معه... كل الفنّ يهذي!
هل يبقى أنطونان أرتو (١٨٩٦-ـ١٩٤٨) «راهناً» اليوم؟ وهل لا تزال أعماله مثل «ميزان الأعصاب»، و«شذرات من يوميات الجحيم» و«فان غوغ منتحِر المجتمع» و«المسرح وقرينه» تمتلك قيمة مضافة تقولها للقارئ والمجتمع بعدما احتوت الحضارة الغربية «المنتصرة» التي تصنّف وتقولِب وتنمّط وتُعلي وتحطّ من قدر كل شيء -حتى الإنسان- الجنونَ، والعلوم والفنون والفلسفة ليصبح لكل من أنشطة العقل والروح «تاريخ» رسمي تقرره هذه الحضارة ذاتها؟ «ليس هناك من فكرة واحدة حول الأشياء ـــ يقول أرتو ـــ بل عشرة آلاف، وفي الحاضر أنا أتغيّر وأتقدّم». سيصطدم كل نتاج أرتو إذن بمفهوم «الراهن»، الذي يحاول عبر مفاهيم وتأريخ وتصورات ودوغمائيات راهنة، احتواء التعدد الشديد والمتناقض للقوى التي تشكل عصب كتابة خارجة على كل منظومة. في أحد أوائل كتبه «ميزان الأعصاب» Le Pèse-Nerfs المكتوب عام ١٩٢٥ كتب أرتو: «هيا، سيتمّ فهمي بعد عشر سنوات، [...] سيُفهم عندها ماذا تعني الهندسة من دون مساحة، وحين تُعرف كيفية ترتيب العقل، ستفهمون كيف فقدتُ عقلي».


كيف يمكننا فهم أرتو إذن؟ وضمن أي منطق احتوائي يمكننا أن نرتب نتاج ذاك الذي رغب يوماً في «جسد لانهائي»، قريب من تلك «الهندسة بدون مساحة». هو جسدٌ للكتابة، دافعٌ لكل الحدود، مقذوف في كل الاتجاهات عبر صفحة تتحول بالكتابة الى مجرّة: شعر ومسرح ورسم وموسيقى وغرفة أصداء وانفجار للرموز إلى ما لا نهاية. أخذ أرتو بفرضية «كيف فقدت عقلي» على محمل الجد... لقد كتب جنونه. ارتبط اسمه طويلاً بالعنف والقسوة والتجديف والفضيحة والمواجهات علناً وجهاراً مع «الجمهور» وحتى مع جمهرة «أهل الثقافة». إذ نستذكر علاقة المد والجزر بالسورياليين وزعيمهم أندريه بروتون: «جنون» أرتو كان ليجد مكانه الطبيعي ضمن رؤيتهم وحركتهم، نظرياً على الأقل؛ لكن أي حركة لها هيكلية وبيانات وزعيم يمكنها أن تضبط وتضم وتحتوي ذاك الذي قال عنه دولوز يوماً: «مع أرتو كل الفن يهذي»؟ نستذكر هنا المشاحنات والاحتجاجات التي قابل بها الجمهور مسرح ألفرد جاري لما تضمنه من تجديف ورؤية ومشاهد صادمة كان أنطونان أرتو قد ضمّنها فلسفته في «مسرح القسوة»... هو الذي أسّس هذا المسرح عام ١٩٢٦ مع روجيه فيتراك وروجيه آرون.


كما نستذكر حادثة كلوديل حين تمّ عرض فصل من «قسمَة الظُّهر» لكلوديل عام ١٩٢٨ في مسرح الفريد جاري ليتوجه أرتو في نهاية المسرحية للجمهور قائلاً: «هذا هو الفصل الثالث من مسرحية «قسمة الظُّهر» (١٩٠٦) لبول كلوديل سفير فرنسا في الولايات المتحدة» ليصمت برهة ويستكمل: «الذي هو خائن خسيس!».
عام ١٩٣٣ وبعد محاضرته الرهيبة «المسرح والطاعون» في السوربون، يكتب أرتو لصديقه انديه رولان دو رينيفيل: «الناس سواء عبر رؤيتي أو عبر أفكار أثيرها، أراني أدفعهم لفقدان السيطرة على أعصابهم». في شباط (فبراير) ١٩٤٨ وقبل شهر من وفاته، أوقف مسؤول الرقابة في راديو فرنسا قبل ليلة من موعده بثّ البرنامج الإذاعي «كي ننتهي من دينونة الرب». وسيتم الانتظار حتى عام ١٩٧٣ ليعاد بثه على إذاعة «فرانس كولتور». في الستينيات من القرن الماضي وبعد نشر أنطولوجيا مختارة من نصوصه في سان فرانسيسكو، فرضت صورة أرتو نفسها في الولايات المتحدة كأيقونة للمدمن، والمنشد لكل أنواع الهذيان والمتع المحرّمة والتحرر الاجتماعي. صار أرتو أحد «أنبياء» جيل «البيت» وظل وهجه متّقداً في ثورات الهيپيز والبوب آرت. في الوقت عينه، كان الصراع على أشده في أوروبا حول الجنون كمادة نفسية وثقافية واجتماعية بين المذهب البريطاني الانتي-علاجي (نظّر له دافيد كوبر وروبرت لاينغ) وبين نظريات فوكو ودولوز: وجد المهتمون في نصوص أرتو مثل «السكيزو» و«فان غوغ منتحر المجتمع» مادةً دسمةً تدين الطب وعلم النفس، وترى في المصحّ والمشفى الذراع المسلحة لمجتمع مستعد أن يدافع بأسنانه عن «صحّة العالم المترهّل»: تحوّل أرتو بذلك إلى علامة فارقة في مواجهة التدجين الاجتماعي، ناهيك بلمعاته الأخرى في الكتابة حول السحر، والتنجيم، والمذاهب الباطنية، والثقافات الشرقية، ما أعطى لهذه الكتابات في حينها «راهنيةً وثنيةً» خالدة.
اكتشف انطونان أرتو مسرح بالي الأندونيسي عام ١٩٣١ أثناء فعّاليات «المعرض الاستعماري الدولي» في باريس وسط دعوات رفاقه السورياليين التي لم يعرها آذاناً صاغية لمقاطعة الفعّالية «الاستعمارية» في فينسين، واكتمل تصوره للثقافة الغربية كثقافة مثقلة بالمادية وإيديولوجيا التطور التقني. ترافق هذا التصور مع شعور عارم بالسخط وعدم الرضى: هذه الأزمة الروحية لحضارة مادية عظيمة هي بالضبط ما أطلق عليه أرتو اسم «اليأس المعاصر». في كتّيب صغير نشره عام ١٩٢٧ بعنوان «مانيفستو من أجل مسرح مُجهَض»، يصرّح بشكل مباشر: «نحن محبَطون من النمط الآلي الذي نجده في كل مراحل تأمُّلنا». وفي أحد دفاتره التي كتبها بين عامَي ١٩٣١ و١٩٣٢، قال: «إن غربنا المليء بالدعوات المادية قد أشاح بوجهه عن الميتافيزيقا. إن الفوبيا من الميتافيزيقا قد تكون سمةً مهيمنة على عقلنا اليوم، في المقابل، هكذا يمكننا تعريف الشرق: البقعة الوحيدة من العالم حيث يكون الغيب جزءاً من تمرين الحياة اليومية للبشر». أتاح العرض المسرحي المذهل للفرقة القادمة من أندونيسيا التي كانت وقتها ترزح تحت الاستعمار الهولندي، فرصةً ذهبيةً لأرتو لإعادة الاعتبار والتفكير في المسرح الشامل، الذي تظهر فيه «الرياضيات بلا مساحات» حيث يتسق الرقص مع حركة الأجساد مع الموسيقى والشعر: «العرض الذي كان يتضمن الرقص، والغناء والإيماء والموسيقى والقليل من المسرح النفسي كما نسميه هنا في أوروبا، قد أعاد المسرح إلى فكرته الأساسية في الخلق المستقل والصافي، تحت زاوية الهلوسة والخوف». أعاد أرتو تعريف المسرح بشكل جذري استناداً إلى هذه الرؤية الشرقية في مؤلفه العظيم «المسرح وقرينه» (١٩٣٨): «المسرح قبل أي شيء هو فن طقوسي وسحري، بمعنى أنه مرتبط بقوة عليا، وبديانة، وبمعتقدات مؤثرة، وحيث الفعّالية تُترجم بحركات ترتبط بشكل مباشر بطقوس هذا المسرح التي هي التطبيق أو حتى التعبير عن حاجة روحية سحرية»... لينطلق من هذا التعريف للمسرح إلى تعريف الثقافة ككل: «إن كل ثقافة حقة تستند إلى أدوات همجية وبدائية من الطوطمية، التي أعشق وجهها المتوحّش، أي العفوي بالكامل».
أعاد تعريف المسرح بشكل جذري استناداً إلى الرؤية الشرقية في مؤلفه العظيم «المسرح وقرينه» (١٩٣٨)


إن كان أرتو لم يعد اليوم كاتباً «فضائحياً» بالمعنى الكيتشي للكلمة، فهو على الأقل يبقى كاتباً مقلقاً وخطراً: أولاً لأنه عبر الثراء المذهل لهذياناته وانهياراته، يشهد على فشل أي نموذج طبي نفساني على احتواء جنون يمسكُ قلماً. كتب الطبيب جان دوكوكير عام ١٩٤٦ لوالدة أرتو من المصح الذي كان يقبع فيه الأخير في روديز: «الملاحظات التي أبديتِها حول الحالة الذهنية لابنك هي للأسف دقيقة. هذيانه لا يتعدّل بل على العكس لا يني يتفاقم. لكن هذا في المقابل لا يزعجه في نشاطه الأدبي. إنه يكتب أكثر في هذا الوقت». الخطورة الثانية لأرتو تأتي من زعزعزته لنقاط الارتكاز الثابتة لإنساننا «الراهن» حول أشياء كثيرة، من طوبوغرافيا المكان، واللغة وهوية الجسد الجنسية والفن. إن كنا مع غير أرتو نقرأ لنربط، فإننا معه نقرأ لنفكك ونهذي. «ليست أجسادنا تشريحية (anatomiques) ــ يقول أرتو ـــ بل ذَرّية (atomiques)، الجسد تنوعٌ مضطرب»، إذ علينا أن نرى في هذا التنوع والتذرّر المعنى الأقصى: حركة الذرات في كل الاتجاهات، الحركة البراونية للجزيئات، القلق المرعب لطيرانها بسرعة مجنونة نحو النواة، أو حتى بلغة تسبق منطق فيزياء الكوانتوم في المعنى الإيطالي الذي يعطيه أرتو للاضطراب affolata، أن يصبح الجسد على حافة الانفجار البركاني. في الفن، تدفعنا قراءة أرتو إلى مساءلة جذرية لكل نظرية تدعي أيَّ كمال أو تخصّص بحت في العمل الفني، أو حتى وجود فكرة مكتملة في الفن. قراءة أرتو تعني أن لا نخاف من رؤية الكلمات يصطدم بعضُها ببعض، وتتحلل وتتناقل العدوى (وهو ما يسميه بالطاعون): «هذا يعني أن الأشياء لا تستقيم من دون النزول إلى الأعماق ومن دون الاحتكاك مع الفَقد وما يفعله الطاعون ليس سوى وفرة في هذا الاحتكاك المروّع». إنها عودة بالكلمة إلى السحر، الى القوة الخلّاقة التي يفهمها الأميّون كما قال هو نفسه (أنا أكتب للأميين) أو كما عقّب دولوز (أكتب بدلاً عن الأميّين). في مراسلة بعنوان «رسالة حول اللغة»، يكتب أنطونان أرتو لصديقه الناقد جان بولهان: «لكننا قلّما نعود إلى المصادر التنفسية والتشكيلية والحيّة للّغة وقلّما نربط الكلمات بالحركات الجسدية التي ولّدتها، وقلما يختفي الجانب المنطقي والخطابي للكلام تحت الجانب الجسدي والعاطفي، وهذا يعني أن الكلمات بدلاً من أن تؤخذ فقط لما تعنيه نحوياً، يجب أن يتم سماعها من زاوية صوتية، ويُنظر إليها على أنها حركات، وهكذا تُكافأ لغة الأدب، وتصبح حية».

* المراجع: مقدمة أفلين غروسمان للأعمال الكاملة لأنطونان أرتو، دار غاليمار 2004.


«فان غوغ منتحر المجتمع»: لغة هاذية جامحة ومكهرَبة
كتاب أنطونان أرتو عن فان غوغ ليس كتاباً، بل عاصفة تتحفّز في صفحات كتاب، يحرّكها الألم وما هو أبعد من الألم. الغضب هنا، كاسر الأبواب ومسعى إلى التحرر من الأغلال، لا مراجعة الذات كما مع الشاعرة اليونانية سافو التي عبّرت عن غضبها منذ أكثر من ٢٦٠٠ سنة وسوّغته بالقول: «لأنّ في نفسي روحيَن لا أعرف ما أفعل: روح الصياد وروح الطريدة»، أو كما قال الشاعر الفرنسي شارل بودلير: «أنا الجرح والسكين». إنه في جميع الحالات، «الألم الذي يصبح تربةً تتفتح فيها الأزهار». هكذا يصدّر الشاعر والمترجم اللبناني عيسى مخلوف ترجمته الأنيقة الصادرة أخيراً عن «دار الرافدين» (بغداد/بيروت) لكتاب أنطونان أرتو «فان غوغ منتحر المجتمع» في مئة صفحة وملحق ملوّن لبعض لوحات الرسام. هي المحاولة العربية الثانية لترجمة العملاق الفرنسي بعد ترجمة أولى نافدة لـ «المسرح وقرينه» عن «دار النهضة العربية» المصرية أنجزتها سامية أسعد عام ١٩٧٣. وصف مخلوف رحلة ترجمته للكتاب بما يلي: «لم يكن من السهل مقاربة لغة أنطونان أرتو الهاذية الجامحة المكهرَبة، ولم أسعَ إلى ترويضها على الإطلاق، بل ذهبت في محاذاتها، ومحاذاة إيقاعاتها، قدر المستطاع. إذا كانت الترجمة قراءة تغوص تحت جلد النص، فهي هنا قراءة لنص مشتعل يحتمل قراءات كثيرة، إنه «اللغز الخالص للزهرة المعذّبة»».


نشر أرتو كتابه «فان غوغ منتحر المجتمع» عند ناشر فرنسي صغير (KÉditeur) عام ١٩٤٧، أي قبل موته بقليل، لا منتحراً كما يحلو لبعض الروايات المرتبطة بحياته الصاخبة، وإنما على كعب سريره كما كتب قبل عامين من وفاته «بطريقة بسيطة وكارثية، ستجدونني ميتاً عند الصبح الطالع». الكتاب الذي قوبل بالترحاب من الأوساط الأدبية وتلقّى «جائزة سان-بوف للنص الأدبي» عام ١٩٤٨ هو عبارة عن «مانيفستو» ومرافعة إبداعية مذهلة صاغها أرتو كردّة فعل على حدث معيّن: استجابة لطلب بيار لوب وبعد قراءة مقال للدكتور بير الذي زعم أنه شخّص عند فان غوغ نوعاً من السكيزوفرينيا على درجة متطورة. ذهب أرتو لمشاهدة معرض فان غوغ المنظّم في حينها في «متحف الأورانجوري». كتب أرتو من بعدها البذور الأولى لما سيصير بعد شهر فقط «فان غوغ منتحر المجتمع». «لا، فان غوغ لم يكن مجنوناً، لكن أعماله الفنية كانت تجسيداً لنيران يونانية، وقنابل ذرية قادرة من زاوية رؤيتها، إلى جانب جميع الأعمال الفنية الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الوقت، أن تضايق بقوة الأعراف البورجوازية الخام للإمبراطورية الفرنسية الثانية... أعمال فان غوغ لا تهاجم الأعراف السائدة فحسب، بل المؤسسات نفسها أيضاً، وحتى الطبيعة الخارجية مع مناخاتها، ومدّها وجزرها، وعواصف اعتدال الربيع، ما عاد في إمكانها بعد مرور فان غوغ على هذه الأرض، أن تحافظ على الجاذبية نفسها». إنها لغة أنطونان أرتو في أقوى تجلياتها، الخلخلة، والتفكيك والهذيان وإشهار البطاقة الحمراء في وجه المؤسسات الحديدية من الخارج التي ينخرها سوس تدجين الإنسان من الداخل، لا سيما «الطب الذي غدا جثة قديمة غير صالحة للاستعمال، ويعلن أن فان غوغ مجنون. حيال وضوح فان غوغ الذي يعمل، لا يعود طب الأمراض النفسية سوى حجرة لغيلان هي نفسها مصابة بالهوس ومضطهدة، وليس لديها للتخفيف من حالات القلق والاختناق البشرية إلا مصطلحات مثيرة للسخرية، هي النتاج الأجدى لأدمغتها المشوشة».
إنها مرافعة دفاع عن فان غوغ يقوم بها أرتو بالنيابة عن نفسه وعن كل المبدعين ضد «كل ما من شأنه أن يعرقل صعود الإنسان نحو الأعماق» كما يقول مخلوف في مقدمته، وفي وجه مجتمع يخلط بين الكتابة والرسم كرؤية ونمط حياة وما يراه «الجمهور» فقط في الطبقة الأولى من الكتاب أو اللوحة: «وهكذا تمّ كتم أنفاس بودلير، وإدغار بو، وجيرار دو نرفال ولوتريامون، حتى لا يخرج شِعرهم من الكتب ويقلِب الواقع»، إذ أن شعر كل «منتحري المجتمع» هؤلاء هو حقيقة، لأنهم يمارسون مهمة هي أكبر من تفريغ اللغة. مهمة شبّهها أرتو بـ «خَرم الفكر» ويخترعون كتابة التمرد من أعماق الروح. لغة افتتان الحواس تفجّر في «تنوعها المضطرب» كل نقاط ارتكازنا الثابتة التي نرتاح إليها.
مرافعة دفاع عن فان غوغ يقوم بها أرتو بالنيابة عن نفسه وعن كل المبدعين

عن فان غوغ، يقول أرتو: «اليد المشوية ضرب من البطولة غير المشروطة، أما الأذن المصلومة فهي منطق مباشر، وأكرّر: إنّ عالَماً يأكل ما لا يؤكل، ليلاً نهاراً، أكثر فأكثر، ليأخذ نيّته السيئة إلى مبتغاها، ليس له هنا بالذات إلا أن يخرس». فمن هو المجنون حقاً، «فان غوغ الذي لم يشوِ طيلة حياته إلا يداً واحدة، أم عالماً يأكل يومياً فرْجاً مطبوخاً بالصلصة الخضراء»؟. كان أرتو يحب بشكل غريب الدفاتر المدرسية من القياس الصغير، بخاصة في سنواته الأخيرة. في العديد من المراسلات مع أصدقائه، كان إطار أوراق الرسائل هو نفسه يتكرر: يكتب مباشرة على صفحة يمزقها من الدفتر الصغير، ولو كانت الصفحة كبيرة على ما يكتبه، فإنه يقسمها نصفين لتبدو كهيئة الدفتر تماماً. هذا التقليص الرهيب للكادر الذي يحشر فيه عبارته، يحيل مباشرة إلى إشكالية الضيق والاختناق اللذيْن يشعر بهما الجسد «التشريحي» في توقه إلى الجسد «الذري» الذي يريد أن يرقص ويتفجّر ويصرخ. هذه الثنائية المضطربة ذاتها هي ما وجدها أرتو وأحبّها في لوحات فان غوغ، وبخاصة تلك الصغيرة المقاس حيث ينجح الرسام في «تفجير قوة دوّارة» في مساحة لا يتخطّى حجمها الإطار الصارم والمعتمد في فنّ الرسم. رأى أرتو في لوحات فان غوغ مرادفاً لصفحة دفتره التي يحتشد فيها كل شيء. «ماذا تعني صفحة دفتر؟ مشهد مسرحية، شِعر في الفضاء، مسرح للقسوة». الفن عند فان غوغ كما عند أرتو هو في آن معاً الجرح والسكين، روح الصياد وروح الطريدة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا