قبل الانتقال إلى عرض محتوى «غريمان في الخليج: يوسف القرضاوي وعبدالله بن بيه والتنافس القطري الإماراتي على الربيع العربي والخليج» (روتليدج ـ 2021)، أودّ تذكير القارئ ببعض المصطلحات والتعريفات ذات الصلة التي أرى أن الكاتب، وهو ديفيد ﻫورن زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في قسم الدراسات اليهودية والإسلامية والشرق أوسطية في جامعة واشنطن في سانت لويس في الولايات المتحدة الأميركية، وظّفها اعتباطياً متجاهلاً توابع ذلك.

المفترض في أيّ مؤلف عِلمي أكاديمي الالتزام بالمقاييس العلمية حتى عند توظيف مصطلحات وتعريفات. عندما يكتب صاحب هذا المؤلف عن «الخليج»، نتوقّع من أستاذ أكاديمي إعطاءه اسمه الكامل وهو الخليج الفارسي. فعمر هذا الاسم الذي استخدمه الإغريق أكثر من ألفين وخمسمئة عام عندما كانت الإمبراطورية الفارسية هي القوة الكبرى في المنطقة. هناك من الأكاديميين الغربيين من يستخدم الاسم الخليج العربي/ الفارسي، وذلك كحل سياسي وسط لإرضاء الطرفين! لكنّ العلم لا يخضع للحلول السياسية. عِلماً بأن الإغريق أطلقوا اسم «الخليج العربي» على شمالي البحر الأحمر.


ربما خشي الكاتب الأميركي استخدام اسم الخليج الصحيح خوفاً من أي عقوبات تفرضها سلطات مشيخات الخليج عليه، ما يمنعه من مواصلة أبحاثه، وهو أمر قد يتفهّمه بعض القراء، لكن ما لا يمكن تفهمه هو إشاراته إلى ما يسمى «الربيع العربي» وهو وصف أتى من واشنطن؛ كان بإمكانه توظيف مصطلح بديل حيادي إلى حد ما، هو الانتفاضات العربية، على سبيل المثال. كما نرى أن الكاتب تحدث عن «سقوط معمر القذافي» (ص 2)، كأن الزعيم الليبي سقط وحده وليس نتيجة غزو حلف الناتو الذي تم بطلب من واشنطن. غزو شاركت فيه كل من مشيختَي قطر والإمارات، وفرنسا الرئيس ساركوزي هي المسؤولة المباشرة عن قتله بالطريقة البشعة التي تذكرنا بالممارسات الوحشية في القرون الوسطى. لا شك في أن رفع السرية عن محفوظات الدول الغربية سيكشف حقيقة الأمور بالتفصيل. لكن ثمّة حقيقة أساس تجاهلها الكاتب وهي أنه عند الحديث عن مشيخات الخليج الفارسي، فمن غير الصحيح إيهام القراء بأن المقصود هنا كيانات سياسية بالمعنى الكامل للمفردة. فتلك المشيخات لم تتوقف عن كونها تجمعات قبلية تدار بالعقلية العشائرية إياها. إضافة إلى ذلك، نحن لا نتحدث هنا عن كيانات مستقلة، بل عن مستعمرات تابعة للإمبراطورية البريطانية الخفية (informal empire). الأخير مصطلح علمي ملزم في الأبحاث الأكاديمية (انظر عرضنا «خفايا صناعة اتحاد الإمارات 1و2» بتاريخ 19 و20 آب 2020 – العددان 4127 و4128). فمشيخات الخليج ليست كيانات مستقلة وإنما مستعمرات تابعة للسيد الأنغلوأميركي، وهو أمر بديهي في الأدبيات العالمية ذات الصلة. هذه حقائق وجب ذكرها بما يوضح طبيعة المؤلف وجوهره ويفضح منحى الكاتب الفكري. الآن إلى المؤلف الذي بحث في تفاصيل العلاقات بين المصري يوسف القرضاوي مفتي الفتن والإبادات الجماعية وعشيرة آل ثاني في قطر من جهة، والموريتاني عبدالله بن بيه مفتي التطبيع مع العدو الصهيوني، وعشيرة آل نهيان في أبو ظبي من جهة أخرى.
يقول الكاتب إن تلك العلاقات تمتد إلى أوائل الستينيات والسبعينيات على التوالي، وباستخدام هذا التاريخ أساساً، يبحث المؤلف في الروابط بين المشاريع المتنافسة للقرضاوي وبن بيه وتطوير «العلامات» التجارية والسياسات الخارجية المتنافسة في قطر والإمارات العربية المتصارعة. يجادل هذا المؤلف بأن القرضاوي وبن بيه شكّلا على نحو مباشر الرؤى البديلة لآل ثاني وآل نهيان للمنطقة، بدلاً من كونهما مجرد باحثين مأجورين أو «قوادين» للشرعية بأثر رجعي للسياسات القطرية والإماراتية. فمع أن القرضاوي وبن بيه صاغا أصنافاً «جديدة ومتميزة» من الفقه، وفلسفة الثورة وفقه السلام، إلا أن الكاتب يوضح أن هذه المشاريع متجذّرة في الواقع في الافتراضات التأسيسية نفسها وتشترك في أنماط إنتاج متشابهة، ثم ميّزت بعضها من بعض من خلال ادعاء تسميات مختلفة مثل صوفي وسلفي...
يجادل الكتاب بأنّ القرضاوي وبن بيه شكّلا الرؤى البديلة لآل ثاني وآل نهيان للمنطقة


ويقول الكاتب: «على الدول الصغيرة أيضاً أن تصنّف نفسها من أجل كسب اهتمام القوى الخارجية بضمان الأمن والاستقرار الاقتصادي فيها. وهذه الديناميكية لها سمات خاصة في منطقة الخليج». ويزعم أن القرضاوي وبن بيه أدّيا أدواراً مهمة في كيفية صياغة قطر والإمارات لعلامات تجارية بديلة للإصلاح الإسلامي، مع أن كل علامة تجارية تشترك في الهدف الرئيس المتمثل في تنمية الاستثمار المستمر للولايات المتحدة في هذه الدول والحفاظ على أمنها. يتكوّن هذا المؤلف من جزءين أولهما يضم ثلاثة فصول يُفصِّل الحديث في البيئة الوهابية في قطر قبل وصول القرضاوي، ثم يشرح دور الأخير في استبدال المؤسسة الوهابية في قطر، قبل أن يشرح بالتفصيل علاقته الوثيقة مع آل ثاني أثناء قيامه ببناء «علامته» التجارية العالمية. الفصل الثاني يفصّل تدخلات القرضاوي والسياسة الخارجية القطرية خلال «الربيع العربي» ودعم آل ثاني لما يسمى مشروع فقه الثورة. أما الفصل الثالث، فيستعرض التوتر الذي نشأ بين القرضاوي وآل ثاني، حين أصبحت مداخلاته مصدر جدل أكبر وكشف الربيع العربي عن انقسامات عميقة في المجتمعات العربية، ما دفع حكام الدوحة إلى ضبطه.
الجزء الثاني يضم فصلين. يوضح الفصل الرابع علاقة بن بيه بآل نهيان منذ بدايتها في السبعينيات حتى «الربيع العربي». كما يشدد الفصل على تفاصيل آراء بن بيه تجاه الديمقراطية قبل عام 2011 وتناقض ذلك مع الحكم العشيري في الإمارات، ويبحث في كيفية تغير وجهات نظره على مدار 2011-2012 قبل اختلافه النهائي عن القرضاوي. الفصل الخامس يبحث في تطوير مشاريع بن بيه البديلة بدعم من آل نهيان، ويقيّم أهميتها لجهود «العلامة» التجارية لمشيخة الإمارات. يتقاطع مشروع بن بيه المسمى فقه السلام، مع هدف السياسة الخارجية للإمارات المتمثل في إنشاء «علامة» تجارية لإعادة صياغة الفقه الإسلامي تلبّي توقّعات الولايات المتحدة.

* Rivals in the Gulf- Yusuf al-Qaradawi, Abdullah Bin Bayyah, and the Qatar-UAE Contest Over the Arab Spring and the Gulf Crisis - Routledge 2021

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا