يُعد صلاح عيسى (1939ــــ 2017) من أبرز الصحافيين في تاريخ مصر الحديث ومن أكثرهم تتبّعاً لدقة المعلومات. نشر صلاح عيسى كتباً كثيرةً تؤرّخ لفترات زمنية حرجة من تاريخ مصر الحديث، عبر تحليل دوافع الجريمة. ومن أبرز هذه الكتب عمله الضخم «رجال ريا وسكينة سيرة سياسية واجتماعية» و«أفيون وبنادق: سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوّخ ثلاث حكومات». صدر الأخير أخيراً عن «دار المحروسة» بعدما نشر في حياة عيسى نفسه عام 1979 ضمن مجلة «23 يوليو» التي كانت تصدر في العاصمة البريطانية آنذاك، لكنه لم ينشره وقتها باسمه بل باسم مستعار هو «صادق عنان». كان ذلك نتيجة ما فرضه السادات من تضييق سياسي ضد الصحافة واليسار الذي كان عيسى من أشهر أصواته وقتها.

في هذا الكتاب، يسرد عيسى سيرة محمد محمود منصور الشهير بـ «الخُط» أحد أشرس مجرمي مصر في تاريخها الحديث عبر 12 فصلاً، يحاول فيها فهم وتحليل نفسية «الخط» ومن حوله لتحليل المجتمع سياسياً ونفسياً. يبدأ بتتبّع سيرة صورة «الخُط» في الوعي الشعبي، وكيف تحول محمد محمود منصور من صياد سمك فقير إلى قاتل بسبب صفعة، ثم مجرم يهابه صعيد مصر كله.


تُحكى روايات كثيرة حول الدافع الذي حوّل «الخُط»، لكن أبرزها تبعاً لما جاء في كتاب عيسى هو قصة صفعة وجهت إليه من شيخ الخفر (وظيفة أقل درجة من العمدة كان يشغلها البعض في قرى مصر في الأربعينيات) في بلده، ما أثار غضب «الخط» ودفعه إلى قنصه بعد هذه الصفعة في اليوم التالي. ولكن هذا ليس دافعاً وحده للتحوّل العنيف برأي عيسى، بل كان رد فعل طبيعياً لإهمال الدولة الفقراء والمحتاجين في صعيد مصر. عيسى الذي عثر على مخطوط هذا الكتاب في محاولته لكشف العنف السياسي الذي مارسته السلطات قبل 23 يوليو 1952 وجد أن ثمة رابطاً بين العنف المُمارس من النظام والعنف المُمارس من أولاد الليل كـ«الخُط» وتابعيه والعصابات التي تشكّلت في تلك المرحلة، ليجد أنها رد فعل على العنف أو هي العنف البديل لعنف الدولة التي كانت شاخت في تلك المرحلة سياسياً واجتماعياً. يكتب عيسى: «وإذا كان من الصعب العثور على لحظة التحول الغريبة في حياة الصياد الفقير ضمن تفصيلات هذه الحياة؛ لأنه لم يكتب مذكّراته ولأن حياته العاصفة لم تترك رواةً يرتكن إليهم، ليس من الصعب إدراك المناخ الذي أثّر فيه. ذلك أنه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها، شهدت مصر موجة من العنف لم يسبق لها مثيل في تاريخها كله. موجة لم تقتصر فحسب على الجرائم الجنائية، كالخطف والسرقة والقتل وانتهاك الأعراض، بل تعدّت ذلك العنف السياسي البالغ، بحيث أصبحت حوادث نسف المباني ودور السينما والمؤسسات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال مسائل عادية، وما أكثر المحاولات التي بُذلت لإزهاق أرواح الساسة المصريين، نجح كثير منها، وفشل الكثير، وكانت الصحف لا تكاد تخلو يومياً من نبأ انفجار قنبلة لم يمكن العثور عليها قبل أن تنفجر، في كل الأماكن، التي تخطر على البال، والتي لا تخطر عليه». لعلّ لحظة تحول هذا الصياد الفقير هي أكثر ما يدل على أنّ هناك عنفاً مضاداً أو بديلاً لعنف الحكومات في العالم العربي، لكن لحظات هذا التحول تتعقّد وتتشابك مكوِّنةً ربما عنفاً آخر مختلفاً عن عنف «الخُط»، مثل العنف المُمارس بين أفراد المجتمعات العربية اليوم، كالعنف الممارس ضد المرأة في مختلف أنحاء الدول العربية. ثمة تشابهات كثيرة بين حكومات زمن «الخُط» وما نعيشه الآن. تذكر جملة «ولأن العُنف -عندما يكون بلا قضية- يتوالَدُ ذاتياً كخلايا السَّرطان» تتكرر هذه الجملة كثيراً في الكتاب على لسان مختلف الشخصيات المذكورة، ربما تكرارها دلالة ما من الكاتب على أن العنف له عنف مضاد.
يتتبّع صورة المجرم في الوعي الشعبي ودوافع تحوّله إلى العنف


في مقدمته لهذا الكتاب، يكتب عيسى: «وإنّي لآمل- يا عزيزي القارئ- أن تجد في هذه «الحدُّوتة» متعة الفرجة؛ إذا كُنتَ لا تريد سواها». من خلال ذكر كلمة الفرجة، تلمح بحثه المضني حول تحويل أقسى التفاصيل وأكثرها عذاباً إلى قصة لا تُقرأ فحسب، بل تدعو القارئ إلى مشاهدة عصر فاته، عبر سرد تفاصيل ملابس الشخصيات المذكورة في العمل، وتصحيح الصورة المأخوذة عنها في الوعي الجمعي. في هذا العمل يذكر ملابس زوجة «الخُط» وعشيقته، ويصحب القارئ أيضاً عبر ملابس هذه الشخصيات لتوضيح عدم دقة بعض المعلومات التي كانت تنقلها الصحافة في ذلك الوقت، وربما ذكره لكلمة «الحدوتة» أيضاً هو دلالة منه على كونه ليس صحافياً فقط بل كونه حكّاء بديعاً «يجعل من التراب دهب» كما يُقال في المثل الشعبي. لكنّ المثل الشعبي لم يقل أيضاً بأنه بمحاولاته التأريخ عبر الجريمة أيضاً، يحول العنف غير المفهوم إلى شيء ربما يمكننا فهمه ومنعه إذا لم تمارسه الأنظمة على شعوبها.