ينطلق جمال حيدر في روايته «أجنحة في سماء بعيدة» (دار لندن) من الانتفاضة الشعبية التي شهدها العراق عام 1991 ضد النظام آنذاك، من خلال تفصيل صغير لخمس شخصيات رئيسية، متناقضة المنابت تتخذ من مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف، ملاذاً لها هرباً من الأجهزة الأمنية. شخصيات تجمعها الأقدار لتعيش في تفاصيل المكان: القبور الممتدة على مرمى البصر تحت الشمس والغبار، والطرق الترابية الفاصلة بين الشواهد، وهديل الحمام، وظلال أشجار السدر الموزعة في مفارق المكان.

في المقبرة، حيث يختفي الرجال، ينقل لنا الكاتب الصمت الجليل الذي يكلل المكان. صمت الموت وسكون الموتى. مع كل خطوة في أعماق المقبرة، يتصاعد عويل يعصف بالجسد ويترك ظله المنكسر على الأرض الساخنة، واصفاً لنا مشهد النسوة اللواتي يمررن وهنّ ينتحبن يمسحن دموعهن بأذيال عباءتهن السوداء، يخاطبن أمواتهن عن بعد بحزن وحرقة وبنحيب يحمل الكثير من الفقد.. فقدان الأحبة. في هذه المناخات، تتحرك الشخصيات التي تتقاطع حيناً، وتتواصل حيناً آخر في حياة تجاور الموت وتحيا مع طقوسه يومياً.
في الليالي المقمرة يتلفع الرجال بالوحدة والحكايا.. تلك المرتبطة بماضيهم. السيد إسماعيل يعيد سرد حكايته مراراً، يضيف، يشذّب أو يحذف على هواه، محاولاً التأثير على السامعين، ابتداءً من لحظة القبض عليه بالقرب من سوق الكاظمية، مروراً بجلسات التحقيق والتعذيب لغاية إطلاق سراحه بعفو رئاسي. غير أن حكاية عشقه لوالدته هي الأقرب إلى الرجال. عشق يصل إلى حدّ الوله، حكاية تلامس شغاف قلوبهم.


يبدأ سرده بصمت طويل ليردّد بعدها: «ليس في ذاكرتي سوى تلك العينين الفيروزيتين، وأصابع اليد الشفافة التي أرى من خلالها مجرى الدم». إنه عشقه الوحيد الذي لا تنضب حكاياته، وحين يسرد السيد إسماعيل تلك الحكايات، يغمر الرجال شعور بالمرارة والظلم.
في المقابل لم يعلم جميل، معلم المدرسة الآتي من قرى الجنوب البعيدة والمهملة، لماذا انخرط في السياسة لغاية انغماسه بهذا العالم المخادع والكاذب الذي جعل منه مطادراً منذ تفتح وعيه، وجعل من حياته جرحاً لن يندمل أبداً.
عشق جميل ابنة عمه زهرة، تلك التي تخفي العباءة السوداء أنثوتها الطاغية، انتظرته طويلاً حين أُرسل إلى جبهات القتال. وحين وضعت الحرب أوزارها وكشفت لسانها للمغامرين ورقدت المدافع بعدما هدها النعاس، عاد محملاً بقصص يرويها للعابرين. تحدث عن الموت، هذا الزائر العجيب الذي يخطف أرواح الجنود ويودعها في مجاهل لا يعرفها أحد، تحدث عن القتلى في وحشة البراري، مثلما كانوا أحياء في وحشة الحياة.. تحدث عن وميض القذائف والرصاص الذي يلمع في فراغ العتمة.
أجبروه على النسيان، لكنه طالب بثمن الصمت على جنون الحرب، قال لهم: «سأصمت.. ولكن الأشياء تتآمر على البوح.. ماذا أفعل؟».
جعفر الشاب المتخم بالحياة، الذي التحق بالمقبرة، لم يعُد سعيداً مثل بقية البشر الهائمين في لجة الأسرار، انطفأ الزمن في عينيه وحاصرته كوابيس مرعبة، فاضطربت حياته، حاول أن يتمالك، إلا أن الهوّة كانت سحيقة. امتهن العمل في سيارة أجرة، بعدما فشلت كل الفرص التي أتيحت له، لتغدو تلك السيارة عالمه الذي يرقد على أحلام شاحبة.
في الأوقات التي يمرّ فيها الملل ضيفاً ثقيلاً على المقبرة، يسرد عبود خضر الصكبان حكايته، يرويها وهو مفعم بحزن شفيف، غير أن حكاية زوجته تثير فيه شجون الكون برمته، يقول: «تزوجت أميرة، وكانت أميرة حياتي حقاً، تعرفت عليها خلال عملي في المدينة، لم يرضَ أهلي بها، عابوا عليّ الزواج من غريبة، وتخلى عنها أهلها لأنها أصرت على الزواج من عامل بسيط يعيل والدته وشقيقتين، حظينا ببنتين صغيرتين، فاطمة وزينب، بنتين مثل حمامتين».
ستار الهارب من جبهات القتال يتذكر كأن الحياة سرت في عروقه مجدداً، كأن قلبه يخفق بقوة، ينصت لصوت الخفقان، ويشعر بأنه سيموت لا محالة بعدما خانته الأحلام.
تتواصل أحداث الرواية في سياق البحث عن منفذ للهروب من المصير المفزع الذي يحاصر أيامهم. لكن لم يكن بين الرجال والموت المتربص بهم في كل لحظة، أيّ حاجز، كانوا عراة أمامه، رأوه عن بعد بملء العين بعدما لامسوه وعرفوا كنهه ملياً. تساءلوا ببراءة واضحة: هل يعرف الموتى الراقدون في جوف الأرض هلعنا.. هل يشعرون بالخوف الذي يحاصرنا، بالهموم التي تحيا معنا؟
وقع أحذية القوات المهاجمة يبدو أنه قريب منهم، قريب لغاية اللعنة. ومع اقترابه، يترسّخ الخوف في نفوس الرجال. أصوات آمرة متقطعة وإشارات اللاسلكي المخنوقة تتواصل. طلقات نارية متواصلة تلعلع في سكون المقبرة. تواصل القوات الأمنية هجماتها على المقبرة. ومع كل هجمة، تبدو حياة الرجال قريبة من النهاية، لكنهم ينجون لسبب خفي لا يعرفونه.
على طرق شاقة وعبور حواجز أمنية، تصل مديحة إلى المقبرة بعد مقتل ستار.. عشيقها، لتخبر الرجال أن شوارع المدن والمحافظات متخمة برجال أمن وعسكر يتراكضون في كل الاتجاهات، أسلحة في كل مكان وجبهات قتال بين الثوار ورجال الحكومة. دماء تسيل من أجساد متورمة بعدما عذبت طويلاً، أبنية تلتهمها نيران. كلاب تنهش جثثاً مرمية على قارعة الطريق. سقطت السلطة في محافظات كثيرة ولم يعُد لها وجود.
تلقي الأجهزة الأمنية القبض على مديحة بتهمة تهريب أسلحة إلى رجال المقبرة وتموت في جلسة تعذيب.
خلال أيام قليلة، خسرت السلطة كل شيء. لم يعُد لها وجود. لتعيش المدينة أياماً أكثر تسامحاً، وتمسح الحيرة من على خدودها كدمعة ساخنة. قصف مدفعي بعيد المدى يطال المدينة بشكل عشوائي، فيما القوات المهاجمة تهدّد باستخدام الغازات السامة لقمع المنتفضين. أصوات القذائف بدأت تُسمع في أرجاء المدينة. بدايات زحف الجيش غدت جلية.. الخطوات الأولى بدأت، بعدما منحت السلطة قواتها الغازية كل الصلاحيات للسيطرة على المدينة المنتفضة. الصواريخ تدكّ أهدافاً عبثية، ليستشري الرعب بين الناس، بعدما أعلن الحصار عليهم. لا شيء خارج أهداف القصف. لا شيء البتة، حتى أولئك المتحصنين في منازلهم. في الهجوم الأخير الذي طال المدينة، يقرر الرجال مغادرة المقبرة بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً. إذ تعد السلطة لهجوم كاسح يستهدف المقبرة، التي احتشدت هي الأخرى بشباب من مدن مجاورة انضموا إلى الثوار. تتسع حركة الشباب في مقاومة القوات المهاجمة. تتواصل العمليات، غير أن قلوب الرجال ما زالت تنبض بالحلم.. حلم الحرية.
تسجيل روائي لأحداث شهدها العراق في مطلع التسعينات


في الليلة الأخيرة، أطفأ الرجال الشموع ورقدوا في سكون لما بقي من الليل، بعدما تبادلوا ذكرياتهم بشيء من الطرافة رغم عسرها وشقائها. في اليوم الأول لعيد الفطر، دبّت الحياة في دروب المقبرة الترابية. حشود من كتل بشرية تندفع لزيارة موتاها، لتغدو الفرصة السانحة للرجال بالهروب من المقبرة وهم يحملون هويات مزوّرة. ترك الرجال المقبرة بعدما ابتلعهم الزحام، ومضوا صوب موقف السيارات الواصلة إلى بغداد. استقلوا السيارة كغرباء بعدما نمت لهم أجنحة واسعة ليحلّقوا بها في سماء بعيدة. يبدو العمل برمته تسجيلاً روائياً لأحداث شهدها العراق في مطلع التسعينات، إثر انسحاب الجيش العراقي من الكويت. عاد حينها الجنود محملين بأسى بعدما لامسوا عبث الحروب، وما شهدته البلاد من أحداث توالت لتشكل منعطفاً شاخصاً في تاريخها وتاريخ المنطقة معاً. يمكن القول بأن انتفاضة آذار، أولى الانتفاضات الشعبية المسلحة التي يعلنها شعب عربي ضد سلطة حاكمة.... انتفاضة فجرها فتية في عمر الزهور، رفعوا راية الضد فوق هامتهم.
تمكنت السلطات حينها من إخماد الانتفاضة، لكنها ظلت تعتمل في قلوب الناس، لتغدو تالياً الخطوة الأهم لانهيار النظام وسقوطه لاحقاً.. حتى باجتياح عسكري دولي مباشر، لا تزال آثاره شاخصة لغاية اليوم في الحياة العراقية بكل تفاصيلها.

* كاتب وصحافي ليبي مقيم في أثينا

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا