تشبهُ إيزابيل الليندي (1942) تلميذةَ مدرسةٍ مجتهدةً. في الثامن من كانون الثاني (يناير)، بعد عطلة عيدَي الميلاد ورأس السنة التي تقضيها مع العائلة، دائماً ما تبدأ العمل على رواياتها. بعد الانتهاء منه، يمرُّ المخطوط الجديد أولاً على معلمتها الأولى التي تصححه بقلمٍ أحمرَ، وقد ظلّت الوالدة تقوم بذلك على الرغم من دنوّ عمرها من المئة عام.


إلى جانب هذا الاجتهاد هناك مثابرةٌ أخرى، تبدو للوهلة الأولى قادمةً من العالم الآخر، حيث يستمر المترجم الكبير صالح علماني بتقديم ما قضى حياته يقدمه لنا، إذ نقرأ اسمه على غلاف رواية «سفينة نيرودا ـ بتلة بحرٍ طويلة» الصادرة أخيراً عن «دار الآداب»، وهي الرواية الأولى التي تصدر بترجمته بعد وفاته. تبدأ الأحداث على جبهات مدريد وكتالونيا وترويل، خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حيث نرافق ابنَي عائلة دالماو الكتالونية: فيكتور الطبيب في المشافي الميدانية، ووليام الجندي المقاتل في صفوف الجمهوريين. تنضمّ إلى هذا الثنائي المتناقض روزر، راعية المعز وعازفة البيانو، بصفتها ابنة متبنّاة للعائلة، قبل أن تصير الشريك الأنثوي في بطولة الرواية بحكم القلب أولاً، ثم بحكم الحرب التي تفرض ظروفها جاعلةً من بقوا أحياءً يعيشون بموجبها.
يقرأ أستاذ التاريخ مارسيل لويس، والد فيكتور ووليام، مجريات المعركة ووقائعها كخبيرٍ محايدٍ، ويتوقع خسارة الجمهوريين فيها لصالح قوات الجنرال فرانكو، فيوصي عائلته بالتحرّك مسبقاً على هذا الأساس.
في مقابل المعاملة اللاإنسانية في بلد الحرية والعدالة والمساواة، الذي لم يستقبل مئات آلاف النازحين إلا بعد ضغطٍ دولي، وفي ظروف بائسة جعلت موتهم يستمرّ بضراوةٍ أشدَّ مما لو ظلوا تحت القصف: تسعة من كل عشرة أطفال كانوا يحلقون بأجنحة ملائكة مرتفعين عن هذا العالم غير المتناسب مع براءتهم، برزت المبادرة التي قام بها ديبلوماسي وشاعر تشيلي اسمه بابلو نيرودا، لقطع المحيطَين الأطلسي والهادئ بألفَي لاجئ على متن السفينة وينيبيغ، التي تم إحياؤها وتجهيزها لهذا الهدف خصيصاً، ونقلهم من ميناء بوردو الفرنسي إلى بلاده التي لم يسمعوا باسمها من قبل، تلك الأراضي البعيدة، الضيّقة والمتطاولة كدمعةٍ على خدِّ القارة المتشبثة بأسفل الكرة الأرضية.
تبدأ الأحداث على جبهات مدريد وكتالونيا وترويل، خلال الحرب الأهلية الإسبانية


تستقبلهم على الشاطئ عند وصولهم حشودٌ مرحِّبة من المواطنين، بينهم طبيبٌ يصبح وزيراً للصحة بعد أيام، ومن ثم رئيساً منتخَباً للجمهورية، اسمه سلفادور الليندي. وهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها نيرودا وصديقه الليندي كشخصيتين ثانويتين في رواية تتناول فترة الانقلاب على الأخير والإطاحة بحكمه، حيث نجدهما في رواية «ساعي بريد نيرودا» للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا.
تصل وينيبيغ في يوم اندلاع الحرب العالمية الثانية، فينجو الإسبان الهاربون من جحيمهم الصغير من ذلك الأكبر، لكنهم بعد نحو ثلاثين عاماً يعيشون ما سبق لهم أن عاشوه في بلادهم، حيث انقلاب عسكري يقوده الجنرال بينوشيه، لم يتطور إلى حرب أهلية في البلد المنقسم بدوره انقساماً حاداً بين يمين ويسار، يطيح بالرئيس اليساري المنتخب، ويأتي بديكتاتورية عسكرية يمينية. يُعتقل فيكتور في أحد مناجم ملح البارود في شمال البلاد لأحد عشر شهراً بسبب صداقته مع الرئيس الليندي، زميله في المهنة وغريمه في لعبة الشطرنج، قبل أن يهرب مع روزر مرة ثانية من وطنهما الجديد إلى منفى آخر؛ يلجآن إلى فنزويلا الغنية والكريمة التي استضافت الكثير من اللاجئين التشيليين.
خلال إقامتهما في فنزويلا، يموت الكودييو فرانثيسكو فرانكو، بعد أبدية من الحكم الفاشي، فيقرران بعد تردّدٍ العودة إلى إسبانيا. لا يتعرفان عليها بعد أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة من مغادرتها. الأشهر الستة التي يقضيانها فيها تكون كالمنفى، غربة في بلد مجهول يسوده الحذر والترقب والقلق من كل شيء، في ظل تحوله من بلد أمني إلى ما لم يتبلور بعد. الإقامة في فنزويلا أفضل بكثيرٍ من الإقامة فيه. ففي إسبانيا، لا يستطيعان أن يجدا عملاً، بينما في كاراكاس يعمل فيكتور في المستشفى ويعلّم في الجامعة، فيما تعلّم روزر عزف البيانو، وقد أسست كذلك أوركسترا صغيرة تقودها في الحفلات المتزايدة التي تحييها. يتمكّن الثنائي أخيراً من العودة إلى سانتياغو، التي يجدانها قد تحوّلت إلى مدينة أخرى بعدما مسخها الحُكم الأمني الجديد إلى ما يتوافق مع نظامه الاقتصادي والاجتماعي.
«سفينة نيرودا» رواية حرب ونزوح، وهي أيضاً رواية عن الحب والعائلة ومفهوم الوطن ومعنى المنفى، لكنها قبل أي شيء رواية «واقعية»، تعالج فيها الكاتبة المفاهيم السابقة كلها بهدوء وعقلانية، بعيداً عن الحماسة الزخِمة والعاطفة المشبوبة التي تميز التشيليين، والأميركيين اللاتينيين عامةً. ربّما يكون هذا تأثير عقودٍ من الحياة الأميركية الشمالية التي تظهر في رواياتها الأخيرة مثل «العشيق الياباني» و«ما وراء الشتاء»، اللتين تتناولان قصتي حب لامرأتين في عمر الليندي الحالي أو يزيد، وتحرماننا من الجرعات العالية للواقعية السحرية لصاحبة «بيت الأرواح» و«حكايات إيفالونا». فالحب الذي يدوم ويحيا هو القائم على المعايشة اليومية والمشاركة والتفهّم، لا ذاك الذي التهب بنظرة وأحرق الحبيبين، ثم انطفأ بمثل سرعة اضطرامه. والذي يسكن القلب هو من تراه العين كما يقول المثل، لا من يقيم في الذاكرة ثم ينسحب منها تدريجاً مع مرور السنين. أما الوالدان فهما من ربَّيا، والعائلة هي من احتضنت. كذلك الوطن، فالوطن هو الذي يعطينا ما نحتاجه، لا الذي يأخذ منا ما كان لنا. إن لم يكن هكذا فهو المنفى.