تشدّنا أحياناً الحكايات الناقصة، ونود أن نكملها كما نحبّ. وفي فن القصة القصيرة، ليست مهمة السرد أن يقول القصة كاملة. أحياناً، تترك القصة لنا فجوات ليذهب خيالنا بعيداً. لكن في «زمن الحكايات الناقصة» (دار دلمون ـــ 2022)، يذهب الكاتب الفلسطيني المقيم في سوريا ماهر رجا نحو اكتشاف قصص حدثت أمامه وكتابتها بطريقة أخرى، كأنه يبحث عن معان أخرى لها. معان قد تبدو أعمق، حين يترك الباب مفتوحاً على التأويل.

تدخل القصص إلى أجواء الحرب في سوريا، لكنها لا تغرق فيها. تتمسك بطرف الأحداث لا بهولها. كأنها تدور حول الأحداث، لتطلّ على لحظات مختبئة داخلها. يأخذ الكاتب زمن الانفجار ليكون عنوان القصة ومضمونها هو ثلاثون ثانية. الزمن الذي حدث فيه الانفجار كان يكفي ليعود البطل إلى البيت. هذا الزمن هو ما يضع له الكاتب «زووم» بكاميرا اللغة ليكتب عنه، لا الانفجار، هي اللحظة التي يحدث فيها الموت، وقد يكون هناك ما يحدث أثناءها.


تحضر أيضاً الجثة في قصته «جثة على الطريق»، لكن في سؤال عن معنى وجودها على الطريق، والمرور بقربها واكتشاف في النهاية بأنّ لها اسماً وملامح. هكذا تغادر القصص حيز الواقع والحرب إلى أسئلة أخرى، لنكون صوراً أخرى داخل هذا الواقع، فننتقل إلى أسئلة عن وجودنا. لا مكان أيضاً للمأساة والتفجع، رغم حضور الألم الذي يقول أشياء كثيرة عما خلفته السياسة.
هنا يطمح الكاتب ليقول أشياء أخرى عما حدث لنا، كأن تلك الحكايات هي فكرتنا عن أنفسنا، التي نود أن نتأملها كل مرة من جديد، تماماً كما يقول في قصته «زمن الحكايات الناقصة»: «أحداث تروى مبتورة حيث لا وقت لنهايات واضحة». في هذه القصة أيضاً، يظهر الانشغال الحقيقي بفكرة البحث عن القصة الحقيقية. نرى الكاتب يتتبع قصة المقاتل الفلسطيني أحمد في البلدة الجنوبية مرجعيون، هو الذي كان يرى الأشباح تبكي. يلتقي بحبيبته سميرة لتحدّثه عن قصة أحمد، ثم تخبره عن اختفائه. نشعر هنا أن حكاية الأشباح شبيهة بتأويلنا للأحداث من حولنا. الواقع الذي يحتاج منّا إلى قراءة أخرى وفهماً أعمق، تماماً كما بحث الكاتب عن قصة أحمد. ويذكر الكاتب أنه لا يتوقع أن يرى أحمد ليخبره عن هؤلاء الأشباح كأن أحمد هو طيف آخر. من هنا، نفكر بدور الأدب، هو لا يريد هنا أن يعكس الواقع، بل أن يذهب إلى مناطق سرية داخله ليجعلنا نتساءل أكثر عنه. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الكاتب أيضاً يبتعد عن جدية الأجواء، لنكتشف الدعابة والمرح في بعض القصص. في قصة «القذيفة سرقت حذائي»، نتأمل كيف تصبح الحرب طرفةً ما، كما كان سليم مع الركاب الذين يرافقهم إلى برلين. ليس الابتعاد عن الجدية هنا سوى محاولة للاقتراب من لحظات هاربة وسط الجو المثقل بالحزن والألم.
وهناك جزء آخر من تلك الحكايات المبتورة التي يبقى سحرها مضيئاً وهي حكايات الحب التي نكتشفها في قصة «رسائل الليل». يتأمل الكاتب تلك الجمل المكتوبة بالطباشير على الجدران مثل «أنا أحبك» وما تثير هذه من شكوك وسرد حكايات حولها وملاحقة أسرار تلك الحكايات، لتصبح تلك الحكايات «الشيء الغامض الذي منح الحيّ حياة أخرى» كما يقول الكاتب.
هكذا يصبح الغموض جزءاً من هذه الحكايات، وجزءاً من لغة الكاتب التي لا تود أن تشرح، بل أن تشير إلى الأشياء. فالكاتب لا يقحم اللغة في وصف ما يحدث، كما في قصة «الطريق الى شجرة السدر». هنا يطمح الكاتب إلى جعلنا نرى غرائبية أن تختفي قرية كانت مسقط رأس «عباد» الذي هاجر في سنوات الحرب إلى كندا. نرى معنى أن تمحو الحرب قرية كانت موجودة. أحداث غريبة، لكنّ غرابتها تكمن في الابتعاد عن شرح تفاصيلها، بل تتبّع دهشة صاحبها الذي لا يقتنع بأنّها اختفت.
تقول الكاتبة الكندية مفيز غالانت في مقابلة مع «باريس ريفيو»، بأنّ قراء القصة القصيرة مثل قرّاء الشعر، هم نوع خاص من الأشخاص. وتقول أيضاً بأنّ المجموعة القصصية لا تُقرأ كالرواية دفعةً واحدةً. قول يجعلنا نقرأ هذه المجموعة بطريقة مختلفة عن الرواية. لكن رغم تغيّر الشخصيات والأمكنة والحالات، يبقى هناك فضاء ما تتداخل فيه غيوم السرد وتبقى اللغة التي تؤسس هذا الفضاء واحدةً، تميل إلى البساطة والإيجاز رغم شاعرية الوصف أحياناً.
تستفيد من الفانتازيا لاكتشاف أجواء غريبة لكن قريبة مما يحدث حولنا


وبالعودة إلى «زمن الحكايات الناقصة» وهي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، وتربط القصص بفضاء واحد، تختبئ داخلها أسئلة المجموعة: هل تحول هؤلاء الأبطال داخلنا إلى أطياف؟ كيف أصبح المكان شاهداً على الغياب؟ وماذا نفعل بقصصنا التي نعيدها دائماً ونتذكرها؟ هي جزء من هويتها ومن غربتنا أيضاً. هذه المجموعة تحاول أن تذهب بعيداً بهذه الأسئلة وطرحها بطريقة غير مباشرة. تستفيد القصص أيضاً من الفانتازيا لاكتشاف أجواء غريبة لكن قريبة مما يحدث حولنا، كما في قصة «غرفة الأسئلة الخمسة» التي ينقذ فيها صبحي طفلاً، بينما يعجز عن إنقاذ رجل يدعى سين، وهناك يبدؤون باستجوابه. يركز الكاتب على تلك اللحظات التي تطرح عليه الأسئلة وكيف يفرح بها ليكتشف أمراً آخر في النهاية. إنّها الأسئلة إذاً التي تتحول إلى رقيب من دون أن نعلم.
مجموعة هادئة ومتأملة، ربما أفاد الكاتب كثيراً من أجواء الشعر في هذه المجموعة لتصبح القصة القصيرة سؤالاً عن الأشياء واستفزازنا لنتأمل ذلك. هكذا تبتعد عن الواقع في كونها تقرأ حكاياته بطريقة مختلفة، وتحاول أن تقول عنه أشياء لم تنقلها الأخبار ولا الكاميرات. هو زمن الحكايات التي تحتاج إلى مخيلتنا.