عُثر على هذه البلاطة الصغيرة في نفق بلعمة، في خربة بلعمه، على أبواب مدينة جنين في فلسطين، عام 1996، ضمن موادّ تعود إلى الألف الأولى قبل الميلاد. ونفق بلعمة يعود إلى العصر الحديدي. وقد حُفر في الصخر ليربط بين عين الماء أسفل التل في مدينة بلعمة القديمة في أوقات الحصار. ويبلغ طول النفق حوالى 400 م تقريباً. ونقول تقريباً لأنّ جزءاً من النفق لم يُستكشف بعد.



البلاطة شديدة الأهمية. إذ يمكن القول بأن الحفر عليها يصوغ في الواقع أسطورة المنطقة وأديانها ببساطة واختصار ووضوح لا مثيل لها. بناءً عليه، يمكن بالتالي استخدامها كمفتاح لحل ألغاز أساطير المنطقة.
في مركز الحفر، لدينا رجل يمسك في ما يبدو برمح طويل، وتتدلّى من يده ثلاثة أشياء. ويبدو أن الرجل يمثل «الجبار»، أي برج الجوزاء، الذي يسمى «أوريون» في التقليد اليوناني- الروماني. إذا صحّ هذا الاستخلاص، فيبدو أن الأشياء الثلاثة التي تتدلى من يده اليمنى تمثل نجوم «حزام الجوزاء» الثلاث التي تقع في مركز برج الجوزاء- الجبار. أو قل بأن هذا الأشياء رموز لفعّاليات هذه النجوم الثلاث: النطاق، النيلام والمنطقة. والأشياء الثلاثة في يده هي: عنقود عنب، دائرة وسنبلة قمح. بالتالي، فعنقود العنب يرمز إلى نجمة النطاق، التي تمثل الصيف الفيضي الخمري الدفاق. أما سنبلة القمح، فتمثل نجمة المنطقة، أي الشتاء البارد الجافّ كحبة القمح، في حين أن الدائرة تمثل نقطة الاعتدال بين الطرفين. إنها الدائرة التي يلتقيان فيها. وهي بذلك تمثل الاعتدالين الربيعي والخريفي. الحدان الطرفيان في هذا الثالوث هما وجها الإله الذكر. أما الحد الأوسط، فيمثل الإلهة الأنثى. أي أن هذا الثالوث يعادل الثالوث المكي: اللات، العزى ومناة. حيث اللات ومناة ذكران، والعزى هي الأنثى.
وقد نُظر إلى حزام الجوزاء في الديانات القديمة على أنه ميزان كوني. ويؤيد هذا حقيقة أن الناس في فلسطين لا يزالون يسمون هذه النجوم باسم «الميزان» حتى الآن.
إلى يميننا في الحفر، هناك نجمتان. وأنا أفترض أنه كانت هناك في الأصل نجمة ثالثة، لكنها ضاعت مع الكسر الواضح أسفلهما. النجوم الثلاث تصوير مباشر وليس رمزياً لنجوم حزام الجوزاء (الجبار): النطاق، النيلام والمنطقة.
وفي أسفل النجمتين، رأس طائر. وإلى اليسار حمار بكامله. وهما يصوّران وجهَي الإله الذكر الذي تحدثنا عنه. الطائر يمثل الصيف الخمري الفياض العالي النغمة. وشبيهه في الجزيرة العربية هو طائر المُكّاء الخمري. أو الطائر السكران كما يدعى في بعض أنحاء سواحل بلاد الشام. أما الحمار، فيمثل النغمة المعاكسة، أي النغمة الشتوية الباردة الجافة. وهذا الحمار هو حمار العزير، وحمار بلعام، وحمار أوزيريس غير الفيضي. بالتالي، فالطائر والحمار يمثلان الكون- الإله في صيفه وشتائه. ويتمثل لنا الصراع بين الطائر والحمار أفضل تمثيل في رواية «الحمار الذهبي» للوكيوس أبوليوس. فبطل الرواية أراد أن يتحول إلى طائر، لكن فوتيس حوّلته إلى حمار بدل ذلك: «كنت غاضباً جداً على فوتيس التي أرادت أن تجعلني طائراً، فحوّلتني إلى حمار». والرواية تعرض ديانة إيزيس وأوزيريس على أكمل وجه. وقد تبين أنّ الحمار في الرواية هو ممثل أوزيريس. أوزيريس القار الشتوي.
وفي ميثولوجيا المنطقة، تحل الحية أحياناً محلّ الحمار، فيصير الصراع بين الطائر والحية، كما في أسطورة إنانا وشجرة الصفصاف. فهذه الشجرة التي زرعتها إنانا في حديقتها سكنت فيها ثلاثة كائنات: الطائر في أعلاها، وليليث في تويجها، والحية في أسفلها. ليليث هي نجمة النطاق، وهي العزى. أما الطائر والحية فهما اللات ومناة، أي النطاق والمنطقة. ولدينا حفر على حجر صغير من الألف السابع قبل الميلاد من غوبكلي تبي في الأناضول يصوّر لنا شجرة مثلثة حيث يقف طائر تحت فرعها الأيمن وحية تحت فرعها الأيسر، كما نرى في الصورة أدناه.

شجرة غوبكلي تبي من الألف السابع قبل الميلاد

الشجرة المثلثة عديل شجرة إنانا البابلية. لذا فالفرع الأوسط منها يمثل ليليث، أي يمثل الإلهة الأنثى.
على أي حال، فلدينا في أعلى بلاطة بلعمة ثلاثة أشكال هندسية تشير إلى ثالوث شبيه بالثالوث الذي تحدثنا عنه. أي أنه يشير إلى نجوم ثلاث أيضاً. لكن تموضع هذه النجوم مختلف. فالعنصر الأصغر منها يقع في الوسط وليس في الطرف. بالتالي، فمن المحتمل أن يشير إلى ثلاث نجوم مختلفة لها علاقة بالتوقيت. بناءً عليه، فلدينا ثلاثة ثواليث في النقش: ثالوث العنب والدائرة والقمح في يد الرجل، وثالوث النجوم الثلاث، وثالوث الأشكال الهندسية.
وفي أي حال، فقد كان روبرت بوفال قد اقترح منذ التسعينيات أن أهرام الجيزة الثلاثة تمثل نجوم حزام الجوزاء الثلاث، وأن هذه الأهرام تمثل ميزاناً ما للكون. بالتالي، فالهرم الأكبر هو نجمة النطاق. أما الهرم الأوسط فهو نجمة النيلام التي تمثل الإلهة الأنثى، في حين أن الهرم الأصغر، أو الهرم المؤزر حسب المصادر العربية، هو نجمة المنطقة.
أما جبلا الصفا والمروة في مكة، فهما عديل للهرمين الأصغر والأكبر اللذين يمثلان الصيف والشتاء. بالتالي، فجبل الصفا هو جبل الصيف، وجبل المروة هو جبل الشتاء. والسعي بين هذين الجبلين هو السعي بين فصلَي الكون المركزيين: الصيف والشتاء. أي أن الرحلة بينهما هي رحلة الشتاء والصيف. بالتالي، فرحلة الشتاء والصيف في القرآن رحلة دينية رمزية وليست رحلة تجارية.
هذه الرحلة مشار إليها بشكل ما في الآية 35 من سورة الأنفال التي تصف صلاة الجاهلية في مكة:
«وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكَاء وتصدية» (الأنفال 35).
أما «المُكَاء»، فهو صوت طائر المُكّاء الشهير كما تخبرنا المصادر العربية القديمة. وأما «التصدية» فهي صوت الحية، أي فحيحها، كما اقترحت أنا، لأن الحية هي الصدى في العربية، ولأن الحيات تُسمى المتصديات. بالتالي، فصوت طائر المكاء هو الصوت الأصلي، وصوت الحية هو الصدى. وكلاهما يمثلان الصيف والشتاء. النغمة الصيفية هي الصوت، والنغمة الشتوية هي الصدى.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا