أصدرت الروائية الجزائرية كوثر عظيمي (1986) أخيراً رواية فرنسية جديدة تعدّ الخامسة في مسيرتها، اختارت لها عنوان Au vent mauvais أو «نذير شؤم» (دار سوي ـ باريس). في هذا العمل أيضاً، تبقى صاحبة «صغار ديسمبر» وفيّة لمهد البدايات أو لتربة الوطن، إذ أبقت على الجزائر مسرحاً لأحداث روايتها الجديدة، وهي الحاضرة دوماً في كل نصوصها باختلاف التيمات التي تختارها لكل عمل إبداعي جديد.

يشكّل «سعيد» و«طارق» و«ليلى» ثلاثي تفاصيل الإصدار الجديد للروائية الجزائرية المقيمة في الخارج. «سعيد» هو مدلّل عائلته ميسورة الحال، فيما يُعدّ «طارق» وحيد والديه و«ليلى» فتاة قدَرها أن تخضع لمنطق مجتمع ذكوري، تسعى عائلتها لتزويجها في أقرب فرصة. الجميع يقطن قرية جزائرية ليفترق هؤلاء مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قبل أن تلتقي ليلى وطارق من جديد ليقرّرا عقد قرانهما، فيما لم يظهر أثر لسعيد ويغيب عن الأنظار.


سعيد، كما تروي كوثر عظيمي، يُجيد القراءة والكتابة وهو الذي تتلمذ على يد والده الإمام. في سن المراهقة، يسافر لمواصلة الدراسة في تونس. وقبل الرحيل يقترح على طارق تبادل الرسائل ليعرف كل واحد منهما جديد الآخر. لكن طارق يرفض ذلك ويرد عليه «في الأخير أنت الذي تحب الكتب والكتابة وليس أنا. ما عليك إلا بمراسلتي، وسأقرأ لك لكن لا تنتظر جواباً مني. سأحكي لك كل ما لن تعيشه في القرية بعد عودتك في العطلة. سأسجل كل الأحداث حتى لا أنسى شيئاً» ويفضّل طارق رعي الأغنام طيلة تلك المدة.
بعد سنوات، يظهر سعيد بقبعة كاتب ليتسبب في فضيحة حوّلت هدوء القرية إلى بركان، وتعيد على عجالة طارق إلى بيته وهو الذي يعمل في جهة أخرى، بعدما طالبته العائلة بالرجوع لكون الرواية التي أصدرها سعيد تروي سنين شبابه ونبضات قلبه وقتها بحب ليلى، مفضّلاً الاحتفاظ باسمها في كل وقائع النص. كما أبقى على اسم القرية التي شهدت أحداث القصة رغم أن الزمن فرّق بينهما. وبهذا الإصدار انقلبت حياة طارق وليلى رأساً على عقب.
تظل كوثر عظيمي وفيّة لنمط الكتابة الذي عوّدت عليه قراءها. من دون أن تنصّب نفسها مؤرخة، وضعت أحداث هذه الرواية أيضاً، كما كان الشأن لرواياتها الأربع السابقة، ضمن محطات زمنية شهدتها الجزائر منذ الحرب العالمية الثانية لغاية العشرية السوداء في التسعينيات، مروراً بثورة التحرير والاستقلال (1854 ـــ 1962). في أحد اللقاءات الإعلامية، تعترف صاحبة «ثرواتنا» (سوي ــ 2017) أنّ نصها الروائي الجديد ترجم واقعاً شخصياً، حيث تعود جذورها إلى سنوات دراستها في جامعة الجزائر. يومها، قرأت مصادفة كتاباً يروي قصة جدّيها، لتضيف في هذا السياق «أحرجني الأمر كثيراً في بادئ الأمر، ولم أتمكن من تقبّله وتجاوزه إلا بمساعدة أصدقاء». ورفضت عظيمي تصنيف هذه الرواية ضمن السير الذاتية.
تعكس الرواية قصة سعي الأديب للتحايل بالتخييل لإبعاد الأذى عن الشخصيات في حال تم سرد قصص واقعية، والإبقاء على أدب رافض للبوح والفضح، إذ أضافت في تصريحات لها «أميل كثيراً للتخييل، فهو الذي يمنح حرية أكثر لقلمي.»
ابنة الجزائر العاصمة تصر على أن الأدب ينتصر لقضايا ويرافق المهمشين ويمتع نثراً وشعراً، رافضة أن يدمر أو يحطم الفرد والمجتمع. كما تظل متشبثة بمهد البدايات في كل ما تبدع. هذا الوطن الحاضر في نصوصها السابقة من «همس الملائكة» (2010) وصولاً إلى «صغار ديسمبر» (2019)، مروراً بـ«حجارة في جيبي» (2015)، و«ثرواتنا» (2017) حاضر أيضاً هذه المرة.
أبقت على الجزائر مسرحاً لأحداث روايتها الجديدة


وبحجم تمسّكها بالوطن، يعكس عنوان الرواية تفتّح كوثر على ثقافات الغير، وهي التي اقتبسته من قصيدة «أغنية الخريف» للشاعر الفرنسي الشهير بول فيرلان.
وكانت رواية عظيمي السابقة «ثرواتنا» قد حصدت جوائز عدة من بينها جائزة «رونودو» للثانويين في فرنسا. ولا يختلف اثنان على أنّ خريجة جامعة الجزائر (إجازة في الأدب الفرنسي) لا تخفي في كتاباتها تأثّرها الكبير بالعشرية السوداء خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي التي عايشتها خلال أعوام الدراسة. تدرك جيداً أنّ جيلاً سبقها في الإبداع دفع ثمناً غالياً وقتها لإبقاء صوت الثقافة وإعلائه في الجزائر، وما إصرارها على إظهاره سوى «ثأر» آخر لتأكيد عرفانها لهؤلاء المثقفين الذين ضحوا ومهّدوا لها الطريق للبروز. كما لا تخلو أي رواية كتبتها ضمن الخماسية التي عرفها بها - حتى الآن - قراؤها من توابل جزائرية حول معاناة وآمال أبناء بلدها ويومياتهم، مختزلة المسافة الفاصلة بين مكان إقامتها (باريس) ووطنها الجزائر، بالعودة إلى واقع هذا الأخير. من نبش ماضيه الثقافي باستذكار وجوه أدبية على غرار ألبير كامو وطفولته في الحي الشعبي «بلكور» في الجزائر العاصمة في نص «ثرواتنا»، إلى التلميح لشرارات «الحراك الشعبي» في رائعتها «أطفال ديسمبر» مروراً بنظرة المجتمع الذكوري للعازبة في رواية «أحجار في جيبي»، أبقت عظيمي على ذلك الوفاء لمهد البدايات واستنطاق الأزمنة والأمكنة في جزائر يرفض حبرها الابتعاد عنها.