ثمة افتتان في صوغ العناوين ووسمها بعبارة «الأخير»، سواء كان ذلك في السينما، مثل شريط «الساموراي الأخير» (2003) للممثل الأميركي توم كروز، أو في الأدب نظير رواية المصري أحمد أمين «الأندلسي الأخير» (2015)، وعمل الأديب الجزائري واسيني الأعرج «حكاية العربي الأخير 2084» (2017)، إذ تحمل الكلمة قدراً كبيراً من الدرامية ومن الإحساس بأننا نغادر زمناً ولّى ولن يعود. وكذا الأمر في «محمد الكرّاي... الماركسي الأخير ـــــ سيرة نضالية ومسيرة فلسفية» (دراسة وإعداد وتقديم خالد البحري ومحمد البشير قلوز/ دار «سوتيبا غرافيك»/ تونس). فسيرة التونسي محمد الكرّاي (1928 – 2000) المتحدّر من مدينة صفاقس وابن الشيخ الورع علي الكرّاي، كما تتبعها الباحثان الأكاديمي خالد البحري والديبلوماسي السابق وأحد تلامذة الكرّاي محمد البشير قلوز، تساعد في رصد الحركة الفكرية، ولا سيّما الشأن الفلسفي تدريساً وتأليفاً. والكتاب محاولة لرد الاعتبار إلى شخصية مناضلة وناشطة أُهمل ذكرها في الأدبيات التي أرّخت للحركة الشيوعية التونسية، فالرجل ناضل في صفوفها حتى الرمق الأخير، وهو جزء من تاريخها، ومن المساهمين البارزين في توطين الدرس الفلسفي في بلاده وفي تنوير عقول المتعلمين، والباحثان يدرجان عملهما في «سيّاق رد اعتبار أخلاقي وفي إطار اعتراف فلسفي» لمن درّب أجيالاً على التفكير المنهجي ودلّهم على سبل التحرر.



تبدو أهمية الكرّاي في السياق الزمني الذي قدّم فيه دروس الفلسفة لطلبة البكالوريا في عام 1964 – 1965 باللسان الفرنسي، فكان أول تونسي مسلم يقوم بهذه المهمة، فغالبية المدرسين من التابعية الفرنسية أو من اليهود التونسيين، وقد سبقه في تقديم الدروس كارمل كاميلاري، التونسي ذو الأصول المالطية، وكان الكتاب المعتمد لطلبة البكالوريا في الفترة الاستعمارية هو كتاب أرمان كوفيلّيه المعنون «دليل الفلسفة لطلاب صفوف الفلسفة».
ويُعد الأستاذ الكرّاي مع الراحل محجوب بن ميلاد (1916 - 2000) من ولاية بنزرت، من أوائل مدرّسي الفلسفة الذين شكّلوا البنية الذهنية لعدد كبير من النخب المثقّفة والمدرّسين على امتداد عقود ثلاثة من تاريخ تونس المعاصر، كانت الصراعات فيها على أشدّها مع «الكولونيالية وأذنابها ومع الجهل وسدنته، ومع النظام القائم وزبانيته، ومع الإمبريالية وعبيدها»، وفي خضمّها شُكِّلت السياسات التربوية والتعليمية والثقافية.
وللأستاذ رأيه في مسألة «تعريب الفلسفة» المطروحة بقرار وزاري صدر في عام 1975، بزعم مواجهة النزعة اليسارية المتغلغة في الأوساط الطالبية، وكان رأيه أنّ ذلك الأمر «لا يمكن أن يحقق أهدافه البيداغوجية والتربوية إلا إذا استند إلى رؤية منهجية وعقلانية منزّهة عن أي اعتبارات غير علمية». ويُحسب له انتصاره للدرس الفلسفي الخالص ورفضه الخلط بينه وبين تدريس مادة الفلسفة الإسلامية، وفي دفاعه الشديد عن قيمة الفلسفة وروحها، وفي عرفه أن المعلم الجيد هو ذاك الذي يدرب تلامذته على التفكير بأنفسهم وفاقاً لنصيحة الفيلسوف الألماني أمانويل كانط القائل: «تجرّأ واستخدم عقلك».
ولم يسع الشيوعي، الذي زار الاتحاد السوفياتي آنذاك والصين، للتأثير العقدي في تلامذته، بل كان يدربهم على «المساءلة النقدية والتفكير المنهجي»، مستنداً في قناعاته ونقاشاته باستمرار إلى الأفكار الماركسية. وهو المهتدي إليها على يدي محمد النافع (1917 - 2007)، رئيس فرع الحزب الشيوعي في صفاقس، والذي سيتولى في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين المنصرم، الأمانة العامة للحزب، كما تتلمذ على يدَيْ أستاذ الفلسفة الفرنسي الشيوعي جان فينيو.
لم يسع للتأثير العقدي في تلامذته، بل درّبهم على «المساءلة النقدية والتفكير المنهجي»


من خلال مصادر الباحثين الغنية والشهادات الكثيرة، يُعد الكرّاي أول أستاذ فلسفة يدرج مؤلف كارل ماركس وفريدريك أنجلز «بيان الحزب الشيوعي» (1848) وشعاره الشهير «يا عمّال العالم اتحدوا»، وعمل ماركس «الحرب الأهلية في فرنسا» (1871)، ضمن الأنشطة الدراسية المخصّصة لدراسة كتاب فلسفي. ثم إنه كان ينظم حلقات فكرية عمومية ومفتوحة لقراءة مؤلفات ماركس وشرحها. وقد جهد في أن يبقى مستقلاً في تفكيره خارج أطر الستالينية (جوزيف ستالين) أو الماوية (ماوتسي تونغ) أو الألبانية (أنور خوجة)، وبعبارات الكتاب، كان الكرّاي «يخوض تجارب النضال ويعمل على تفعيل أفكاره وآرائه من جهة، ويسعى للتمايز عن غيره من رفاقه وعدم الذوبان في خط أي كان، من جهة أخرى».
وبحكم هواه الشيوعي، انخرط باكراً في الأنشطة النقابية، فانتمى إلى «اتحاد الطلبة التونسيين» (U.E.T) أيام الدراسة، وإلى نقابة التعليم الثانوي وبالتالي إلى «الاتحاد العام التونسي للشغل»، وقد فُصل منه مع زميلين له، حين شُكِّلت جبهة معادية للشيوعيين وتمّ نعتهم بـ«أنصار التطاحن الطبقي». وكان له حضوره في الجمعيات الثقافية التي عنيت بتوعية الناس حول مشكلاتهم، سواء من خلال المحاضرات أو نوادي السينما وعرض الشرائط المعبّرة عن الهموم والمشكلات الاجتماعية ذات البعد الأنسي، ولا سيّما أفلام الواقعية الإيطالية التي عبّر عنها كل من فيسكونتي، وألبيرتو لاتوادا، وهي أفلام تدعو إلى التأمل والتفكير في حالة البؤس المعمّمة التي اجتاحت البشرية. ونختم بما قاله الباحثان عن مسيرة وسيرة محمد الكرّاي، وهو ليس آخر الماركسيين: «عاش ملحداً واعترف عند الغسق، بأنه لا يمكن إكراه أيّ كان على الإيمان».

* كاتب لبناني