تستحضر رواية «هاوية المرأة المتوحشة» (دار ميم ــ 2021) للروائي الجزائري عبد الكريم ينينة، محنة الجزائر خلال حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، حين تعرّضت القيم والمبادئ للانهيار بعد شيوع التطرف والإرهاب. حاول عبد الكريم ينينة أن يعالج تلك الأزمة بطريقة فنية توخّى الدقة والموضوعية، إلا أنّ القارئ لن يشعر بثقل هذه الأفكار لأن الفن والمتعة الأدبية كانا طاغيَين في الرواية. بعيداً من الصور النمطية التي قدّمها الأدب عن العشرية السوداء، نرى أنّ شخصيات هذه الرواية ليست نخبوية، بل هامشية، بسيطة، تعيش الحياة اليومية كما في الواقع. تجد نفسها تائهة وسط تغيرات حاسمة، فتداعيات الأزمة الاقتصادية وما تلاها من انشقاقات سياسية ثم ظهور التطرف الديني، كل ذلك أسهم في تفكك هوية الفرد الجزائري وإدراج مجتمعه ضمن خانة الخطر.



لا شك في أنّ مَن تناولوا العشرية السوداء من الكتّاب، يعدّون بالعشرات ولكن الروائي عبد الكريم ينينة عرف كيف يقول كلمته بطريقة مختلفة عبر ابتكار أسلوب روائي ذي لغة محكمة، إذ جاءت الرواية متعددة الأصوات تتقاطع شخصياتها في أماكن وأزمنة مختلفة لتخلق جواً مشحوناً بالألم والحب والأمل، لكن بلهجة شديدة الواقعية. يمارس الواقع في هذه الرواية سحره على القارئ منذ الصفحات الأولى، ويقوده عبر الدهاليز المظلمة لحياة شخصيات عاشت على الهامش، قبل أن ينالها وبال التطرف والإرهاب.
بين متعة السرد وجزالة اللغة، نلامس نوعاً من الحالة الوجودية للشخصيات، فحقيقتها مستعصية على بلوغها، ولكن جمال اللغة هنا استطاع أن يقرّبنا من تخومها ويوصلنا إلى أقصى درجة ممكنة من العمق لفهم أفكارها ورؤاها. تخلّى الكاتب عن فكرة البطل وجعل شخصيّاته جزءاً من الكل. هي عبارة عن فسيفساء لمشهد طويل. لقد سلّط الكاتب مجهره على المجتمع ومكّننا من رؤية تفاصيل الحياة اليومية للشخصية على اختلاف أشكالها وألوانها. فقصة دحمان مثلاً تحمل من دوافع الخير ما جعله يدافع عن أسرته بأي طريقة ولو على حساب قتل الآخر وتدمير ممتلكات البلد. ونجد الشيء نفسه مع شخصية حسين حلواجي حين كتب رسالتَين إحداهما للرئيس الفرنسي خلال زيارته للعاصمة، حيث أساء فيها للجزائر ولحكامها ورموزها ممجداً دولة فرنسا العادلة والديموقراطية. أما الرسالة الأخرى، فكانت مفعمة بالمقت الشديد لفرنسا وتمجيد الثورة والمجاهدين. إلا أنّ القدر كان له منحى آخر، فسلّم كل واحد منهما الرسالة التي كتبها للآخر. وهكذا اكتشف العالم ازدواجيته المقيتة التي هي في الحقيقة ازدواجية الكثير من الجزائريين اليوم ممن يلعنون فرنسا ظاهراً ويلهجون في ثنائها باطناً. تجدهم مكدّسين أمام السفارات والمراكز الثقافية الفرنسية في البلد. حتى إنّ الفرد الجزائري يعلّم ابنه النطق بالفرنسية قبل أن يفطم ويتقن لغته الأم. وكلما تقدم الزمن، زاد تمسك الجزائريين بلغة المستعمر. حتى أصبحت الكلمات الفرنسية تطغى على العربية في اللغة الدارجة.
يمثّل عنوان الرواية مفتاحاً رئيسياً لفهم العالم الذي ابتدعه عبد الكريم ينينة، فـ «هاوية المرأة المتوحشة» هي البطل الوحيد والثابت في العمل الروائي، وكل شيء يدور في فلكها. حتى بعدما هاجر دحمان ومرزاق وعليلو وحسن إلى لندن، بقيت «هاوية المرأة المتوحشة» تصنع يومهم وتغذّي آمالهم. فقد جمعهم هذا المكان وبقي يشكّل الوطن المفقود، أو الحنين إلى الأم. يجدر بنا أن ننبّه القارئ إلى علاقة المكان بالأحداث، واختيار عنوان الرواية «هاوية المرأة المتوحشة»... تلك الغابة التي تقع بين هضبتين كانت مكاناً لتنزه العائلات الجزائرية في زمن الأتراك. وفي أحد أيام عيد الأضحى، نزلت العائلات كعادتها للاحتفال بشواء اللحوم.
شخصيات هامشية، بسيطة، تجد نفسها تائهة وسط تغيرات حاسمة

وكان الأطفال يلعبون ويمرحون ومن ضمنهم طفلا امرأة كانت تعد الشواء. ظلّا يلعبان حتى اختفيا فجأة، فبدأت الأمّ تبحث عن أطفالها بلا جدوى حتى بعدما غادر الجميع، وبقيت وحدها في الغابة، معتقدةً بأنها ستعثر عليهم يوماً ما. وهكذا تحولت تلك المرأة، بفعل مخالطتها للحيوانات وقسوة الطبيعة، إلى امرأة متوحشة. ومع مرور الزمن، أطلق الأهالي على ذلك المكان اسم «هاوية المرأة المتوحشة». أراد الكاتب أن يرمز للوطن من خلال الأم. جملة «اشتقت لرائحة أمي» دائماً ما تتكرّر على لسان شخوص الرواية. لقد أصبحت الأم أو الوطن بعدما فقد أبناءه مكاناً موحشاً وخطراً. ولكن يبقى اختفاء أبناء المرأة المتوحشة سراً يحتمل تأويلات عدة، قد يكون تفريطها في الاعتناء بهم وتربيتهم، أو يكون تدخلاً أجنبياً حال بينها وبين أبنائها، فما جعل المرأة متوحشة هو اختفاء أبنائها. أما في حالة شخصيات الرواية، فإنها غادرت البلد بعدما أصبح متوحشاً. نحن هنا إزاء حالة عكسية لما حدث للمرأة المتوحشة. لا يمكن أن نعتبر انسحاب شخصية مرزاق المثقف وحسن الحلواجي الفنان، ودحمان سوى استسلام للواقع ونكوص عن تأدية دور المثقف في التصدي للجهل والظلام. فهجرة دحمان إلى بريطانيا بعدما ترك أمه المصابة بالسكري تعيل أخويه الصغيرين، خوفاً على نفسه ليس خياراً إنسانياً. كان مستعداً للتضحية بقتل أشخاص آخرين لإنقاذ عائلته ولكنه لم يستطع التضحية بنفسه. لقد آثر قتل الآخر على أن يتعرض للقتل، ثم انتهى بترك عائلته للمجهول. شخصيات الرواية لعبت دوراً ما في انهيار البلد، بلا وعي منها، كالهروب من الواقع (اللجوء السياسي) والنكوص عن تأدية الواجب كمواطن وكإنسان. هل اختار الكاتب لجوء شخصياته إلى بريطانيا، البلد الذي يموّل الإرهاب ويمنح «حقوق الإنسان» في الوقت نفسه كحل للمأزق. موقف الشخصيات كان سلبياً رغم نظرتها المتفائلة للمستقبل.