهاية الأمر، وأطعمها للطير على رؤوس الجبال.
أما جذر طقس ذبح الولد كأضحية، فعلى علاقة بالماء. فنحن نعلم أنّ عبد المطلب أعلن حين كان يحفر زمزم قوله: «اللهم إن سقيت الحجيج ذبحت لك بعض ولدي؛ فأسقى الحجيج منها؛ فأقرع بين ولده، فخرجت القرعة على ابنه عبد الله» (الزمخشري، الكشاف). بالتالي، فالحصول على ماء زمزم لسقاية الحجيج كان يقضي تقديم عبد الله كأضحية. من دون هذه الأضحية ما كان يمكن لعبد المطلب الحصول على ماء زمزم، أي على الماء السفلي. ومن هذا فقد حفر عبد المطلب زمزم «عند نقرة الغراب الأعصم»، أي أنه حفر في المكان الذي حدده الغراب. ذلك أن الغراب ممثل لإله الماء السفلي. والغراب في ما يبدو هو الذي يقف على يد الرجل في قطعة تيماء وفي قطعة النقد الفلسطينية. بذا يمكن استنتاج أنّ الأضحية كانت مقدمة للغراب، كممثل لإله الماء السفلي. لقد كان على عبد المطلب لكي يحصل على الماء السفلي، أن يقدم أضحية لهذا الإله، وأن يأكلها الغراب- الطائر الذي هو رمز هذا الإله.
أما في قطعة تيماء، فيمكن افتراض أن الطبق في يد الرجل الواقف يحوي لحم هذه الأضحية، لكن بعدما استبدل الولد بأضحية حيوانية.
عليه، فالرجل الواقف هو مطعم الطير، أو كاهنه، وهو يقدم الأضحية للطائر الغراب، الذي هو تجسيد إله الماء السفلي، هذا الإله الذي هو، في ما يبدو، طراز من «مجاوز الريح» الذي نصب على المروة. إذن، فقطعة تيماء قطعة خطيرة جداً تكشف لنا ديانة الجزيرة العربية قبل الإسلام في أعمق جذورها.

* ملاحظة: المادة مختصر لفصل من كتاب قادم أعده عن (الإله مطعم الطير).