في الجزء الثاني من سيرته الذاتية «تلك الأزمنة» (دار نوفل ـــ 2022)، يمر الروائي والقاص الفلسطيني محمود شقير (1941) على الزمن الذي مضى ليقول أشياء كثيرة عنه، كأنه يتأمل كل ما حدث في منعطف هام في حياته وهو في عمر الثمانين. يدعونا لنتأمل معه في حياة زاخرة بالإبداع والشخصيات والأحداث والمواقف وحتى العائلة والأحفاد. تأتي قوة السرد من دعوتنا إلى تأمل معنى أن يكتب كاتب سيرته، ليتحدث بكل بساطة وسلاسة عن أخطائه وكتبه وأحفاده وحياته التي عاشها وهو متمسك بأفكاره ومبادئه. نرى كيف تتقاطع هذه الأفكار مع حياة هذا الكاتب القدير وكيف يعيد هو قراءة ما قاله عن الآخرين وما قالوه عن كتبه. ينحاز كما قال في بداية الكتاب إلى ما قاله الكاتب هنري ميللر في كتابه «منعطف الثمانين»: «وأنا في الثمانين أحكم على نفسي بأنني أكثر مرحاً مما كنت في العشرين أو الثلاثين».

وهنا نتابع بشوق كيف استطاع ابن جبل المكبر في القدس أن يكتب قصصاً من وحي الواقع، لكنه أكملها بالخيال، لأنّ علاقات الحب لم تكن ممكنة في قريته إلا بالسرية. لذلك، كتب قصته «أحلام الفتى النحيل» التي تتحدث عن مهند الذي يلتقي بحبيبته ناديا، وكيف انصرف بعدها إلى النشاط السياسي وكتابة المقالات السياسية. اعتقل محمود شقير أكثر من مرة، والتحق بـ «حزب الشعب» وهو في الثامنة والعشرين من عمره. يجعلنا الكاتب هنا نتأمل أيضاً معنى النضال السياسي والإبداع في حياة كاتب فلسطيني، صدر له أكثر من واحد وسبعين مؤلفاً، والعديد من النصوص المسرحية والسيناريوات للمسلسلات التلفزيونية.


في بداية الفصل الثالث، يذكر الكاتب قولاً لغاستون باشلار «نصبح أشجاراً حينما لا ننهك الأرض بأسفارنا». وحقاً يعود الكاتب إلى تلك الذكريات كأنها أسفار إلى مكان مألوف، فيتذكر أنه على أبواب الثمانين ما زال مراقباً لتصرفاته وأقواله وممارساته. فيقول عن علاقة ذلك بالكتابة: «صحيح أنني مجدد في الكتابة كما أزعم، غير أنني أنحاز إلى الانضباط حتى أثناء ممارسة التجديد». ويعزو ذلك إلى الانضباط الحزبي.
يشاركنا الكاتب أيضاً ما يجول في قلبه من قلق حول عدم ظهور أي رد فعل مكتوب على روايته الجديدة «ظلال العائلة» فيسأل: هل هي دون المستوى؟
ومن آراء النقاد إلى رأيه هو أيضاً في الكتب والروايات واختلافه مع بعض النقاد حول بعض الروايات، ومنها روايات غالب هلسا ونجيب محفوظ وإبراهيم نصر الله. هو يعتب على نفسه أيضاً حين قال عن رواية «الشيّاح» لإسماعيل فهد إسماعيل بأنّها باهتة وغير مقنعة على خلاف ما قال عنها محمود أمين العالم واكتشف بعد سنوات عندما أعاد قراءتها أنها جديرة بالتقدير لما انطوت عليه من لغة جميلة.
وبينما يتحدث شقير عن الكتب، يعيدنا إلى البيت وإلى صوت جرس ابنته أمينة الذي يقرع في الغرفة. يحدثنا طويلاً عن ابنته بألم التي أصيبت بمرض ضمور العضلات وهي في العشرين من عمرها. جرس منبّهها يرن باستمرار ليهرعوا لمساعدتها، والعبء الأكبر يقع على أمها رغم أن الجميع يساعدونها.
وللحفيد مهدي أيضاً مكانة مهمة في حياة الأديب محمود شقير الزاخرة بالوجوه والأحداث. يتحدث بعمق عن علاقته به، وكيف ألهمته هذه العلاقة في الكتابة أيضاً. والمثير أيضاً هو كيف تأثر أبناؤه بأفكاره. فالجميل هو أن نكتشف عمق تلك الأفكار وتأثيرها على الأشخاص من حوله ولا سيما أبنائه، فيذكر الأديب أنّ أبناءه قد تأثروا. أما أحفاده وحفيداته، فليس كثيراً لأنّه لم يعد متحمساً لأي حوار.
ينتقل الأديب إلى رسائله إلى الأسرى في فصل خاص بدأه باقتباس لمحمود درويش «لا وقت لدي لأكره من يكرهني، فأنا مشغول بحب من يحبني». فيكتب رسالته إلى الأسير حسام زهدي، والأسير مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لـ «حركة فتح» في سجن هداريم، وأحمد سعدات الأمين العام لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في سجن رامون، وباسم خندقجي عضو اللجنة المركزية لـ «حزب الشعب» الفلسطيني في سجن جلبوع، وإبراهيم مشعل في سجن هداريم، وحسام زهدي شاهين في سجن رامون، والشابة آمنة منى في سجن الدامون، ورائد السلحوت في سجن جلبوع. ويذكر الأديب أيضاً أولئك الذين التقاهم لمرة واحدة منهم الشهيدان الكاتب غسان كنفاني وفنان الكاريكاتور ناجي العلي، والكاتبة نوال السعداوي. ويذكر أيضاً في فصل سابق تعرّفه إلى الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ أثناء انعقاد «برنامج الكتابة الدولي» عام 1998 في مدينة أيوا الأميركية.
يتوقّف عند رسائله إلى الأسرى في فصل بدأه باقتباس لمحمود درويش


وعن شعوره بالرضى عن إبداعه الأدبي، يكتب: «حين أنظر إلى السنوات الطويلة التي أمضيتها في كتابة القصص والنصوص، فإنني لا أشعر بالتقصير. مع ذلك، أرى من واجبي أن أنجز مزيداً من الكتابة الإبداعية بالنظر إلى ما يتهددني شخصياً ويتهدد أسرتي وأبناء شعبي، ويتهدد فلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص من مخاطر مبعثها العدوان الصهيوني المستمر على بلادنا وعلى أبناء شعبنا أجمعين». المتأمل في سيرة محمود شقير، يشعر بأهمية الكتابة عن الكتابة وعن الحياة اليومية للكتاب. ففي ذلك دخول إلى الحديقة الخلفية للكتابة والإطلالة على حياة تلهم الكتابة الأدبية وتتقاطع معها، لا سيما تلك العلاقة مع الأبناء والأحفاد ومع الأسرى والكتاب والحياة السياسية. ينهي الكاتب عمله بثلاثة ملاحق: الأول عن يوميات ابنته أمينة مع المرض، والثاني قصة قصيرة بعنوان «الغسيل»، والثالث هو مقتطفات من نصوص كتبها أصدقاء وصديقات احتفاء ببلوغه الثمانين. هنا نمشي مع الزمن وهو يحدثنا معنى أن تكون في مكان آخر في العمر، وتطل على حياتك لتقول أشياء عنها في سرد لا يمرّ تدريجاً بل يتداخل. تلك الأزمنة هي المكان الذي يصل إليه الروائي محمود شقير وتستمر الرحلة بما أثّثه من أفكار وأحلام على الطريق.