علاقة جوديث بتلر (1956) بالفلسفة بدأت من قبو منزلها العائلي، حيث وضع والداها كتابات فلسفية مختلفة هنا وهناك. في القبو، قرأت بتلر كلاً من سبينوزا، وكيركغارد وآخرين. ولدت «جودي» ـــ كما يحلو لأصدقائها الجامعيين مناداتها ـــــ في كليفلاند في ولاية أوهايو، يهوديةً أميركيةً من أصول روسية ــ مجرية. قدّمت إسهامات بارزة في مجالات الفلسفة النسوية، ونظرية النوع والمثلية، والفلسفة السياسية، والأخلاق، بينما تعمل أستاذةً في قسم الأدب المقارن والبلاغة في «جامعة كاليفورنيا ــ بركلي».

في إحدى المقابلات معها، تصف بتلر نفسها، قائلةً: «لا أدعي بأنني أحمل، أو أتّبع، منهجيةً واحدة. أحاول أن أسمح لموضوع التحليل بأن يأخذ الأولوية، ومن ثم أعدل نظرياً مع استمراري في العمل. مثلاً، لم أشتغل كثيراً على فوكو في السنوات الأخيرة لأنّ صور القوة التي نشهدها، لم يتم تخيّلها بشكل كامل في نصوصه. ولذلك، أجمع النظريات معاً بصورة توفيقية، أو أقدم إطاراً نظرياً عندما يناسب الحقيقة التاريخية. أحاول دوماً أن أجلب المصادر التي أملكها لمواجهة ظروف حالية كالحرب، والهشاشة، وانعدام الجنسية، والعنف، والجندر، والجنسانية، والدين والعلمانية».

يصعب فهم أعمال الفيلسوفة الأميركية من دون الإلمام بتقاليد ما بعد البنيوية

تعتبر جوديث بتلر، أحد أهم قادة النظرية النقدية المعاصرة، تحركت في جميع اتجاهات الفكر الحديث، ساجلت سبينوزا وروسو وهيغل وكانط، وطوَّرت فلسفة فوكو، وفرويد، والتوسير، وجاك لاكان، وهابرماس، وجاك دريدا وسيمون دو بوفوار. لذلك، يصعب فهم أعمال الفيلسوفة الأميركية من دون الإلمام بتقاليد ما بعد البنيوية، لأنّها تدفع حدود قواعد اللغة الإنكليزية إلى منتهاها. ربما لهذا تحديداً، تنتج أحياناً تصورات خاطئة أثناء قراءة أعمالها، خصوصاً حينما تُترجم. في حوار سابق معها، تخبرنا بتلر بأنّ كل ترجمة تنتج كتاباً جديداً لها ومجموعة جديدة من الإمكانات والاحتمالات للقراءة. وهذا يضعها أمام سؤال: ما الفرق بين إمكانية جديدة لقراءة نص ما وإساءة قراءته ضمن حقل النقد الأدبي التفكيكي؟ تجيب بأنه يمكنها إنهاء السؤال ببساطة عبر ادّعاء بأن كل قراءة هي إساءة للقراءة. لكنها ترى أنّ هذا تسرّع في الحكم. لذلك، تحبّ أن تنظر إلى كلّ ترجمة على أنها تمنح معنى جديداً لأن لغة النص جديدة تحمل إشارات وارتباطات مختلفة. تؤكّد بتلر أنّ كل ترجمة تمنع القصد، أياً كان هذا القصد الذي كانت تعنيه عند صياغة الكتاب. ذلك أن المؤلف يعمل غالباً تحت «وهم السلطة التأليفية» على حد تعبير بتلر، لكنّها في الوقت نفسه، ترى أنّ كل ترجمة هي هدية، لأنها تمنحها شيئاً من لغة أخرى لم تتوقعه أبداً، ولأنّها تفقد سلطتها كمؤلفة حين تجد لغتها وقد تبدلت وتضخّمت بفعل لغة أخرى.

المنهجية
رداً على النقد الذي يطال منهجيتها، تصف بتلر نفسها بأنها ليست متخصصة في العلوم الاجتماعية، لكنها فيلسوفة تأثَّرت بشدة بتقاليد النظرية النقدية وما بعد ــ البنيوية مثل هيغل. بعد قراءة الأخير تحديداً، ستتبنّى بتلر مفهوم الاعتراف الذي أثّر لاحقاً في حياتها السياسية والفلسفية؛ نظراً إلى التصاقه بوضعها الذاتي. هكذا، حصلت بتلر على دكتوراه في الفلسفة من جامعة «يال» عام 1984، بأطروحة نشرت لاحقاً تحت عنوان «موضوعات الرغبة: تأثيرات هيغل على فرنسا القرن العشرين». في هذه الدراسة، طوّرت بتلر فهماً جديداً للعلاقة بين الرغبة والاعتراف. فالرغبة في العيش، كما تحدث عنها سبينوزا، غير ممكنة في نظرها إلا من خلال الاعتراف الهيغلي، بحيث لا يرتبط الاعتراف بتحقيق الرغبة بالعيش فقط، وإنما بالعيش بطريقة حرة ومختارة، أي أنه يطرح سؤال الهوية التي لا تَنظر إليها كشيء ثابت ومحنّط، بل كهوية تتشكل بحسب الظروف التي ينمو فيها الفرد، وبفضل تنشئته الاجتماعية التي يخضع لها. وهكذا، فمعرفة الذات لا تتم من خلال الغير ولا ترتبط به؛ لأنها قد تكون هوية غير اجتماعية، أو خاضعة لمعيارية اجتماعية هي بمثابة أحكام قبلية غير صحيحة. لذلك نقرأ في كتابها «الذات تصف نفسها»: «بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرِّف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم ألا ننتظر جواباً شافياً بأي حال».

الجندر والهوية المحتملة
اشتهرت بتلر بعملها في نظرية النوع الاجتماعي وإنتاجاتها الفكرية الإشكالية في هذا الشأن. ترجم فتحي المسكيني أخيراً كتابها «قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات) إلى العربية بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على صدوره بلغته الأصلية. في هذا العمل الذي نشر للمرة الأولى عام 1990، تعيد بتلر تعريف نضال النسوية ضد النظام الأبوي كجزء من قضية أوسع: الآثار الضارة لجميع افتراضاتنا حول الجنس والهوية. في النص، تشكّك بتلر في الأساس الذي يفترض أن الهويات الأساسية والثابتة مثل «المذكر/ المؤنث» أو «المستقيم/ المثلي» موجودة بالفعل. بعد تتبع هذه التعريفات الثنائية وصولاً إلى الطبيعة الثنائية للتشريح البشري (ذكر/أنثى)، تجادل بأنّ لا ارتباط ضرورياً بين تشريحنا وهوياتنا. من خلال إخضاع مجموعة واسعة من الأدلة من الفلسفة والنظرية الثقافية والأنثروبولوجيا وعلم النفس لبحث متجدد عن المعنى، توضح بتلر أن الجنس بتعريفه البيولوجي، والجنس كهوية، هما منفصلان. وبعد أن يتجرد نصها من علم الأحياء، تركّز على الهوية وتجادل بأنه في حين أنّ فئات مثل «المذكر/ المؤنث/ المستقيم/ المثلي» حقيقية، إلا أنها ليست ضرورية، بل هي نتاج افتراضات المجتمع، وإعادة إنتاج تلك الافتراضات باستمرار من قبل كلّ من حولنا. يفتح ذلك بعض الأمل في التغيير: أمل التأثير على المجتمعات السياسية في جميع أنحاء العالم.


تطرح بتلر في كتابها أسئلة من نوع: عندما تتجول في الأماكن العامة، هل تضع الناس في مصفوفة من جنسين مختلفين بطريقة لا واعية؟ هل تعمل على تشكيل نفسك في فئة يمكن تحديدها؟ كيف يمكن تجنّب ذلك؟ كيف تبقى منفتحاً؟ أيضاً في الفصل المعنون «ذوات الجنس الجندر والرغبة»، تتساءل بتلر كيف تنتج اللغة نفسها، هذا البناء التخييلي للجنس الذي يسند هذه الأنظمة المختلفة من السلطة؟ وفي نطاق لغة قائمة على الجنسانية الغيرية الإجبارية، أيّ أنواع من الاستمرارية يُفترَض أن توجد بين الجنس والجندر والرغبة؟ وهل هذه المصطلحات منفصلة؟ وأيّ أنماط من الممارسات الثقافية من شأنها أن تنتج الانقطاع والنشاز التخريبيين ما بين الجنس والجندر والرغبة، وتضع العلاقات المزعومة في ما بينها موضع سؤال؟
أما في الفصل المعنون «في التحريم والتحليل النفسي وإنتاج قالب الجنسانية الغيرية»، فتتساءل بتلر عن الكيفية التي قولب بها التحليل النفسي العلاقات المثلية، وتطرح أسئلة من قبيل: هل التحليل النفسي بحث مضاد للنزعة التأسيسية، يثبت نوع التعقد الجنسي؟ أم أنه يحافظ على مجموعة غير معترَف بها من الافتراضات حول أسس الهوية؟ قد تبدو الأسئلة التي تطرحها بتلر بديهية، لكنها تريد من خلالها أن تجعلنا نمرّ فوق هذا البديهي ونراه من زوايا جديدة.
يرى العديد من النقاد أن كتاب بتلر «قلق الجندر» تدخّل استفزازي في النظرية النسوية. تكرر بتلر في العديد من الحوارات بأنّه أسيء فهم عملها. مع ذلك، هي ترى أن هذه الإساءة مثيرة للاهتمام. تشرح أن أول خطأ يقابلها باستمرار هو تصوّر أنه يتم اختيار الجندر بحرية. وثاني خطأ أنّ الجندر محتّم مسبقاً بشكل تام. تحاول أن توضح أنّه بالفعل يمكن أن ينتهي قرّاء هذا الكتاب إلى أيّ من هذين الاستنتاجين، لكن النقطة التي أرادت إيضاحها أنّ الجندر يُشكَّل من قبل «المعايير»، لكنّ الأخيرة لا تحتّمه. والمشكلة الأخرى التي تظهر عند بعض قراء هذا النص أنّهم يفهمونه على أنه ينكر مادّية الجسد. لكن ما حاولت بتلر قوله بأنّ مادية الجسد لا يمكن فصلها بشكل تام عن الشروط الثقافية التي عاشت فيها. لا يعني هذا أنّ لا وجود للمادية، لكننا نجد بأن المادية في صور الحياة المُعاشة، مُشكَّلة من قبل الثقافة.
توضح بتلر في مقابلة نشرت في صحيفة الـ«غارديان» أنه كان يُفترض أن يكون كتاب «قلق الجندر» نقداً للافتراضات الجنسية بين الجنسين داخل النسوية. لكن اتضح أنه يتعلق أكثر بفئات النوع الاجتماعي. وتضرب مثلاً ما يعنيه أن تكون امرأة، وهو معنى لم يتغير من عقد إلى آخر. تؤكد بتلر أنّ فئة المرأة يمكن أن تتغير. سياسياً، يجب تأمين المزيد من الحريات للمرأة، وإعادة التفكير في فئة «النساء» لتشمل تلك الاحتمالات الجديدة. يمكن أن يتغير المعنى التاريخي للجندر حيث تتم إعادة سن قوانينه أو رفضها أو إعادة صياغتها. لذلك لا ينبغي أن نفاجأ أو نعارض عندما تتوسع فئة النساء لتشمل هؤلاء المتحولات. ونظراً إلى أننا نعمل أيضاً على تخيّل مستقبل بديل للذكورة، يجب أن نكون مستعدين وحتى سعداء لرؤية ما يفعله الرجال المتحوّلون جنسياً بفئة «الرجال».
في عام 1993، غادرت بتلر «جامعة جونز هوبكينز» بعد حصولها على كرسي ماكسين إليوت في شعبة البلاغة والأدب المقارن في «جامعة بيركلي» في كاليفورنيا، وهي السنة التي أصدرت فيها دراستها الشهيرة «هذه الأجساد المهمة/ The bodies that matter». في هذا الكتاب، طوّرت نظريتها عن الجنس من خلال فحص طريقة عمل السلطة في أكثر الأبعاد «المادية» للجنس والجنسانية. بتعميق الاستفسارات التي بدأتها في «قلق الجندر»، قدّمت بتلر إعادة صياغة أصلية لمادة الجسد، وتفحّصت كيف تشكل قوة الهيمنة الجنسية «مسألة» الجسد والجنس.
تجادل بتلر بأنّ القوة تعمل على تقييد «الجنس» منذ البداية، وتحديد ما يمكن اعتباره جنساً قابلاً للتطبيق. تقدم توضيحاً لمفهوم «الأداء» الذي تم إدخاله في «قلق الجندر» وتستكشف معنى السياسة الاستشرافية. يتضمن النص قراءات لأفلاطون، وإيريغاراي، ولاكان، وفرويد حول تكوين المادية والحدود الجسدية.

ضد الاختيار
إن سؤال الرغبة والحاجة إلى الاعتراف عند بتلر، ليس أمراً معزولاً عن العلاقة مع الغير، ولا عن سؤال الهوية وعلاقتها بالذات. فالهوية ليست سابقة على الوجود الاجتماعي بالقدر الذي يكون فيه هذا الوجود هو أساس الهوية. وقد استعارت بتلر هنا، عبارة سيمون دو بوفوار: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك»، ما يقود إلى التساؤل حول الهوية (وأساساً الهوية الجنسية) التي تتميز اليوم بالتعدد والتنوع: كيف يمكن الاعتراف برغبتي؟ وكيف تؤسس المعايير لهذه الرغبة؟ وهل يمكنك الاعتراف برغبتي لأتصرف كراغبة في شيء ما، وربما ما يحلو لي؟ لذلك تصرّح في كتابها «الذات تصف نفسها»: «عندما أطرح السؤال الأخلاقي: كيف يتوجَّب عليَّ أن أعامِل الآخر؟ أنا أقع مباشرة في قبضة مملكة من المعيارية الاجتماعية، ما دام الآخر لا يظهر، ولا يشتغل بوصفه آخر بالنسبة إليّ، إلا ضمن إطار أستطيع أن أراه وأفهمه في انفصاله وخارجيَّته. وهكذا، فرغم أني قد أفكِّر في العلاقة الأخلاقية بوصفها ثنائية، أو بالأحرى سابقة على الاجتماعي، فإني لا أقع في قبضة مجال المعيارية فحسب، بل في إشكالية القوة… فالقواعد لا تعمل على توجيه سلوكي فحسب، بل إنّها تقرر النشوء الممكن للقاء بيني وبين الآخر.»
تصر الحركة الأيديولوجية المناهضة للجندر، على أن الجنس أمر بيولوجي وحقيقي، أو أنّ الجنس أمر إلهي، وخيال مدمّر، يقضي على «الإنسان» و«الحضارة» و«الله». تم دعم السياسات المناهضة للجندر من قبل الفاتيكان والكنائس الإنجيلية والرسولية الأكثر تحفظاً في العديد من القارات، ولكن أيضاً من قبل الليبراليين الجدد في فرنسا وأماكن أخرى حول العالم.
ترى بتلر أن هذه الحركة مناهضة للنسوية، وكارهة للمثليين والمتحولين جنسياً، وتعارض الحرية الإنجابية وحقوق المتحولين، وتسعى إلى فرض رقابة على برامج دراسات النوع، وإخراج النوع الاجتماعي من التعليم العام، ولعكس النجاحات القانونية والتشريعية الرئيسية في مجال الحرية الجنسية والمساواة بين الجنسين بالقوانين المناهضة للتمييز بين الجنسين والعنف الجنسي.

الواقعية المضادة ممكنة
أما عن الفكرة المركزية لـ «قلق الجندر» وهي «الأداء» التي تعرضت بسببها إلى الكثير من الانتقادات بسبب شرحها كيفية عمل النوع الاجتماعي داخل الثقافة، فتخبرنا بتلر أنها في هذا الوقت كانت مهتمة بمجموعة من المناقشات في الأكاديمية حول أفعال الكلام «الأدائية»، وهي النوع الذي يصنع شيئاً ما أو يسعى إلى خلق واقع جديد. وتضرب مثلاً عندما يعلن القاضي حكماً، فإنه ينتج واقعاً جديداً، وعادة ما يكون لديه السلطة لتحقيق ذلك. لكن هل نقول إن القاضي كلي السلطة؟ أم أن القاضي يستشهد بمجموعة من الاتفاقيات، ويتبع مجموعة من الإجراءات؟ إذا كانت الحالة الثانية، فإنّ القاضي يتذرع بسلطة لا تنتمي إليه كشخص، ولكن كسلطة معينة. يصبح عمله اقتباساً، يكرّر بروتوكولاً ثابتاً. وحين سئلت عن علاقة هذا الطرح بالجنس، أجابت: «لقد اقترحت منذ أكثر من 30 عاماً أن يستشهد الناس، بوعي أو بغير وعي، بأعراف النوع الاجتماعي عندما يزعمون أنهم يعبّرون عن واقعهم الداخلي أو حتى عندما يقولون إنهم يخلقون أنفسهم من جديد. بدا لي أنّ لا أحد منّا يفلت تماماً من الأعراف الثقافية.
في الوقت نفسه، لا أحد منا مُحدد بالكامل بالمعايير الثقافية. يصبح الجندر إذاً نقاشاً وصراعاً وطريقة للتعامل مع القيود التاريخية وصنع حقائق جديدة. عندما نكون «فتيات»، فإننا ندخل في عالم تسمية بتلر بـ girl dom الذي تم بناؤه على مدى فترة طويلة عبر سلسلة من الاتفاقيات، المتضاربة أحياناً، التي تؤسس الفتاة داخل المجتمع. نحن لا نختاره فقط. وهو ليس مفروضاً علينا فقط. لكن هذا الواقع الاجتماعي يمكن أن يتغير، بل إنه يتغير بالفعل».
وتضرب بتلر مثالاً في مقابلة نشرت في جريدة «ذا نيويوركر» على ما كانت تريد إيضاحه والتوكيد عليه في الكتاب، فتقول: «خذ مثلاً القابلية للانتخاب. إذا اعتبر المرء أنّه من غير الواقعي ببساطة أن تنتخب امرأة رئيسة للبلاد، فهو يتحدث بطريقة تبدو عملية في هذا الشأن، كتنبؤ، قد يكون صحيحاً، أو قد يتغير بينما نتحدث. لكن الادعاء بأنها غير واقعية، يؤكد فكرة الحقيقة ذاتها ويمنحها مزيداً من القوة على معتقداتنا وتوقعاتنا. إذا كان «هذا هو ما عليه العالم»، على الرغم من أننا نتمنى أن يكون مختلفاً، فإننا نعترف بصعوبة هذا الإصدار من الواقع. لقد قلنا مثل هذه الأشياء «الواقعية» عن زواج المثليين قبل أن يصبح حقيقة واقعةً. قلنا ذلك منذ سنوات عن رئيس أسود. قلنا ذلك عن أشياء كثيرة في هذا العالم، عن أنظمة استبدادية لم نعتقد أبداً أنها ستنهار. أعتقد أن البقاء في إطار السياسة الواقعية هو قبول بإغلاق الآفاق، وطريقة متشككة على حساب الأمل والتطلع الراديكاليين». وتستطرد: «في بعض الأحيان، عليك أن تتخيل بطريقة جذرية تجعلك تبدو مجنوناً بعض الشيء، وتضعك في وضع محرج، من أجل فتح احتمالية أن يكون الآخرون قد آمنوا بالفعل بواقعية المعرفة لديهم. أنا على استعداد لأن أتعرض للسخرية والفصل بسبب دفاعي عن اللاعنف بالطريقة التي أفعل بها. قد يُفهم على أنّه أحد أكثر المواقف غير الواقعية التي يمكن أن تتبناها في هذه الحياة. لكن عندما أسأل الناس عما إذا كانوا يريدون العيش في عالم لا يتخذ فيه أحد هذا الموقف، فإنهم يقولون إن ذلك سيكون فظيعاً».

قوة اللاعنف
في عام 2020، نشر كتاب «قوة اللاعنف» الذي أكّدت فيه بتلر على أهمية الواقعية المضادة. ابتعدت أكثر لتقول بأنه حتى «الالتزام الأخلاقي» غير واقعي. جادلت في كتابها بأن عصرنا، يدعو إلى تصور طريقة جديدة مختلفة كلياً للبشر للعيش معاً في العالم... عالم أسمته بتلر «المساواة الجذرية». اهتمّ الكتاب بالمرأة بالتأكيد، ولكن أيضاً بكل المهمّشين. تعمل بتلر مع الفكرة النسوية «العلائقية» من أجل إظهار ليس فقط كيف تعتمد الحياة على بعضها البعض، ولكن أيضاً كيف تنبع التزاماتنا الأخلاقية للحفاظ على حياة بعضنا البعض من هذا الاعتماد المتبادل. وترى إنّ رفض العنف هو وسيلة لتأكيد وتكريم تلك الرابطة على أساس القيمة المتساوية للحياة. تشرح ذلك بعيداً عن التجرّد بقولها: «نحن نطلب من بعضنا البعض أن نعيش، وهذا ينطبق على الروابط الأسرية أو القرابة كما هي الحال بالنسبة إلى الروابط الوطنية والعالمية. نقد الفردية كان مكوناً مهماً لكل من الفكر النسوي والماركسي، وأصبح الآن ملحّاً لأننا نسعى إلى فهم أنفسنا كمخلوقات حية مرتبطة بالمخلوقات البشرية وغير البشرية، وأنظمة وشبكات كاملة من الحياة. يمكن أن تأخذ التهديدات المختلفة للدمار شكل عنف الدولة، والإيذاء النسوي، والتخلي عن المهاجرين، والاحتباس الحراري. علينا أن نعيد التفكير في روابط الحياة لنعرف لماذا نحن مجبرون على معارضة العنف حتى عندما أو بالتحديد عندما تتصاعد الأعمال العدائية».
بالنسبة إلى بتلر، العنف ليس ذكراً أو نابعاً من الذكورية، ولا تعتقد أنه يأتي من التعريفات الضرورية للرجولة. تخبرنا في «قوة اللاعنف» أنه من الصعب معرفة كيفية فهم أعمال العنف الفردية داخل الهياكل الاجتماعية التي تشجع هذه الأعمال وتسمح بها وتبرئها. ترى بتلر أننا قد نكون كائنات اجتماعية تعيش حياتها في هياكل اجتماعية ولدينا بعض القوة لتغييرها. لكنها لا تعتقد أن بإمكان الأفراد أن يشيروا إلى «الهياكل الاجتماعية» كحجة، أي أنّ «البنية الاجتماعية للسيطرة الذكورية جعلتنا نرتكب هذا الفعل من أعمال العنف».
في الوقت نفسه، ترى بتلر أننا مسؤولون عن المسار الذي نسلكه لذلك. كبديل تعطينا بتلر أسئلة نطرحها على أنفسنا مثل: كيف نعيش أو نعيد إنتاج أو نقاوم هذه الهياكل؟ ومن هذه الأسئلة تنطلق في طرح إيجابي، فتقول: «على الرغم من أن التغيير يمكن أن يحدث على المستوى الفردي، تخبرنا نماذج عديدة أن الأفراد يتغيرون في سياق المجتمعات والعلاقات، وهذه هي الطريقة التي يتم بها بناء الهياكل الجديدة وتفكيك الهياكل القديمة. وهذا بدوره يعني أن الأخلاق يجب أن تصبح أكثر من مجرد مشروع فردي للتجديد الذاتي، لأن الحياة تتجدد في صحبة الآخرين. تلك العلاقات هي التي تدعمنا، وبالتالي فهي تستحق اهتمامنا والتزامنا الجماعي. أنا أيضاً أهاجم نفسي من خلال مهاجمة ذلك الشخص، لأنني أقوم بفك الرابطة الاجتماعية التي تجمع بيننا. تبدو مشكلة اللاعنف مختلفة إذا نظرت إليها على هذا النحو».
هذا ما قالته في إحدى المقابلات حول رأيها في الدفاع عن النفس. ترى بتلر أن بمجرد أن تصبح المساواة الاجتماعية هي الإطار، قد نتعامل بعد ذلك مع العالم بطريقة تجعل العنف أقل احتمالية، ما يسمح لنا بالتفكير في كيفية العيش معاً نظراً لغضبنا وعدواننا، ورغباتنا القاتلة. كيف نعيش معاً ونلتزم بذلك، خارج حدود المجتمع أو حدود الأمة.
تجادل بتلر أنه لا يمكن أن تكون الضربة الجسدية النموذج الوحيد للتفكير في ماهية العنف. أي شيء يعرض حياة الآخرين للخطر من خلال سياسة صريحة أو من خلال الإهمال ( يشمل جميع أنواع السياسات العامة أو سياسات الدولة)، هو ممارسات عنف مؤسسي أو منهجي. السجون هي أكثر أشكال العنف الممنهج إصراراً، يتم قبوله بانتظام على أنّه حقيقة ضرورية. يمكننا التفكير في الحدود المعاصرة ومراكز الاحتجاز كمؤسسات عنف واضحة. تدعي هذه المؤسسات العنيفة أنها تسعى إلى جعل المجتمع أقل عنفاً، أو أنّ الحدود تُبعد الأشخاص العنيفين. علينا أن نكون حذرين في التفكير في كيفية استخدام «العنف» في هذه الأنواع من التبريرات. بمجرد تحديد المستهدفين بالعنف، يمكن للمؤسسات العنيفة أن تقول: «العنف موجود هناك، وليس هنا»، وتسبّب الأذى كما يحلو لها.
في «قلق الجندر»، تُعيد تعريف نضال النسوية ضد النظام الأبوي كجزء من قضية أوسع: الآثار الضارة لجميع افتراضاتنا حول الجنس والهوية


تحبّ بلتر استخدام كلمة «روح» في هذا الشأن، فترى أن الروح شيء مهم أكثر من أي نظام عقلاني مرتبك باستمرار بالاستثناءات. ترى أن الناس في العالم لديهم كل الأسباب ليكونوا في حالة من الغضب التام. لكن ما نفعله مع هذا الغضب مهمّ. يمكن صياغة الغضب واعتباره نوعاً من أشكال الفن للسياسة. لا يمكن العثور على أهمية اللاعنف في أكثر لحظاتنا هدوءاً، لكن تحديداً عندما يكون الانتقام منطقياً تماماً. مثلاً، إذا كنت شخصاً قُتلت عائلته، أو إذا كنت جزءاً من مجتمع اقتلع بعنف من أرضه... في خضم الشعور بهذا الغضب، يمكن للمرء أيضاً العمل مع الآخرين لإيجاد طريقة أخرى. وترى أن هذا يحدث وتضرب مثالاً بحركة Black Lives Matter. أيضاً، ترى بتلر أن الحركة النسوية بشكل عام شديدة اللاعنف ونادراً ما توضع في سياق عنيف، لا سيما نضالها ضد العنف الجنسي.

نقد الصهيونية
«بالنسبة لليهودي، لا يوجد امتحان أسوأ. وبالنسبة إليّ كيهودية، لا يوجد ما هو أسوأ من الاتهام». حصلت بتلر عام 2006 على كرسي حنة آرنت للفلسفة في كلية الدراسات الأوروبية العليا في سويسرا، وانتُخبت عام 2009 رئيسة محكمة هوسرل حول فلسطين، التي تجمع المثقفين الأميركيين حول القضية الفلسطينية لحشد «شروط سلام دائم وعادل بين إسرائيل وفلسطين». فقدت بتلر جزءاً من عائلتها في المحرقة النازية، ذلك أنّ عائلة جدتها أبيدت في قرية صغيرة في جنوب بودابست. هذه الحادثة جعلتها من دعاة الحلّ الثالث للقضية الفلسطينية عبر البحث عن الاعتراف المتبادل بين الشعبين. تتطلّع إلى «كيان ديموقراطي على هذه الأراضي، وتؤيد مبدأ تقرير المصير والعيش المشترك لكلا الشعبين، وأمنيتها أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف بكافة أشكاله» ويعود ذلك، إلى اكتشافها الفكر اليهودي في سن الرابعة عشرة من عمرها كما تقول «تابعتُ الدروس حول الدين والعبرية في معبدي بمدينة كليفلاند، كما اطلعتُ أيضاً على الروايات والكتب حول إسرائيل والهولوكوست». لقد شغلتها هذه المسألة منذ مدة طويلة، وحضرت في الكثير من كتبها منها مثلاً: «الخطاب المثير: سياسات الأداء» (1997)، و«الحياة النفسية للقوة: نظريات في الإخضاع». هذا الكتاب تُرجم العام الماضي (دار نينوى ــــــ ترجمة نور الحريري) إلى اللغة العربية.