يتغيّرُ العالم من وجهة نظر الأطفال، يصبح طرياً وبملامح مختلفة، هذا ربما جزء مما تريد الكاتبة الإيطالية فيولا أردونيه قوله في روايتها «قطار الأطفال» التي انتقلت أخيراً إلى اللغة العربية (ترجمة يوسف وقاص ـــ دار الساقي). تسرد الكاتبة حكاية غريبة لأطفال يرسلهم الشيوعيون إلى شمال البلاد ليقضوا فصل الشتاء بسبب حالتهم الفقيرة والبرد الشديد في الجنوب. وهناك تتبناهم عائلة تهتم بهم مؤقتاً. سيكتشفون هناك عالماً جديداً. ويبدو أن هذا العالم المختلف لا يلاحظ تفاصيله بهذه البراعة سوى الأطفال الذين يحلمون بحياة هانئة بعيدة عن التشرد والحروب، فتبدو الرواية كأنها رحلة خارجية وداخلية، ننتقل فيها بين حياتين مختلفتين، لنشعر أننا في النهاية نتحرك في ذلك القطار الداخلي الذي يجعل الحياة تنقسم بهذه القسوة والبراءة في الوقت نفسه.



يغيب صوت الكاتبة ويحضر صوت الراوي الطفل، فنرى كيف يتشكل العالم في عيونه، واللافت هو ما يراه عن الحرب، فالرواية لا تتحدث عن السياسة. ما يلحظه الطفل مختلف تماماً. إنه مهتم بما تتركه الحرب وراءها: ذلك الدمار في الداخل، الأزقة، الشغف بالأحذية واللعب بالجرذان. لكن اللغة تبدو أكثر مرحاً مما نتوقع. تحتال على جاهزية الفكرة في أذهاننا وخصوصاً حين نقرأ قليلاً عن المرحلة التي تتحدث عنها وهي الحرب العالمية الثانية وما فعله النازيون والفاشيون. تجعلنا الرواية نصدق أنها عن البراءة التي تريد إنقاذ أشياء كثيرة. لا تجعلنا الرواية نشفق على الطفل، رغم أننا نتعاطف معه، لكنه لا يبدو أنه ضحية، ولا تأخذ لغته هذا الاتجاه. يقف الطفل عند منعطف، ويكتمل نضجه وهو يختار بين عالمين ويقرر ماذا يريد. الجميل أيضاً أن العالم في الأزقة في شمال إيطاليا، رغم قساوته، يبدو لطيفاً حيث يخترع الطفل أميريغو لعبه المفضلة بتلوين الجرذان والأحذية التي يلاحظ كم هي قديمة وجديدة. هذا الشغف بالأحذية ينتقل معه على طول الرحلة، لنكتشف ذلك المعنى الخفي للتغيير والانتماء، فيتّضح سؤال الرواية ومحورها. يريد أميريغو أن يناقش معنى الانتماء لعالم الولادة إلى الأبد، والهوية التي تتشكل على طول الطريق، والتي أسهم ذلك التغيير المفاجئ من الجنوب إلى الشمال في خلقها داخل الأطفال. نرى أيضاً أن الخيار الذي يقرّره الطفل متعلّق بفكّ ذاك الرباط مع أمه، فتتغير العلاقة معها، وتبدو تلك الإشكالية صعبة في البداية، عندما يضطر أميريغو أن يقارن علاقته بالعائلة الجديدة بعلاقته بأمه ورؤيتها هناك معه، ليعود ويتخيّلها مجدداً. لكن يبدو أنه يتخلى عن هذا التعلق ليخاطبها حين يصبح في مكان آخر كأنه يكتب لها رسالة فتبدو العلاقة مختلفة وربما ندية وأقوى.
يبدو أيضاً أن بعض الكلمات مثل: تضامن، كرامة، شيوعيون، فاشيون، لها وقع خاص في مخيلة هذا الطفل. الشعارات لا يمكن أن تمرّ أمامهم بسهولة، فيتضح كم يرددونها أحياناً ويشعرون أن لها معنى آخر يفهمونه كلما تقدموا في الرحلة كما يقول أميريغو في الرواية: التضامن يعني هذا أيضاً، «ذلك الذي لم أستطِع تقديمه إليها، قدمته إلى الآخرين».
تسرد الكاتبة الإيطالية حكاية غريبة عن أطفال يرسلهم الشيوعيون إلى شمال البلاد


يعود مشهد القطار مجدداً عندما يكبر أميريغو ويعود في زيارة إلى مدينته التي تركها، كأن تلك العودة إلى ذلك المشهد هي عودة إلى الطفولة، لكن هذه المرة ليقول كلماته الأخيرة لمكان تركه إلى الأبد. إذن تبدو الرحلة دائرية ومتشعّبة لا تنطلق كرحلة القطار من الجنوب إلى الشمال، بل تظلّ تلقي على المكان الأول أسئلة الولادة والحيرة والتردد.
تحضرنا هنا كلمات محمود درويش عن الهوية: هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة. إذن نخترعها أحياناً أو نبحث خارجها عنها، هو الذهاب المستمرّ إليها. ولذلك نرى هذا الطفل يبحث عمّن هو حقاً، ويختار العائلة التي تبنّته ليطل فيها على عالمه القديم من جديد وليكتشفه من بعيد. هي رواية حساسة عن مرحلة واقعية ومؤلمة ولو أنها أحياناً تغرق في تفاصيل متشعبة وكثيرة جداً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا