— ماذا سنفعل بهم؟

رنّ هذا السؤال في أذنه وهو يحمل علب حليب الأطفال ويضعها على الأرض. نظر إلى زميله فؤاد، ولم يُجِب.
— هل سنعكف على إطعامهم ورعايتهم حتى تنتهي الحرب؟
لم يُجِب، بل ذهب لإحضار قناني المياه البلاستيكيَّة من الشاحنة للأسرى الذين اكتظَّ بهم الملجأ الكبير، ووضعها إلى جانب علب الحليب، وهو يتصبّب عرقاً.
تمتم فؤاد:
— أحرس هؤلاء وبينهم من قتل أخي وعائلته ومن رمى الصواريخ على بيتي فقتل والديّ. كم عانينا من ظلمهم وتنكيلهم كل تلك السنين!
أعطى رامي البندقيَّة لفؤاد وقال له:
— تفضَّل. اذهب واقتلهم جميعاً، وعذّب من شئت قبل ذلك.

معتقل الخيام في 24 أيار (مايو) 2000 (فوتوغراف، وكالة afp)


صمت فؤاد، أخذ نفساً عميقاً، ثم قال:
— تعرف يا صديقي أنَّني أتكلم من وجع، فنحن لسنا هُم.
مسح رامي عرق جبينه بمنديل ورقي، وأشار إلى كرسيِّ بجانبه، سار وجلس، فيما فؤاد يحدّق فيه.
شرب القليل من المياه وأجاب:
— هل تراني قائداً للجبهة؟ أنا مثلك أنفّذ الأوامر كما تأتيني. هؤلاء أسرى مدنيّون، وعلينا أن نحسن معاملتهم، ولا أخالك تفعل غير ذلك أصلاً.
— انظر إليّ، فقدْتُ إحدى عينيّ في سجن تل أبيب عندما أمضيت ثلاث عشرة سنة هناك، وأنت، ألم تفقد قدمك في مواجهات بنت جبيل؟
ابتسم رامي، أعاد السلاح إلى جنبه، همس لزميله الفلسطيني:
— إنّه زماننا، وقد كنّا نستعدّ، وها نحن ننتصر.
ثمّ قام إلى جولته التفقديَّة اليوميَّة في الملجأ، وهو يتحسّس قدمه البلاستيكيّة.
■ ■ ■

— قلتُ لكِ إنَّ علينا أن نسرع كي نلحق بالباخرة، فبقيتِ مُسمَّرةً أمام شاشة التلفاز كل الوقت، من دون أن تحصلي على معلومة واحدة مفيدة، حتى وقعنا في الأسر.
— أهو ذنبي أنّني أريد الاطمئنان على ولدنا يافي؟
— وهل ستعرفين مصيره من التلفاز؟ انظري إلى ذلك الرجل، إنّه يوزّع الماء، أشعر بالعطش. لكن لا، لن أطلب منه شيئاً. ثمّ، أظنّني أعرف هذا الرجل. ردّت أم يافي بخوف:
— تعرفه؟ من أين؟ وهل يعرفك هو؟ يا ويلي! أظنّه سينتقم منّا إن كنتَ قد..
سمع رامي الحديث الذي دار بين الزوجين، حدّق جيداً بوالد يافي الطاعن في السن، فرأى رجلاً طويل القامة عريض المنكبين، ذا لحية بيضاء تغطّي وجهه. تغيّر لونه، شعر بقشعريرة في بدنه، وأمسك بقناني المياه جيّداً، واحتضنها. فكّر لبرهةٍ قبل أن يقول لنفسه: «علينا أن نحسن معاملة الأسرى»، فأغمض عينيه، أخذ نفساً عميقاً، اقترب من العجوز قائلاً باللغة العبريَّة التي يتقنها جيّداً:
— تفضّل، اشرب الماء.
عبس والد يافي، قال له:
— لا أريد.
— لكنَّني سمعتك تتحدَّث عن العطش. في جميع الأحوال هذه القنينة هنا إن أردت، ثمّ رمقه بنظرة ثاقبة حادّة، جعلت الرجل وزوجته يجفلان خوفاً، ويضعان أيديهما على رأسيهما ترقّباً لضربة تأتيهما، لكنّ رامي اكتفى بوضع الماء على الأرض والمضي، ما جعل العجوزين ينظران إلى بعضهما بتعجّب.
بعد نهاية الجولة التفقديَّة، سأل فؤاد رامي:
— ماذا تحبّ أن تتناول على العشاء؟
فأجاب وعلى وجهه علامات الاضطراب:
— أيّ شيء، لا يهمّ. فهمس في أذنه:
— صديقي قريب من هنا، سيحضر لنا مَفْتُولاً، فأمّه بارعةٌ في إعداد أكلاتنا الفلسطينيَّة الأصيلة.
— حسنا إذاً، على بركة الله. وأنا سأعرّفك إلى مطبخنا اللبناني عندما تزورنا بعد انتهاء الحرب.
ضحك الاثنان، قبل أن يسأل فؤاد صديقه:
— لكن لم تخبرني لماذا تغيَّر لون وجهك بعد الانتهاء من الجولة؟ هل أزعجك أحدٌ ما؟ أعرف طباعهم وكميَّة السمّ التي يضعونها في كلماتهم.
قام رامي من مكانه، أخذ نفساً عميقاً، وقال:
— لا شيء.
حين كان فؤاد يتسلم الطعام من صديقه، كانت صورة الفتى ذي الرابعة عشر، المعلَّقة فوق عَمود التعذيب في معتقل الخيام، تضيء في ذاكرة رامي، وصوت السجّان في أذنه: «لن تشرب الماء حتى تقرّ بأسماء رفاقك المخرّبين».
سأل رامي:
— هل تذكر السجّان في معتقل الخيام الذي منعني من الماء وضربني فأفقدني القدرة على الإنجاب وحرمني الأطفال؟
أجاب فؤاد:
— نعم، تذكَّرت أنَّك حدَّثتني عنه. ترى ماذا حلّ به؟ أظنّه تقاعد، وهرب مع مَن هرب في البواخر. ليتك تظفر به! تذكّر رامي كلام قائده «ضبط النفس انتصارٌ فوق انتصار الجبهة»، وقف وابتسم قائلاً:
— لقد رأيته..
اتّسعت عينا فؤاد وانتظر المزيد، فيما قال رامي بهدوء:
— رأيته، وسقيته الماء!

* صور/ لبنان

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا