كان «صندوق الذكريات» يرقد فوق أحد رفوف المكتب، فيما كانت صوفيا لورين (1943) قد أنهت للتو صناعة فطيرة حلوى لأحفادها. ما الذي قادها إلى هذا الصندوق المهمل في هذا التوقيت الملتبس؟ حملت الصندوق واتجهت إلى سريرها في استراحة قصيرة، لكن هذه الاستراحة ستدوم طويلاً، فما إن قلّبت محتويات الصندوق حتى انهمرت من داخله رسائل وصور فوتوغرافية ووجوه وأسرار، لطالما رافقتها في رحلتها السينمائية الطويلة المشبعة بالألم والعاطفة والحنين. هذا الأرشيف الضخم سيشكّل المادة الأساسية في كتابة مذكرات إحدى أيقونات السينما الإيطالية التي حملت تواقيع أبرز مخرجي الواقعية الإيطالية الجديدة على الشاشة، لتعبر مثل شهاب من روما إلى هوليوود، كأول نجمة إيطالية تفوز بجائزة الأوسكار عن فيلمها «امرأتان» (1960) المقتبس عن قصة لألبرتو مورافيا.

المذكرات التي حملت عنوان «أمس واليوم وغداً: حياتي» (1983 ـــ انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار المدى»، ترجمة علي عبد الأمير صالح) تتكئ على اسم أحد أفلام صوفيا لورين، لكن تحديقتها نحو الأمس ستكون أبعد في نبش طفولة بائسة وعذابات عائلة بلا أب، نشأت في الملاجئ أثناء الحرب العالمية الثانية، بكل ما فيها من فقر وعوز وجوع. لكن الأمّ التي ربّت ابنتها على القواعد الريفية والدينية الصلبة، والاعتناء بطهو الخيال أكثر من عنايتها بالخبز والحب، ستحمي خطوات الابنة من الفشل وحفر الطريق. هكذا، ستغادر بلدتها إلى نابولي للمشاركة في مسابقة لملكات الجمال، بعدما خلعت الأم ستارة النافذة وحوّلتها إلى فستان. وستفوز بلقب أميرة لا ملكة، ما أتاح أمامها العمل في مجلات القصص المصوّرة.


الفتاة النحيلة التي كانت تُلقّب بـ «عود نبش الأسنان» لفرط نحافتها تمكّنت أخيراً، من الوقوف أمام كاميرا السينما ككومبارس، إلى أن اكتشفها المنتج كارلو بونتي ودعاها إلى «اختبار شاشة». سيحتج المصوّر السينمائي الذي تكفّل بالمهمة قائلاً: «من المستحيل أن نصوّرها فوتوغرافياً. وجهها قصير جداً، فمها كبير جداً، وأنفها طويل جداً». تعلّق على هذا الهراء بقولها: «لا أريد أنفاً صغيراً، مرفوعاً للأعلى. كنت أعرف تمام المعرفة أن جمالي هو نتيجة كثير من الأشياء الشاذة امتزجت كلها في وجه واحد، وجهي. سواء فزتُ أو خسرتُ سيكون في نسخته الأصلية». في مدينة السينما، ستلتقي بالمصادفة المخرج العظيم فيتوريو دي سيكا الذي سيختارها بطلة لمعظم أفلامه اللاحقة، المخرج الذي منحها نصيحة سترافقها طوال حياتها المهنية: «مثّلي بكل جسمك إلى أطراف أصابع قدميك وأصابع يديك، إنها بأهمية صوتك وعينيك ووجهك». هذه النصيحة النفيسة ستضعها أمام فلسفة جديدة لحياتها: «عليّ أن أعرف أن الأشياء الجيدة تأتي من امتلاك الجرأة على الحلم، فقد حرّر دي سيكا قلبي من قيوده كلها» تقول. هكذا وجدت «البطة الصغيرة» نفسها بجعةً: «كنت أود الغطس في بحرٍ أوسع. لا يهم إذا لم أكن قادرة على السباحة». وتضيف: «وجدتني أعيش في جسد متوهج، ممتلئ بالحياة والوعد».
الأضواء الكشّافة التي كانت تشع على حياتها في روما، بعد زواجها من كارلو بونتي، لم تنسها سحر نابولي مرّة واحدة: «الحياة أخذتني بعيداً عن جذوري، إلا أن قلبي سيكون هناك على الدوام، في الضوء، في اللغة، في المطبخ، فأنا أعبّر عن نفسي على نحوٍ أفضل باللهجة النابولية». على فراشها، تستدعي شريطاً مضيئاً من الذكريات، من دون أن تتخلى عن النظر إلى المستقبل ودرب الأحلام التي لا يزال بوسعها أن تتحقق. تضيع في بحر الذكريات، تنحسر حياتها وتتدفق «وأنا أسلّم نفسي ثانيةً لجريانه» تقول. صورة فوتوغرافية تجمعها مع كارلو بونتي تنبئ باشتعال الغرام بينهما، كما تستدعي ذكرياتها عن فيلم «امرأة النهر» (1954)، وهو أول فيلم ينتجه رفيق دربها من أجلها فقط، كما سيهديها خاتماً من الماس. في رحلتها الأولى إلى لوس أنجلوس، أحسّت صوفيا لورين بأنها تقوم بقفزة في العتمة، في داخل عالم من السليولويد في بلادٍ أخرى. لكن ذكرياتها الأكثر حميمية ودفئاً وإشراقاً، ستجدها بصحبة مارسيللو ماستروياني، إذ تشاركا 12 فيلماً: «كانت بيننا كيمياء، ولم تخذلنا هذه الكيمياء البتة».
بعد سنوات طويلة من الصداقة، ستكتب له رسالة في عيد ميلاده تختصر الشغف التاريخي بينهما: «مارسيللو: أنا في الستين؟ أنت في السبعين؟ هل أصبحنا مجانين؟ بالنسبة إليّ، الزمن يجب أن يتوقّف، لا تدعنا نغدو سفيهين. الظلم الوحيد في قدر الإنسان هو أننا نقضي نصف حيواتنا نأسف على النصف الآخر». لا تبدو قصص الأفلام التي ترويها هنا، هي مربط الفرس بقدر عنايتها بالجوانب الإنسانية التي تحدث في الكواليس، كأنّ لا فرق شاسعاً بين الشخصية والممثلة والمرأة العادية التي لا تكترث بنفض الغبار عن أسرار حياتها: «أحياناً، الضوء الخفي في الزاوية القريبة يكون هو المفاجأة»، و«أتصفح ماضي حياتي كأني أتصفح كتاباً، كما لو أنها قصة شخص آخر». سوف يعلّمها شارلي شابلن أهمية أن تقول «لا»، وكيف أصبحت حياتها أكثر يسراً.
ذكرياتها الأكثر حميمية ودفئاً وإشراقاً، تبقى مع ماستروياني

صور فوتوغرافية أخرى ستعيدها إلى ذكريات متناوبة مع أبرز ممثلي حقبة الستينيات: غريغوري بيك، وبول نيومان، وعمر الشريف، ومارلون براندو، وغاري غرانت. تذكر حادثة مرحة أثناء عملها مع عمر الشريف، إذ شكى عمر الشريف من وجبة الطعام كريهة المذاق التي أحضرتها شركة الإنتاج بقوله: «كيف يتسنى للمرء أن يأكل هذه النفاية، كم أحب أن آكل شيئاً من باذنجان أمي في هذه اللحظة بالذات». تؤكد صوفيا أن طهي أمها للباذنجان يتفوق طهي أي امرأة أخرى. يقع رهان بينهما، وتنتصر «مسقعة» أم عمر الشريف على ما عداها. تعقّب على هذه الحادثة بقولها: «الطعام يجعل البشر سعداء، إنه يعيدك إلى الديار، إنه يقول أشياء كثيرة جداً، لا تستطيع أن تقولها الكلمات». لاحقاً سيزج بها في السجن مدة 17 يوماً، بذريعة تهرّبها من الضرائب، وهو ما يضعها في موقف سيء أطاح زمن البهجة، وستوثقه في يومياتها داخل الزنزانة: «أنا في السجن، بهجتي فارغة، وحتى حزني آلي».
في متحف اللوفر ستقف طويلاً أمام الموناليزا لتكتشف أنها هي موناليزا أخرى لحظة تأمل سحرها الداخلي وصفاء روحها، وثقتها بنفسها، تلك التي تغذّي الجمال الساكن في كل واحد فينا: «موناليزا فهمت هذا الأمر». تدافع صوفيا لورين عن النواة الصلبة لثمرة الفاكهة، تلك التي ينبغي أن تبقى سرّاً، ولهذا السبب تأملت دفتر ملاحظاتها، وقررت التخلّص منه: «دلفت إلى الحمام مع علبة من عيدان الثقاب، أشعلتُ واحداً، وأضرمت النار في اليوميات. كلماتي كلها استحالت ناراً، ومن ثم إلى رماد. لم أندم على ذلك».