كان لدينا في مكة الجاهلية تقليد يقضي بدخول البيوت من ظهورها في وقت النسك- الحج. فإذا احتاج أحدهم أن يدخل إلى بيته في مثل هذا الوقت، كان عليه أن يدخل من فتحة في سقف البيت. وقد ظل هذا التقليد سارياً إلى أن نزلت آية سورة البقرة: «وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى. وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون» (البقرة: 189). وهكذا أنهت هذه الآية التقليد الجاهلي القديم، وصار مسموحاً أن تؤتى البيوت من أبوابها في أي وقت.

لكن المصادر العربية تضطرب بشدة بشأن الطائفة التي كانت تمارس هذا الطقس. فهي لا تدري بيقين إن كان تقليداً يخصّ طائفة الحمس أم طائفة الحلة. وخذ مثالاً على هذا الاضطراب من اليعقوبي. فهو يخبرنا في تاريخه أن الحمس هم الذين كانوا «لا يدخلون البيوت من أبوابها». لكنه، ويا للغرابة، يعود فينسب التقليد للحلة في موضع آخر: «ولا يدخلون من باب بيت ولا دار»! وهكذا فهو ينسب الأمر ذاته إلى الطرفين النقيضين معاً.

ساندوك بيرك ــ «مدينة مكّة من جبل النور وغار حراء» (زيت وأكريليك على كانفاس ــ 48 × 65 سنتم ـــ 2014)

أما الأزرقي، فيخبرنا أن الحمس هم أصحاب هذا الطقس: «كانت الحمس من دينهم إذا أحرموا أن لا يدخلوا بيتاً من البيوت، ولا يستظلوا تحت سقف بيت؛ ينقب أحدهم نقباً في ظهر بيته، فمنه يدخل إلى حجرته ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه، ولا يجوز تحت أسكفة بابه ولا عارضته. فإذا أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح ثم ينزلون في حجرتهم ويحرمون أن يمروا تحت عتبة الباب» (الأزرقي، أخبار مكة).
غير أن مقاتلاً في تفسيره ينسب هذا التقليد إلى الأنصار، أي إلى أهل يثرب، الذين هم حلة كما أوضحت في كتبي السابقة: «ذلك أن الأنصار في الجاهلية وفي الإسلام كانوا إذا أحرم أحدهم بالحج أو بالعمرة، وهو من أهل المدن، وهو مقيم في أهله لم يدخل منزله من باب الدار، ولكن يوضع له سلم إلى ظهر البيت فيصعد فيه، وينحدر منه، أو يتسوّر من الجدار، وينقب بعض بيته، فيدخل منه ويخرج منه، فلا يزال كذلك حتى يتوجه إلى مكة محرماً، وإذا كان من أهل الوبر دخل وخرج من وراء بيته» (تفسير مقاتل).
ومع أن التقليد قد أُلغي، فإن تحديد الطائفة التي كانت تمارسه سيساعدنا في تحديد الطائفة التي كان ينتمي إليها الرسول في جاهليته. وهذا سيحدّد البيئة الدينية التي انبثق منها الإسلام. ولحسن حظنا، هناك خبر عن الرسول يتعلّق بهذا التقليد على وجه الخصوص. وهو خبر مشهور جداً، يرد في مصادر عديدة جداً. وسوف نبدأ هنا برواية مقاتل:
«كانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان، إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إن قطبة ابن عامر رجل تاجر وإنه خرج معك من الباب. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال [الرسول]: إني [رجل] أحمس. قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها» (تفسير مقاتل).
في هذا الخبر عدة معلومات:
1- أن «الأنصار»، وهم حلة، كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها. لكنّ رجلاً منهم خالف التقليد ودخل من الباب مع الرسول.
2- أنّ الرسول كان يدخل البيوت من أبوابها ويخرج منها لأنه أحمس: «إني أحمس». بذا فالحمس لم يكونوا يأتون البيوت من ظهورها حسب مقاتل.
3- أن قطبة بن عامر عبر الباب مع الرسول ووصف بناء على ذلك بأنه: «رجل تاجر».
وتعبير «رجل تاجر» غامض جداً كما نرى. فلو كانت هذه الكلمة بالمعنى العادي لكلمة تاجر، أي الذي يبيع ويشتري، لكان علينا أن نسأل: ولماذا لا يحقّ للتاجر أن يدخل من أبواب البيوت؟ وسوف نتحدث عن هذه النقطة المهمة لاحقاً.
غير أن لدينا روايات أخرى معاكسة تماماً لهذه الرواية:
«كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نقب كوة في ظهر بيته فجعل سلماً، فجعل يدخل منها. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين، قال: فأتى الباب ليدخل، فدخل منه. قال: فانطلق الرجل ليدخل من الكوة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك؟ فقال: إني أحمس! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أحمس» (تفسير الطبري).
وكما نرى، فالخبر مشوّش. فهو يتحدث عن أن المشركين ككل لا يدخلون من الأبواب، لكنه يعود فيخبرنا أن الذي دخل مع الرسول حمسي، وهو ما يعني أن الحمس لا يتبعون هذا التقليد. لكن الغريب أن يقول الرسول للرجل: «وأنا حمسي مثلك وأستطيع الدخول من الباب». إذ من المفترض أن قريشاً كلها حمس. وهو ما يعني أن الرسول القرشي لم يكن بحاجة إلى قول هذا.
والحال أن كل التشوش الحاصل نابع من الفرضية الخاطئة التي تقول إنّ قريشاً كلها حمس، وأن الرسول، بالتالي، يجب أن يكون حمسياً لأنه قرشي. والحقيقة أن قريشاً كانت مقسومة إلى الطائفتين الحمس والحلة (إضافة إلى الطائفة الثالثة، طائفة الطلس)، وأن الرسول وعشيرته الأقربين كانوا من القسم الحلي، لا القسم الحمسي. وهذا هو السبب الأعمق لعلاقة الرسول القوية بأهل يثرب التي انتهت إلى هجرته إليها. بالتالي، فكل الأخبار التي تجعل الرسول يقول: «وأنا أحمس» غير صحيحة. إنها زيادة من الإخباريين والمفسرين الذين اعتقدوا أن الرسول يجب أن يكون حمسياً لأنه قرشي. وقد كان الإخباريون يخشون أن يعتقدوا، ولو للحظة، أن الرسول حلي. فهم إن قبلوا أن الرسول حلي، فسيقبلون فوراً أنه غير قرشي وغير مكي، بناء على نظريتهم، وهذا أمر يضرب أساس الفكرة عن الرسول. لم يكونوا يدركون أن الرسول مكي قرشي وحلي في آن. ولست أدري في الحقيقة من هو الذي نشر فكرة أن قريش كلها حمس. ولعله يكون ابن إسحق في سيرته.
الرجل التاجر
لنعُد إلى قطبة الذي وصف بأنه «رجل تاجر» حين خرج مع الرسول من الباب. فلا بدّ أن الجملة قد بدت غريبة للقدماء كما تبدو لنا الآن. فكيف يوصف من يخرج من الباب، مخالفاً تقليداً دينياً، بأنه رجل تاجر؟ ولم يحظر على التاجر أن يخرج من الأبواب؟ ولأن الأمر غير مفهوم، فإن بعض الروايات حولت كلمة تاجر إلى فاجر: «فخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت: قال: إني أحمسي» (ابن حجر العسقلاني، فتح الباري).
والحال، أنني أعتقد أن الكلمة الأصلية هي «تاجر»، وأنها تعني: حمسي. فكلمة تاجر ترتبط بالخمر عند العرب: «العرب تسمي بائع الخمر تاجراً» (ابن منظور، لسان العرب). يضيف جواد علي: «ذكر علماء اللغة إن العرب تسمي بائع الخمر تاجراً، وأن أصل التاجر عندهم الخمار. يخصّونه من بين التجار» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). بالتالي، فحين وصف قطبه بأنه رجل تاجر، فإنما عنى: «إن قطبة رجل خمري». وبما أن الحمس هم الذين كانوا خمريين، في حين كان الحلة لا يشربون الخمر في نسكهم، فإن وصف قطبة بالتاجر، يعني أنه حمسي. وهذا يعني أن جملة «رجل تاجر» تعادل جملة «أنا حمسي» في المعنى.
كان الرسول من طائفة الحلة، وهذا يعني أن عشيرته الأقربين، أي آل عبد المطلب، كانوا حلة


يؤيّد هذا الاستخلاص قصة ضباعة وحزن. إذ كان حزن قد سأل ضباعة قريبته غاضباً حين أرادت أن تتزوج عبد الله بن جدعان:
أقوم يقتنون المال تجراً
أحب إليك أم قوم حلول؟
أي أتفضلين الحمس على الحلة؟ فـ «الذين يقتنون المال خمراً» هم الحمس؟ أم الحلول فهم الحلة.
بناء عليه، فكل التشويش الذي لحق بالخبر نابع من فرضية أنّ قريشاً كلهم حمس، وأن الرسول، بالتالي، يجب أن يكون أحمس. من أجل هذا، جرى تصحيح الخبر الأصلي لكي يتوافق مع هذه الفرضية الخاطئة. فالرسول كان حلياً، وهو ما يعني أن التقليد لم يكن يسمح له بالخروج من الباب. لكن الفرضية الخاطئة التي نشأت لاحقاً، أجبرت الرواة والإخباريين على تصحيح الخبر لكي يصبح الرسول حمسياً. وهذا أدى إلى تشويش القصة تشويشاً فظيعاً.
عليه، فالرسول هو الذي كان يخالف التقليد لا قطبة بن عامر. ويبدو أنه بفعله ذلك، كان يقصد إلغاء التقليد، وهو الإلغاء الذي جرى تثبيته في آية البقرة: «وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون» (البقرة: 189).
إذن، فقد كان في قريش حمس وحلة. وكان الرسول من طائفة الحلة. وهذا يعني أن عشيرته الأقربين، أي آل عبد المطلب، كانوا حلة. أكثر من ذلك، فإن عشيرته الأبعدين أي هاشم بن عبد مناف كانوا حلة أيضاً. ونحن نعلم أن هاشم كان من «حلف المطيبين» الذي صار اسمه لاحقاً «حلف الفضول»، بذا فحلف الفضول هو حلف الحلة، في حين أنّ «حلف الأحلاف» أو «حلف لعقة الدم»، كما كان يسمى أيضاً، هو حلف الحمس.
وكل هذا يعني أن الإسلام انبثق من أرض حلية لا حمسية. ومن دون إدراك هذا، فلن نتمكّن من فهم بدايات الإسلام بشكل جيد أبداً.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا