«أثناء مروري السريع على الكلمات/ أخذت موعداً مع قصّة/ لم يكن هناك وقتٌ كافٍ/ للجلوس مع الخسارة/ فقبِلتُها في أول الصباح/ حين كنت أعود/ لألمس العشب بين طريقين». تبدأ الشاعرة الفلسطينية الزميلة تغريد عبد العال مجموعتها الشعرية الثالثة «العشب بين طريقين» (الدار الأهلية/بيروت، ٢٠٢١) من نقطة شعرية عالية، أول ما تتجلى في عنوان المجموعة التي يقدمها للقارئ كرحلة بين «طريقين». إنها منطقة «بين-بين» شعرية تبعث فينا الرغبة في إعادة قراءة الخطاب المدهش للإلهة ديوتيما في مأدبة أفلاطون حول السفَر العمودي للحب، والاشتقاق الأفلاطوني لكلمة «ميتاكسو» أو المنطقة الوسطى، أو إحالة أخرى إلى الكتاب الذي أصدره الفيلسوف الفرنسي ميشال سير عام ٢٠٠٦ بعنوان «فنّ الجسور. الإنسان الجسري»، مصرّحاً فيه على نحو مثير: «أنا لم أحلم أبداً إلّا بالجسور، ولم أكتب أبداً إلا عنها، ولم أفكّر أبدا إلّا فيها، وأنا لم أحبّ إلّاها. هذا الكتاب حول الجسور ينتهي كأنّه كتاب كلّ الكتب التي كتبتها».


بهذه اللعبة الشعرية في منطقة جسرية وسطى، في الحيرة، في المنتصف بين عالمنا، العالم الذي نعرفه جيداً، المادي والمحدّد، والمنطقة الأخرى، التصاعدية والغيبية والساحرة في غموضها، تبدو عبد العال تنطق في مجموعتها بلسان ديوتيما، إلهة منتصف الأشياء: «شيمبورسكا/ تركت كتابي المفتوح على نصفه/ ليقتفي الأثر./ مدينة أخرى/ تقرأ سيَر المارة/ بينما كل واحد/ يمشي إلى عمره/ في نصف نهارها أيضاً./ القصة ذاتها/ تلمع في صفحة بيضاء/نائية» أو «تحتار العيون/ كيف يصير السؤال خفيفاً/ وكيف تحمله الطرقات نحو قيثارة بعيدة/ حين تركِّب للحيرة/ عينين بلاستيكيتين/ تنفع للتحديق مرة أخرى».
إنها الحيرة، والسفر في التفاصيل بين النسبي والمطلق، بين «الطرقات» و«القيثارة البعيدة»، بين تفاصيل الحياة اليومية وشرارة «العروج» اللازمة لكل شعر جيد، وفي هذا السفر يخرج الشعر بقوة كما الهواء: «بينما كانت الكلمات تخرج بقوة/ كنت تقطعين المسافة/ وكانت الحياة أكثر من مكان/ يرتاح في سطر واحد/ لكنك تصرّين على ترك النوافذ مشرعة/ والكلمة مائلة أمام الهواء»، فلديوتيما الحق بدعوتنا نحو الجميل، المجهول والسري، نحو العالم العلوي، من أصغر تفاصيل الحياة الصغيرة، كهذا المقطع من قصيدة «شفاه مفاجئة»: «حين أخبرتك أن الماء والهواء/ مثلك يدللان للمجهول/ ويضعان له أنفاً/ نبتت لي شفاه مفاجئة». ولكن من منّا قادر على السكنى الدائمة في أعلى سدرة المنتهى؟ ومن هو القادر على نصب خيمته للأبد في أعلى قمة إيفرست؟ لا بدّ من النزول إذن في كل يوم، إلى تفاصيل حياتنا اليومية: «أمسكُ بيدي هندباء برية/طارت من حقل غريب/وحملت معها أمنيات ناس غرباء» أو «أحمل الفيء الغريب/ الذي تسرب من باب مقفل/ أمي وضعته في كأس يانسون»: نحن إذن دائماً بين طريقين، وفي اتجاه ما تبدو حركتنا في اتجاه تخون الاتجاه الآخر. العشب، الثيمة الأخرى في العنوان، وإن ذكّرته اللغة في صيغة الجمع، فقاموسه ومفرداته وشقيقاتها من ورد ونبات وأنهار وحديقة في قصائد عبد العال هو أقرب إلى الأنثى في صيغة المفرد: «العشب ينقص كثيراً في الحديقة/ ويترك في فراغه وردة/ الحب يحفر لونه/ حتى إذا امتدت يدي/ تركته فوق الأصابع/ رأيت امرأة/ أتت إلينا/وألقت في وجوهنا الآلام التي قلنا للحياة/أن تحتفظ بها».
أبطالها هم دوماً أقرب إلى «الشخصيات القلقة»


حتى في يومياته، لا يتحرر هذا الشعر من الأبطال والقديسين كما يدعو تودوروف في إحدى مقالاته عن الشروط الملازمة لشعر الحداثة، وإنما في خلال رحلته لمعانقة الجميل والشعري، لا تتوانى صاحبته عن استحضار أبطالها، من سيلفيا بلاث: «حتى قبل انتحارها، بقيت سيلفيا أفقية كما تمنّت، كنت أريد أن أشبهها، لكني رأيت انتحارات كثيرة. الجندب الصغير يحاول القفز عن النبتة التي تشبهه حتى اختبأ في لونها وغاب. البيت الذي ظل منحنياً حتى غطّته الأشجار. والجملة التي رافقتنا مع أغنية جاك بريل: «لا تتركيني»، كل شيء أفقي يا عزيزتي، وسأختار الحوار مع السماء في الصفحات البيضاء جداً»، أو في هذا المقطع النثري الذي يحضر فيه السينمائي والشاعر الإيراني عباس كيارستمي: «أتذوق ملل قلبي من الكرز، قلت لمخرجي المفضّل أن الكرز ليس على الطريق، يوم مشيت ورأيت عجوزاً واقفاً قرب رأسي اسمه عباس كيارستمي، كنت أمسح الزجاج جيداً، لأني كنت أتواصل مع الشجر برسم الأغصان، وأتواصل مع الطريق بلمس الكرزات المتدليات بين العيون»، ليحضر غوستاف كليمت أيضاً في نص هو أقرب إلى حوار بين البصري والذِهني في القصيدة: «أحب الذهب الضائع/ في اللون البني/ الذهب الملوّن/ الذي تجده أحياناً في الوسادة/ وفي النظرة الصغيرة وراء الباب/ وفي الشفتين المغلقتين على لؤلؤة». المفارقة أن أغلب أبطال عبد العال في «عشب بين طريقين» هم أقرب إلى «الشخصيات القلقة» في اللوحة، والمشهد السينمائي والكتابة والأغنية، ما جعل من تذويب هذه الشخصيات في الحديقة الخلفية للنص أمراً طيّعاً، وبعيداً من التكلّف. الحزن هو الآخر أخذ حصة كبيرة من مجموعة عبد العال، إذ نراه يعبرها من أولها لآخرها، ففي القصيدة الأولى «صوَر»، نقرأ: «الصوَر التي عثرنا عليها في المجاز/ واكتشفنا أنها ليست لنا/ كلها تحاصرنا الآن بالدموع/ هكذا نتأكد جميعاً/ أن الحزن أيضاً عثرنا عليه/ في تلك الصورة». الحزن ذاته الذي نبتت له عينان، وقلب: «حفرة عميقة في الخارج/ يجد فيها القلب/ عيناً صغيرة/ يضع الأطفال عيناً أخرى/ ولا تكتمل الدمية». ستنبت له في القصيدة الأخيرة يد: «يدك/ التي تدرّبها كي تمسك أشياء من خيالك/ جرحتها الأغصان»، لكن ديوتيما سرعان ما تعيدنا بضربة خاطفة من برج الغيم إلى برج الشمس: «هناك جملة أقتبسها من مقطع شعري/ تمشي داخل حياتي/ ورغم أني بكل حذر/ أنتبه للأعشاب التي تنبت فيها/ فإني ألقيها لتمشي وحدها/ أصغي للموسيقى التي تتردد/ وهي تصطدم بالجدار/ وأطل على العصافير التي تهرب من ثقوبها/ ورغم ذلك/ فأنا أعيدها كل مرة إلى مقطعها الشعري».