يعدّ ياسر عبد اللطيف واحداً من أهم كتاب جيل التسعينيات الأدبي في مصر. يمكننا القول إنّ هذا الجيل الذي أسهم في ترسيخ «قصيدة النثر» في مواجهة تيار رجعي كان يواجه هذه القصيدة بعنف، هو نفسه الذي أخذ السرد من منطقة انحساره بين السرديات الكبرى الاجتماعية أو التاريخية إلى إعلاء النزعة الفردية في رحلة اكتشافها العالم. بطريقة أخرى، لقد أعاد أدلجة الكتابة لكن من منظور مختلف بعيداً عن المباشرة، ليصبح الفردي طريقاً للذهاب إلى السياسي والاجتماعي لا العكس. وإن كان عبد اللطيف يستخدم هذه النزعة الفردية لتشريح العالم والشخوص، فالفرد في كتابته ليس منقطع الصلة عن العالم، بل هو مغروس بكلّ كيانه داخل مكانه وزمانه، متخذاً من الهامش مكاناً لرؤية المدينة، موسّعاً له ليسع كل الأفكار الكبرى. بالتالي، يصبح الراوي عنده متأثراً ومؤثراً، منتقداً للطبقة والفاعلين السياسيين والثقافيين وساخراً من الجمود، طارحاً أسئلة وجودية كبيرة عن ديناميكية المكان داخل زمن متغير، وعن القلق الذي يعصف بالإنسان، محاولاً تسكينه في نقطة محددة، من خلال رسم المشهد بلسان راوٍ عليم قريب من الحدث، محاولاً تفكيكه وتجميعه على طريقته الخاصة. هذا التكتيك بالضبط هو ما يستخدمه عبد اللطيف في مجموعته القصصية الأحدث «موسم الأوقات العالية» (الكتب خان- القاهرة) التي تضمّ سبع قصص تراوح بين الطويلة والمتوسطة، دائراً في عالم استخدمه سابقاً في روايته «قانون الوراثة»، حيث سنوات المراهقة التي يعيشها شباب من طبقة برجوازية غير مستقرة يقطنون حيّ المعادي، المغلق على نفسه. ينتقل بهم في ثلاث قصص (شهوة الملاك، موسم الأوقات العالية، قصص الحب التأثيرية) عبر جولات ليلية غير منتهية لرسم مشهد عام للقاهرة في التسعينيات، وأيضاً لخلق سردية موازية لأحداث كبرى هزت الرأي العام وقتها كحادثة اغتصاب فتاة المعادي. يستخدم عبد اللطيف في القصص التخيّلية مقاطع non-fiction في بناء سردي ملفت، موظّف بعناية، وأصيل في تجربته الشخصية، ومعبّر بجدارة عن كتابة قاهرية بامتياز.

يكتب عبد اللطيف عن موضع الفرد في العالم، مكانه في هذا التوقيت بالذات، آخذاً إياه عبر لغة دقيقة متقشّفة في مغامرة، أشبه بأغنية جامحة، حيث الأبطال هم نموذج المضاد للبطل المثالي، سائرين في الليل باستمرار، مخدرين، جانحين نحو خوض مغامرات تذهب بهم إلى الحافة، لاكتشاف الحرية والفن داخل لحظة تاريخية جارفة، يعودون منها بذوات جديدة كليةً أو لا يعودون مطلقاً

في كتابك «موسم الأوقات العالية»، تتحدث في قصّة «قصص الحب التأثيرية» عما يحيط بالأشياء باعتبارها أهم من الأشياء نفسها، هل تنطلق في الكتابة من هذه الفلسفة؟
ـــ تلك الفكرة تخصّ هذه القصة تحديداً ولا أستطيع أن أعمِّمها على كلّ كتابتي. القصة حول خروج الفرد من منطقته الآمنة إلى العراء، واكتشاف العالم من خلال علاقة عاطفية، من خلال ارتباط الراوي بـ «آخر» وهي زميلته «امتثال»، حيث يبدو العالم شعرياً ومدهشاً في هذا النور الجديد، فكانت القصّة لا عن علاقة الحب تلك، ولكن عن العالم الذي كشفته للراوي هذه العلاقة.

مكان الفرد في العالم هو الأهم بالنسبة إليك، أم العالم الذي يحيط بالفرد؟ أولا تعتبر نفسك بشكل عام راوياً عن العالم الذي تدور فيه العلاقات الإنسانية؟
ــــ هذا كالسؤال عن الذات والموضوع؛ مكان الفرد في العالم يتحدّد بمحيطه، وهو كفرد يسهم بشكل ما في خلق عالمه المحيط. فالعلاقة بين اثنين لها طابع معين، لن تنشأ إلا في مكان معين يكسبها هذا الطابع. علاقة الراوي بـ «امتثال» ما كانت لتنشأ في مدينة كطنطا أو الأقصر، هي علاقة تخصّ قاهرة التسعينيات بكل إشكالياتها، وشلة أصدقاء بمواصفات شلة يونس وعاطف، لن توجد في حيّ آخر في القاهرة سوى المعادي. وبالتالي يصعب فصل هذا عن ذاك.

القارئ لكتبك يلاحظ أنك كاتب عن المكان في الدرجة الأولى، هل تتفق؟ ما هو المكان بالنسبة إليك؟ ورغم أنك تتخذ دور الراوي المتسكع، لماذا يظل المكان ثابتاً وراسخاً؟
ـــ المكان هو وعاء الخبرة الإنسانية، وهو لا يكون ثابتاً أبداً طالما هناك حدث يدور. فالحدث يفترض الزمن، ولا زمن بلا حركة. أنا إذ أكتب عن المعادي في الثمانينيات أو في عام 2019 أو 2020، فأنا أكتب عن شيء متحوّل لم يعد كما كان لحظتها. بالتأكيد عملية الاستعادة وإعادة بناء لحظة ماضية تدور على أرضية من المقارنات تضطرها لتعريف علامات معينة ربما لم تكن لتحتاج لتعريف وقتها، أو ما كنت سأراها من الأصل لأنها أمر مفروغ من وجوده. أيضاً رفع فن القص من أهمية المكان، مع حرية الحركة المتاحة للسرد لدفع الأحداث في مواقع مختلفة، وهو ما لم يكن بالسلاسة نفسها في فن الدراما سابقاً. ومن هنا قناعتي بمحورية المكان في فنّ القصّ، مقارنةً بالعناصر التي كانت تتكئ عليها الدراما المسرحية كالشخوص المنحوتين بدقة والحبكة والصراع...

هل تفضّل أن يكون تلقي كتابتك في إطار «الهوس بالتاريخ» لا «المكان»؟
ـــ أفضّل أن يكون تلقي كتابتي في إطار ما حققته أدبياً في هذا النص أو ذاك؛ ربما هناك هوس بالمكان، وربما بالتاريخ، والتاريخ الثقافي تحديداً، فهذا بالذات لا يُلتفت إلى أهمية كتابته بالقدر الكافي، وما زلنا نعتمد على الباحثين الأجانب ليكتشفوه لنا. لكن هذا ليس كلّ شيء؛ فقد يطغى هذا الاهتمام مرة وقد يخفت مرةً أخرى لصالح اهتمام آخر. كتبت مثلاً في المجموعة الأخيرة قصة تدور في مدينة شتوتغارت الألمانية، وأنا لم أزر هذه المدينة قط، وإن كنت درست بعض تفاصيلها حتى أستطيع أن أكتبها، مثل أن جامعتها تتوفر على قسم للآثار، ونظام شرطتها، وهكذا؛ لكن لا المكان ولا تفاصيله الثقافية يحتلان موقع الصدارة هنا. ربما تكون تلك القصة استثناء في المجموعة وفي كتابتي بما يؤكد القاعدة، لكنه يثبت أيضاً وجود مناطق أخرى.

قلت إنّ الانسان يكتسب وعياً جديداً بوجوده خارج موطنه الأصلي، وعيه بذاته في الأساس. هل حققت هذا السفر نحو ذاتك؟ بين المعادي وعابدين ثم كندا، كيف أثرت هذه الأماكن على كتاباتك؟
ـــ أي انتقال يحقق اكتساباً لوعي جديد. عندما تنتقلين من مكان إلى آخر، فأنت تغادرين جغرافيا وشبكة علاقات كاملة وتدخلين في موضع مختلف. تظلّ ذاتك القديمة من هناك تراقب الجديدة وهي تتحرك في عالمها الجديد، بينما الجديدة أيضاً تراقب وتقارن. سأحكي لك حكاية من عالم الأدب: ولد نجيب محفوظ في الجمالية وعاش هناك طفولته الأولى بالتقريب في الموقع نفسه الذي رسم فيه بيت عائلة أحمد عبد الجواد في الثلاثية. في صباه، غادرت الأسرة الجمالية إلى العباسية التي كانت ضاحية جديدة راقية في عشرينيات القرن العشرين. هذا الانتقال هو ما كشف عالم القاهرة القديمة لنجيب محفوظ، لا ليكتبه في ثلاثية «بين القصرين»؛ كانت تلك الثلاثية تدريباً تاريخياً ليكتب ثلاثيته المتخيلة عن القاهرة القديمة، أعني ثلاثية «حكايات حارتنا»، «الحرافيش»، «عصر الحب». برأيي هذه هي قمة أعمال محفوظ. ارتفع المكان إلى فضاء أمثولي، أو رمزي إذا أمكن أن نقول، ولم يتخلّ عن تاريخيته أيضاً. فنجيب محفوظ مريض بالتاريخ، وأنا كذلك. وفي ظني لولا هذا الانتقال المبكر لمحفوظ في صباه من الجمالية إلى العباسية، لما اكتشف القاهرة القديمة جمالياً ومسرحها على النحو الذي فعل في ثلاثيته الثانية. نجيب محفوظ رسم الرحلة العكسية في رواية «خان الخليلي» أسرة عاكف تنتقل من السكاكيني، الذي هو إحدى مناطق العباسية إلى خان الخليلي في القاهرة القديمة وتكون رحلة الوعي للبطل مختلفة. ربما تقول هذه الحكاية عن الأستاذ نجيب شيئاً عني أيضاً، يجيب على سؤالك.

توفيق الحكيم الذي يكبر نجيب محفوظ بنحو 13 سنة، كان ينتمي إلى جيل ذي رحابة أوسع في التعامل مع الفوارق بين الأجناس الأدبية


كيف تأقلمت وأنت الكاتب القاهري بامتياز مع تجربة الهجرة؟ هل تجربة الهجرة كانت بمثابة انتزاع أم تعدّد ثقافي؟
ــــ الانتزاع فعل قسري، وأنا سافرت في ظروف عادية وبمحض إرادتي. وربما كان الأمر تحرّكاً وامتداداً بالنسبة إليّ. ولم يخلُ طبعاً من شعور حاد بالعزلة يراوح في الظهور، مع محاولات مستمرة للتكيف والأخذ والعطاء مع المكان الجديد، ومع علاقة لا تنقطع بمصر وأظن الهجرة في زمن الانترنت والسوشال ميديا أمراً مختلفاً عمّا سبق. مثلاً: الشاعر العراقي سركون بولص قال في مقدمة أحد دواوينه إنّ علاقته مع اللغة العربية اضطربت بعد وصوله إلى أميركا واحتاجَ إلى وقت حتى يستعيدها. هذا بالطبع كان من المستحيل أن يحدث معي في ظلّ كل وسائل التواصل اللحظي المتاحة.

هل أفهم من كلامك أنك ترى حقاً أن الهجرة من بلادنا العربية فعل طوعي؟
ـــ بالطبع لا، لكن لن أقارن نفسي بشخص اضطُر للنزوح لأنه فقد بيته تحت قصف عسكري أو لأنه مطارد بسبب انتمائه السياسي أو العقائدي أو ببساطة لأن المجتمع صار مُنغلقاً أكثر مما يحتمل. وبالطبع مجتمعاتنا طاردة حتى بدون كل تلك الأسباب السابقة، وأنا كانت عندي أسباب لاختيار الهجرة ولكنها لم تكن قسرية. وكنتُ في مصر قبل السفر في وضع اقتصادي واجتماعي مريح نسبياً، وبالتالي لا أستطيع أن أقول إنه قد تم انتزاعي ثقافياً كلاجئ من اليمن أو دارفور أو سوريا وجد نفسه فجأةً في محيط لغوي وثقافي لا يستطيع أن يفكّ شفرته. وأؤكد أيضاً أنه على الرغم من كلّ ذلك، لم يكن الأمر سهلاً بالطبع، والاغتراب عن المحيط أكيد، ومحاولات التكيف والتأقلم لا تنتهي، لكن الأمور نسبية كما ذكرت.

وهل في هذه الرحلة يتحول الكاتب إلى سارد أم شاعر؟
ـــ هناك لحظات لهذا ولحظات لذاك. كما في أي مكان. بالنسبة إليّ الشعر هو ما يتصفىّ من الخبرة في النهاية، فعليّ أن أكتب الكثير من السرد لأحظى بالقليل من الشعر. هذا غير متعلق بالارتحال كما أسلفت، وهو نظام يعمل معي أينما كنت. خلال السنوات العشر الماضية، كتبت عدداً قليلاً من القصائد جمعتها في ديوان واحد لم ينشر بعد، فيما أصدرت ثلاثة كتب سردية وخمسة كتب مترجمة وعدداً لا بأس به من المقالات.

حدثنا عن القصائد التي كتبتها بعد السفر؟
ـــ كان في البداية يغلب على تلك القصائد طابع تأمل الذات في المكان الجديد؛ كما هو متوقع، وبعض الاستدعاءات من العوالم المصرية. ثم اتخذت اللغة بعد ذلك منحى مختلفاً. تكثفت أكثر ومالت إلى الحكيّ الشعري واللعب بأساطير شخصية ومن الثقافة الشعبية بمعنييها التاريخي والمديني المعاصر، في تماساتها مع الذاكرة الحية لراوٍ مُرتحل أيضاً.

مثير للاهتمام أنك تأخذ الشعر إلى هذه المنطقة، هل حققت مفهوماً خاصاً بك للشعر؟ ما هو؟ وهل السرد عندك يخرج من منطقة مختلفة عن الشعر؟ ما هي؟
ـــ مفهوم الشعر يتجدد دائماً بالتجريب. والثابت أني أعتقد أنه نوع من الحدوس لها وجاهة المنطق وتتجاوزه إلى مرتبة أعلى في سلم القيم. الشعر في تعريف أعمّ هو معرفة جمالية. السرد بالضرورة يخرج من منطقة أكثر انتباهاً من منطقة الشعر؛ هناك علاقات سببية واندراج في مجرى زمني أكثر امتداداً، وحدث مشتبك مع زمنه ومكانه أياً كانا، تترتب عليه أمور وأحداث أخرى. لكن الشعر أقرب لما هو لحظي؛ هو لحظة في عمقها الرأسي إذا جاز التعبير، لا في امتدادها. وبالتأكيد هناك آليات وسمات متبادلة بين النشاطين، ولكن كليهما، أعني الشعر والسرد القصصي بوصفهما فنّاً، يسعيان لبلوغ غاية تتجاوز ما تمارسه اللغة من إخبار مباشر، الشعر في استغراقه الرأسي، والسرد في امتداده الأفقي، ولا يسعيان أيضاً لإعطائك «العظة» أو «المورال» الأدبي الذي ينتظره قارئ كسول أو قليل الخبرة في الأدب، أي القارئ الذي يبحث عن «القضايا» التي تناقشها هذه القصيدة أو تلك الرواية.

قلت سابقاً «أنا لا أعتبر نفسي شاعراً بدوام كامل»، ما الذي تقصده بشاعر بدوام كامل؟
ـــ عندما يكون المرء شاعراً ويكون واعياً لهذه الفكرة، ففي ذلك نوع من الزهو مبني داخل هذا التصوّر نفسه، هو لا يبذل مجهوداً في إظهاره ولا افتعاله. فلو كان واعياً بفرادته كشاعر طوال الوقت، فهو في حالة خيلاء طوال الوقت. رأيتُ شاعراً يطلب الشاي من عامل المقهى بفُصحى فخيمة منغّمة، هذا بالنسبة إليّ بائس أكثر منه مثيراً للضحك. الإنسان كائن اجتماعي لا يعيش داخل ناقوس الفنّ الزجاجي طوال الوقت. هناك نوع من الشعراء يعيش بهذا النوع من الوعي الذاتي حتى الآن، وانعكاس هذا على شعرهم يحفظ هذا الشعر بعيداً عن المتناول، داخل الناقوس الزجاجي نفسه. ولا أقصد بذلك أي دعاوى شعبوية للشعر، ولكن تمرير طاقة الحياة له من خلال تلك العلاقة الجدلية بينه وبينها. أنا تحميني ممارسة السرد والنثر بشكل عام من هذا الفخ على ما أعتقد. قلتُ في نفس الموضع إنه لو كان هناك ما يمكن تسميته بيوم القيامة الأدبي، فأنا أفضل أن أقف في طابور الحساب خلف أناس متواضعين كنجيب محفوظ ويحيى حقي والطيب صالح ومحمد شكري وعلاء الديب وأصلان، على أن أقف في طابور الشعراء خلف درويش وأدونيس وعبد المعطي حجازي. مع احترامي للجميع طبعاً.

كيف وقفت أمام الاختيار بين الشعر والسرد، وكيف حققت معادلة أن تكون سارداً وشاعراً على نفس الدرجة من الجودة؟
ــــ لا يبدو الجمع بين الاثنين غريباً بالنسبة إليّ. أمارس الشعر والقص، والكتابة النثرية والترجمة كلها كما لو كانت نظرية الأواني المستطرقة. كلها أوجه للكتابة عندي. عندما كان الشعر موزوناً ومقفى، كانت القسمة حادة بين النشاطين، ربما لم يملك توفيق الحكيم قُدرات النظم التقليدي، لكنه كتبَ صياغةً لنشيد الأنشاد لسليمان قد يراها قارئ معاصر مقارِبةً لقصيدة النثر أو لفنّ الشعر بمعناه الأحدث، وكذلك فعل نجيب محفوظ في «أصداء السيرة» وفي مقاطع نثرية مختلفة بين ثنايا رواياته. وبما أنني ذكرت هذين الاسمين، فسأقول إنّ توفيق الحكيم الذي يكبر محفوظ بنحو 13 سنة، كان ينتمي إلى جيل لديه رحابة أوسع في التعامل مع الفوارق بين الأجناس الأدبية، ومن أجادوا النظم من هذا الجيل كتبوا الشعر أيضاً بلا حرج بغض النظر عن عمق موهبتهم؛ حتى طه حسين فعلها. وإنما فقط أختار ألّا أكون ضمن ذلك النمط من الشعراء الذي تكلّمتُ عنه؛ شعراء الدوام الكامل.

الجيل الشعري الحالي في مصر وربما العام العربي نسائي بامتياز


هل يتحقق الشعر مع مفهوم القصدية بالنسبة لك؟
ـــ لا أعتقد هذا. من الضروري أن تكون هناك هندسة للفكرة أو الصورة التي بعثت القصيدة. هندسة بعدية، لخلق النسق الجمالي المسمى قصيدة. لكنني رأيت كُتَّاباً يعملون على «مشاريع» شعرية كمن يعملون على كتاب بحثي أو رسالة أكاديمية. ربما ينتج هذا سطراً جميلاً هنا أو صورة جميلة هناك؛ لكن طريقة العمل هكذا على كتاب شعري هي ضد عفوية الشعر ولحظيته ونُدرته. وهذا ربما من تأثير «أكدمة» الشعر، في الولايات المتحدة بالذات.

كيف ترى المشهد الشعري المصري حالياً؟
ـــ الجيل الشعري الحالي في مصر نسائي بامتياز، وربما في العالم العربي ككل تتفوق الشاعرات كمّاً وكيفاً. فإذا تكلمنا عن المشهد المصري، هناك أربع مدارس على الأقل أو تيارات مختلفة لا تزال تنتج الشعر في مصر، لكن المشهد أيضاً في معظمه يستعيد رومانتيكية الثمانينيات وأداءاتها، والذائقة تتجه للجانب الرومانتيكي من قصيدة النثر.

برأيك لماذا المشهد الشعري نسائي كما وصفته؟
ـــ ربما لأن النساء كنّ أقل عرضة للتأثر بذلك النمط الذي سيطر على صورة الشاعر مع ما عرف بـ «شعر الحداثة العربية»، وهي صورة ولدت حيث الجماعات الشعرية مجاورة لتنظيمات سياسية مسلّحة، وتبلورت بوضوح في بيروت الحرب الأهلية من شعراء عرب من كل الأقطار؛ ولن أنكر أن هناك شاعرات يُعدن إنتاج هذه الصورة بشكل مقلوب. وكان ما عرف بـ «الربيع العربي» مناسبة جيدة لبعث هذه «الذكورية» الشعرية ولن أقول النضالية، من جديد، وبالتالي كانت النساء أقلّ تخففاً من هذا واعتصمن بموقعهن الإنساني. هذا تخمين، وبالضرورة هناك أسباب تاريخية واجتماعية تخصّ كل قطر على حدة.

علاقتك باللغة ملفتة. فرغم أنك بطريقة ما حيادي تجاهها، تتركها تحمل المعنى من دون تدخلات شاعرية منك، كيف تحقق هذه المعادلة في الشعر؟
ــ كثيراً ما توصف لغتي بالحياد، لكنني لستُ حيادياً تجاه اللغة، وإلا ما كتبت أصلاً. ما تعتبرينه «تدخلات شاعرية» ربما أعتبره أنا نوعاً من البلاغة المفرطة في تأنقها وجماليتها بشكل معطى سلفاً واستقرت شعريته... نوع من البلاغة المضمونة. وأنا لديّ حساسية ضد التكلّف الشعري والمجازات «شديدة الحلاوة»، هو ليس حياداً ولكن ربما هو تقشف ومجهود أكبر في تخليص اللغة من متعلقات تثقلها من دون أن تضيف إليها. وأتذكر دائماً نصيحة الأستاذ بشير السباعي «اللغة ليست وثناً وليست مومساً!».

أنت أيضاً تعمل في الترجمة، بشكل احترافي، والسؤال التقليدي يطرح نفسه: كيف تؤثر عليك الترجمة ككاتب، وكيف تتخلص من هذا التأثر؟
ــــ الحقيقة أن تأثير الترجمة عليّ هو أفضل بكثير مما كنت أتصور. الترجمة للكاتب تمرين لغوي قوي جداً، تبقيك بالقرب من القواميس، ومن ظلال المعاني وتدرجاتها؛ وبمعنى أوضح هي تمرين بلاغي وفقاً للتعريف الاصطلاحي القديم للبلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وعملية المقاربة والمقارنة بين لغتين مختلفتين: كيف تعملان؟ كيف تتشكل الأزمنة في هذه اللغة أو تلك؟ أظنها تزيد الكاتب درايةً ودربةً. كما أنها تعرفنا بكُتّاب في عوالم أخرى نبقى في حالة جدل معهم طوال عملية الترجمة. أليس ذلك مُثرياً؟! ما هو مضاد للكاتب في عملية الترجمة هو نظام «الديد لاين» الذي يفترضه الناشرون. هنا يتحول الكاتب إلى بروليتاري يجلس ليُنجز قطعة عمل «بالمقطوعية». لكن الناشر مرتبط بمواعيد وعقود ومطابع ومعارض أيضاً، وأنت بحاجة لدفع الفواتير، فلا بد من الاندراج في هذه العملية الإنتاجية. صديقي الكبير المترجم أحمد حسّان متخلص من هذا العبء منذ زمن؛ فهو يترجم وفق خطته البحثية الخاصة ليعثر للكتاب على ناشر بعد ذلك أو لا يعثر. لكن حسان أيضاً كان صحافياً وتقاعد ويعتمد على راتبه في الأساسيات. أنا أحاول أن أفعل الاثنين بما إني لا أكسب عيشي سوى من الترجمة حالياً؛ أترجم بعض ما أحب وبعض ما يُطلب مني من قبل ناشرين أو مؤسسات، محاولة للتوازن بين الضرورة والهوى، كما هي الحياة. كما أمارس الترجمة الشفاهية في المحاكم ومكتب العمل وبعض الهيئات هنا.

حدثنا عن مشاريعك الحالية والمنتظرة؟
لديّ مجموعة شعرية جاهزة تنتظر النشر بعنوان «أيها العالم يا حبي»، وكتاب آخر حواري كتبته مع المصورة والمخرجة هالة القوصي حول فكرة «الغياب» لا يزال في مرحلة التحرير. غير هذا، أعمل على أكثر من مشروع كتابةً وترجمة. كما بدأت في تعلّم الموسيقى بنفسي وسأدرس منهجياً في القريب. وجدت أن ذلك أساسي للكتابة عن الموسيقى بشكل أكثر معرفة، لتطوير الخط الذي بدأته مع مجلة «معازف» ثم في مدونتي الناشئة «راديو المعادي الحرّ». كما أن العزف والارتجال متعةٌ وعلاج نفسي ناجع جداً.