لطالما تساءلت منى الصّغيرة عن سبب الندوب الكثيرة في يدَي أمّها، ولطالما أحسَّت بوخزة ألمٍ في صدرها كلّما تأمّلت هاتين اليدين، وما انفكّت تفتّش عن سرّها.

كبرت البنتُ. فاق طولها طول والدتها، وكذلك جمالها الطّفوليّ الذي حملت معها ملامحه البارزة وبراءته المحبوبة، وسرعان ما تزوّجت، وأنجبتْ طفلًا يشبهها.

پول بْرِيتُو: نُدبَةٌ (أكريليك على قماش، 2018).

وفي يومٍ خريفيًّ هادئ، استيقظت وحضّرت قهوتها كالمعتاد، منتظرةً استيقاظ ابنها لتنطلق في رحلتها اليوميّة الرّوتينيّة. حملت قهوتها إلى شرفة منزلها المطلّة على البحر، فهي تحبّ أن تراقب صفاءه وتستمع إلى هدير أمواجه الناعمة، بينما تتأمّل أصابعها الرّشيقة وهي تحمل فنجانها المميّز الذي أهدتها إيّاه والدتها عند تخرّجها من الجامعة، وما إن لامست أصابعها أذن فنجانها حتى شعرت بوخزتين في يدها وصدرها معاً، فابتسمت مرحّبةً بأوّل ندبةِ أمومةٍ على إبهامها، وتأكّدت أنّها بذلك باتت فعلًا تواسي أمّها.
رحل الخريف، وتلاه الشّتاء، والندوب تنتقل من إصبعٍ لآخر ومن يدٍ لأخرى. كانت تحصيها كلّ صباح، وتراقب اختلاف أشكالها، وتدرّج ألوانها من الورديّ إلى الأحمر، وتفرح لكلّ ذلك، فهي تعتبرها جزءاً جميلاً من رحلة الأمومة الطويلة، لكنّ البرد الشديد حوّل هذه الندوب إلى مرضٍ جلديٍّ مؤلم لم تنجح المراهم في تخفيف آلامه، فقرّرت زيارة طبيبِ مختصّ بالأمراض الجلديَّة لتشخيص المرض وإعطاء العلاج المناسب.
في العيادة التي اصطحبت إليها طفلها معها، همست في سرّها:
— لا بدّ أنّه طبيب جيّد، فالعيادة مكتظّة، أرجو أن لا يضجر الطفل من الانتظار.
وحصل ما توقَّعته، فابنها ذو الأعوام الثلاثة والذي لا يحبّ التقيّد بالبقاء بين ذراعي والدته، راح يتنقّل في غرفة الانتظار، فتتنقّل معه عيناها وعينا امرأة عجوز تجلس في الجهة المقابلة، وقد استطاعت العجوز بعد محاولات متكرّرة إقناعه بالجلوس قربها، بعد أن وجدت في كيسها القماشيّ قطعة حلوى قدَّمتها له.
أسرعت منى لتجلس قرب ابنها، فسألتها المرأة:
— ابنك يا حبيبتي؟
هزّت رأسها مع ابتسامةٍ لطيفة. فقالت العجوز والشوق واللهفة يملآن صوتها وعينيها:
— أشقر مثل ابني.
فأجابتها:
— الله يحميلك ياه يا حجة.
دمعت عينا العجوز وقالت بحسرةٍ:
— الله بحبو أخدو لعندو فوق، أحلى من هالدنيا يا بنتي.
ربّتت منى على كتف العجوز مواسيةً، وقد اشتعل لهيبٌ في صدرها، تيقنتْ بعده أنّ آلام ندوب الجسم مهما كانت كبيرةً وموجعة لا تعادل ندبةً واحدةً في القلب.
* صور/لبنان

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا