1. تمارين البوذا

تجمّد في مكانك. تنفس. راقب بلا أحكام. تفحّص بلا أمل. اصمت عند الفكرة الأولى. اصمت عند الفكرة الثانية. اقتل الفكرة الثالثة.
هكذا يمكن مراوغة العيش وصد النظرة العمياء، هكذا يمكن إيجاد الله، ثم ادعاء فقدانه، لأنك لن تتحمل الذوبان في الكل، لأنك بهذا تفتح الروح لأصوات وظلال وألوان وروائح، لم تكن لتتخيل حتى أنها هنا، ستظنها أشباحاً تترصدك، توسوس بفكرة واحدة كبيرة: لأنك لن تَتّهم، فسوف تُتّهم.

جِي دِي ــ «السيكلوپانِ السِّيَامِيَّانِ» (أكريليك على ورق، 2009).

سترتبك تحت وهم الثقل الهائل الذي لا يزحف نحوك، بل يهبط كمطرقة، سيتحول تنفّسك الهادئ إلى لهاث فزع، ستهرول مشوشاً بالآلام، ستعري كل عابر من كذبته، بغضب كالبراءة، ولأن الإنسان ليس إلا مجموع أوهامه، سيتساقطون كذباب ميت في قبضتك، ستفتحها ببطء مؤلم، لتراقبه بلا أحكام، لتتفحصه بلا أمل، لتطاردك الحقائق صفعة تلو أخرى: أن عين القاضي هي ذاتها عين المجرم، وأن لا سبيل لإثبات جريمة سوى بارتكاب واحدة، أن الطمأنينة قد تأتي من الكذب لا التنفس، من رعاية خوف أبديّ يحمينا من الانكشاف والتبدد.
ستودّ لو تصرخ بما بلغت من استنارة، لكنك ستصمت عند الفكرة الأولى، ستصمت عند الفكرة الثانية، ستقتل.

2. بيدين خاويتين
كل توقف هو ركض بلا ساقين. ولا شيء يتوقف عن الركض لأفهمه.
كراكض بلا ساقين، كنت أتسلّى بمطاردة المجاز، من غرفة إلى شجرة، ومن شجرة إلى غابة، ومن غابة إلى مدينة، ومن مدينة إلى صحراء. وفي الصحراء، أصل إلى سور هائل استنطق صمته المخيف ولا صدى. كل شيء هو عقبة ذاته، تنفيه فتتوالد ألف عقبة تحول بينك وبين أن تراه. ما الذي يمكن حذفه من الأشياء كي تبين، ما الشيء الغائب الذي بإضافته يطفو الضوء؟ أدفع السور غاضباً، كيف يمكن للمرء أن يهزم روحاً من الإسمنت؟ أعود إلى غرفتي، لاهثاً، بجبين جاف، ويدين خاويتين، محروقتين بسياط الشمس.

3. الغموض
يمكن فهم أي فرد عبر إخضاعه لمنظور: الاقتصاد، الرغبة، الإرادة، الطموح، العزاء.
هكذا تولد الرؤية التي تكشف الكثير قبل أن تتحول إلى مدخل لعمى، لا مفر منه إلا بتركيب المنظور.
مثلاً: الرغبة التي أحبطها الاقتصاد، العزاء الذي يدلس على وهن الإرادة، طموح تبدد بلا عزاء، هكذا إلى ما لا نهاية، يتضاعف التركيب، كاقتصاد إجباري للرغبة والإرادة لم يخلف سوى طموح في إيجاد العزاء.
ألف ألف أداة وتعبير، كبنادق مصوبة إلى جبهة فرد يفرّ كغزال شارد داخل غابة من الإنكار، يكافح داخل مداره الخاص للجنون.
ذلك الغافل عن الأعين الثقيلة التي تتفحصه، لو انعكس بعينيه منها لمعة انتصار منتشية أخيراً بالفهم، سينزوي أكثر وأكثر في عزلته، سيتجمد باكياً من فرط الغموض.

4. عكاز الشر
أول ما فرّ مني كان البصر، كنت قد بلغت بالكاد التاسعة من عمري حين خفت بغتة، لم أخبر أحداً، ودخلت في إنكار طويل، حتى لم يعُد بإمكاني كتمان سرّ كهذا كان كفاصل خطير بين حياتين، فعبر انكشافه سأجبر على مقايضة بصري بحياتي.
لا أحمل شيئاً ضد ضعاف النظر ـــ فكما ترى ـــ أنا أحدهم، أما عكازات الأعين التي نحملها فوق عظمة أنوفنا طيلة الوقت، فأكن لها كامل كراهيتي واحتقاري، فهي ليست إلا آلة رهيبة، شيطانية، هشاشتها ليست إلا ثقلاً مضغوطاً يدعي البراءة ويخفي الشر. سوطها الأثير الذي تستولي عبره على حيواتنا، هو التحطم، فمن الصعب أن يسير المرء بشيء يكفيه أقل سوء حظ أو أدنى تورط في الحياة، كلعبة تحتاج إلى مجهود بدني أو شجار غير محسوب أو اتصال حميمي مفاجئ وشغوف كي تنشرخ العدسة أو يتفكك الذراع أو تنهار بأكملها، فتعيد صاحبها في أقل من لمح البصر إلى حياة من الغبش والظلال الملونة، حيث كل شيء مخيف وله وجه وحش مترصد يشهر سلاحاً غامضاً.
هكذا تفرض قانونها الأول ـــ تلك الغضوبة العصبية ـــ تتحطم بكامل إرادتها كي تخلف في جوف حامليها لسعة من الرعب تعقب كل فعل، فتجبرهم على أن يحيطوا حياتها ـــ التي يظنونها حيواتهم ـــ بسياج من الحذر والبطء.
دون أن تملك من أمرك شيئاً تختطف وجهك لصالحها، حجتها أنها تمنحك سلامة النظر عبر عينين زجاجتين مثبتتين كحجرين فوق عظمة الأنف، وبنعومة تغرس كُلَّابَيْهَا في أذنيك، هكذا تمتص ملامحك، تغيرها، تحوّلك إلى شخص آخر كلية، ما أن تخلعها، حتى تدرك من انطباعات الآخرين أنهم لا يرون إلا وجهاً غريباً، وأنهم غير مستعدّين للتعامل مع وجهك الأصلي، ستستسلم دون أن تدرك أيّ مكر قد وقعت في حبائله، ستقول واثقاً: النظارة هي هويتي، لا أتخيل وجهي دونها. وببطء مماثل ستسرق روحك، فيصير لزاماً عليك أن تعكس جوهرها المتقلب لا حقيقتك، فتدعي الحكمة أو الجنون، تظهر كمفكر، كدودة كتب، أو كشخص مأزوم بشيء ما، أو بالغ البلادة والكسل، أي كنصف مختل، لن تدري أبداً أي منكما قد صار عكاز الآخر.
لقد منحها وجهي حياة تمارس عبرها هوايتها الوحيدة: أن تنظر ثم تحطم ما تراه. هي من تتمتع بسلامة البصر لا أنا، تسليتها هي أن تتابع تلاحق الصور، تهشمها فوق عدستيها الزجاجتين في تلذذ، لذا كانت تحتاج إلى حياة من البطء، كي لا يغرقها طوفان الصور.
لم تترك لي النظارة في مقايضتها الشيطانية، سوى أن أقلب جفني إلى الداخل آملاً أن أرى في الغبش آلاف السماوات المختبئة ووعداً كاذباً أن أحتفظ بالسعادة، أي ثمن باهظ، في اليوم الذي حظيت فيه بنظارتي الأولى توقفت عن الرؤية.

* القاهرة/مصر