ما كل هذا الاستهتار؟ جمعٌ غفيرٌ يحتفل بفوز فريقه من دون تقديرٍ للوضع الحرج؟ لا يهمّ. فليتحمل كلٌّ تبعات أفعاله. أووه، تأخَّر الوقت. لن أفوّت سهرة السبت في الحانة هذه المرَّة.

■ ■ ■
والده في المستشفى يصارع الموت، لا أسرَّة إنعاش متبقية ولا مكثّفات أوكسجين. لا جدوى من الانتظار هنا. قد يزيد هذا من سوء حالته، يقول الطبيب. يوصل أباه في كرسي متحرّك إلى السيَّارة يائساً، يلحقه ممرّض: يا أخي انتظر، سمعتك تتحدَّث إلى الطبيب. الوالد متعبٌ قليلاً، أليس كذلك؟ باستطاعتي أن أوفر مكثّفاً للأوكسجين من المستشفى. سأؤجرها لك بأربعمائة دينار مع خمسين ديناراً مقابل الخدمة. ما رأيك؟
- هل ستقتلعها من أحدهم؟ سيموت.
- والدك أيضاً.
مات والده والمريض الذي كان متصلاً بالآلة. ارتفع السعر إلى خمسمائة دينار.
■ ■ ■
بقي ينظر إلى خرفانه وهي تنفق واحداً تلو الآخر بسبب مرض أصابها، ثمَّ ذهب ليحلّ الشجار الدائر بين جاريه بسبب مجرى ماء يمر بحقليهما من دون أرضه. لقد ظنَّ أنَّ خرفانه عطشى.
■ ■ ■
كان يتحرَّق للعودة بعد سنين الغربة تلك. ضمَّ أمَّه وإخوته بشوق، وتبادلوا القبل، وتخالطت جزيئات أنفاسهم. وزَّع عليهم ما طاب من اللباس والحلويات، وفرحوا للمّ الشمل، وحزنوا لموت أمّه.
■ ■ ■
رائحة الموت تفوح في الشوارع، لا يخلو نهج من بيت عزاء. ولكن عباس لم يعد يتحمَّل حياة العزوبيَّة أكثر. يقرّر الزواج في فترة الحجر الصحي ويستدعي القاصي والداني لإقامة حفل صاخب بعد رشوة المعنيين. حالياً يلتقط العريسان صوراً بالأشعة لتبيان نسبة التلف في الرئتين، ويرقدان في قسم الإنعاش.
* بنزرت/ تونس