تحبل الثقافة الفلسطينيّة المعاصرة، بالعديد من التجارب البحثية الجديدة، التي تُحاول أن تخلق لنفسها مساراً مُغايراً، عن طريق البحث والتجريب والنقد، باستعمال آليات جديدة في تفكيك الثقافة العربيّة المعاصرة وفهم منطلقاتها ومدى تبلورها داخل النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتأثيرها عليه، محاولةً ضخّ دماءٍ جديدة في شرايينها وأوردتها عن طريق موضوعات جديدة، بكيفيات لم تُطرح من قبل. وإن كانت قد طُرحت مُسبقاً ضمنياً، ولكن بطريقة مغايرة، بحكم طبيعة المرحلة الحرجة التي نعيشها عربياً، والتي تفرض نوعاً من النقد الذاتي في التعامل مع هذه الثقافة، التي طغى فيها الخطاب واللوغوس والشفهي على حساب البصري من تشكيل وفوتوغرافيا وسينما. لذلك، برزت بعض الأسماء الفلسطينيّة الجديدة مثل الباحثة سماح بصول، التي تُحاول الإفادة من هذا الإرث الغني، الذي يحبل بالثقافة العربية بصرياً عن طريق مقالات فنية، تغوص في الإنتاج السينمائي العربي، بخاصة أنّ لها علاقة وطيدة بالمهرجانات السينمائية داخل الساحة الإعلامية الفلسطينية وتعمل دوماً من خلالها على التفكير في جوهر الإنتاج الثقافي الفلسطيني فناً وأدباً، عبر جملة من المقالات في منابر عربية، ما أوجد لها مكانة محترمة داخل الأسماء البحثية الجديدة، التي تكتسح الثقافة العربية اليوم.


سماح بصول: كان للأدب دور في إحياء ذكرى النكبة، خصوصاً ما كتبه غسان كنفاني وإميل حبيبي وسلمان ناطور في ما بعد


صَدر لك في السنوات القليلة الماضية عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» كتاب مشترك مع البروفيسور أمل جمّال بعنوان «النكبة الفلسطينية في الحيز العام الإسرائيلي: جذور الإنكار وذرائع المسؤولية». بداية، ماذا يُمكن أن تقولي للقارئ العربي عن هذا الكتاب؟
ــــ تكمن أهمية الكتاب، في تعريف القارئ العربي بجانب مهم من جوانب التعاطي مع النكبة الفلسطينية، ألا وهو جانب المُحتل من خلال إعلامه.
لا تقوم رواية المشروع الصهيوني وقيام إسرائيل كدولة تحقق حلماً قومياً وتاريخياً لليهود بمعزل عن وجود رواية النكبة. ومهما حاول الإسرائيليون إنكارها؛ فهي حاضرة بقوة في الرواية الشفهية لمن عايشوها، وفي الأجيال التي توارثت الرواية الشخصية والجمعية، وفي مواظبة الشباب على معرفة مواقع قراهم المهجّرة. وهي حاضرة كذلك في الفنون البصرية كالرسم والتصوير، وحاضرة حتى في سينما الاستيطان التي قدمت صورة عن وصول اليهود إلى أرض فلسطين وخلالها يظهر الفلسطيني بلباسه العربيّ التقليديّ كعامل في الميناء أو فلاح في الأرض، ما يقوّض الرواية التي تدّعي بأنّها «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
لا يمكن للإسرائيلي إنكار النكبة. لذلك برزت في السنوات الأخيرة محاولات جادّة في التصدي للرواية الفلسطينية، سواء من خلال تشريع برلماني يحظر إحياء ذكرى النكبة، أو من خلال تجييش الجمهور وتجنيد الأقلام لكتابة مقالات تقف بالمرصاد للرواية الفلسطينية أملاً في الحفاظ على تماسك الرواية الصهيونية. أما الإعلام الإسرائيلي المجنّد بسواده الأعظم، فأصبح هو الآخر شريكاً في مساعي مناهضة الأبحاث التي تكشف عورات الرواية الصهيونية، من خلال مقالات تصف تاريخ قيام الدولة بشكله الصهيونيّ المهيمن، أو أخرى تتعامل مع فكرة استيعاب النكبة من دون إعلان المسؤولية عنها، وقلّة قليلة جداً تكاد لا تُرى تعترف بالنكبة وبالمسؤولية عما آلت إليه من نتائج وعلى رأسها قضية اللاجئين.
من بالغ الأهمية أن نعي كيف يتعامل الإسرائيليون مع النكبة، ومسعاهم المستمر لنيل شرعية لخطابهم من خلال محاولات طمس خطابنا. وقد أكد المفكر إدوارد سعيد أنّ الحركة الصهيونية أعادت كتابة تاريخ الشعب والأرض لتخلق رواية متماسكة بهدف تبرير اعتبارها أرض فلسطين كوطن للشعب اليهودي!
معرفتنا بمواقفهم الظاهرة من خلال الإعلام؛ وهو بوق المؤسسة، وله من التأثير الكثير على صياغة مفاهيم الجمهور حول النكبة وتداعياتها والتعامل معها؛ تدفعنا لنكون على استعداد دائم لمواصلة البحث وإثبات صدقية روايتنا الفلسطينية وحقّنا والمطالبة بالعدل وإحقاق الحق وعودة اللاجئين.

يدخل مفهوم «النكبة» ضمن أهم المفاهيم والمصطلحات المتداولة عن تاريخ فلسطين في المرحلة المعاصرة، أولاً، كيف تتمثل الجذور المعرفية والتاريخية، التي ساهمت في ظهوره؟
ـــــ مصطلح «النكبة» يشير بوضوح إلى وجود ضحية للأحداث التي وقعت خلال أعوام 1947 ـــ 1949 على أرض فلسطين. لقد تم تحليل الحالة الفلسطينية من قبل اللبناني قسطنطين زريق منذ صيف عام 1948، وقد تحدّث عنها كقضية عربية. تلاه الفلسطيني موسى العلمي الذي أوضح أسباب ما سماه هزيمة 1948. كلا الكتابين أكدا على العلاقة الوثيقة بين الفلسطيني وأرضه المسلوبة، وهول الكارثة القومية.
في عام 1955 قام نمر الهواري بتأليف كتاب رصد مسؤولية قيادات الحركة القومية الفلسطينية عن أحداث النكبة. ومن بعدُ قام عارف العارف بإصدار بحث مستفيض مؤلف من 6 مجلدات بعنوان «نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود». وفي الإشارة إلى النكبة كمصطلح، لا بد من التطرق إلى قضية الذاكرة وأهميتها، وإلى التوثيق الذي يؤكد وجود حياة متكاملة على أرض فلسطين قبل وعد بلفور.
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة نشر أعمال مهمة حول مركزية النكبة والتحولات التي تلتها، والتغييرات الاجتماعية والإنسانية على الفلسطينيين بعد هذه النقطة الزمنية المصيرية. كان للباحث وليد الخالدي إصدار مُعزّز بالصور في عام 1992، والباحثين أحمد سعدي وليلى أبو لغد في عام 2007، ونور الدين مصالحة في عام 2008.
إلى جانب كل هذه الأبحاث، كان للأدب دور في إحياء ذكرى النكبة، وعلى وجه الخصوص ما كتبه غسان كنفاني وإميل حبيبي وسلمان ناطور في ما بعد.

في الطرح نفسه، أيّ معتقدات رسمت للنكبة داخل الحيز العام الإسرائيلي وفق بحثك هذا؟
ـــ من خلال البحث الذي اعتُمد على رصد الصحافة الإسرائيلية المكتوبة على مدار خمس سنوات، برزت خمسة معتقدات حول النكبة في الحيز العام الإسرائيلي:
أ‌. إنكار النكبة والتعامل معها كابتداع دعائي فلسطيني وتزوير للتاريخ.
ب‌. إنكار المسؤولية عن حدوث النكبة لا عن مسألة وقوعها.
ت‌. التعامل مع النكبة كحدث مأساوي مستمر حتى يومنا هذا.
ث‌. النكبة كتهديد متواصل بنزع الشرعية عن إسرائيل.
ج‌. النكبة كذاكرة جماعية يجب احترامها.
وهنا تجدير الإشارة إلى أن غالبية المقالات الواردة في الصحافة الإسرائيلية تُنكر وتتنكّر للنكبة، بعضها بناءً على إيديولوجيات سياسية، وبعضها الآخر بدوافع أخلاقية، وهناك ما بُني على أسباب نفسية أو استراتيجية قانونية أو دبلوماسية.
لكن من المفيد جداً أن نعي بأن المقالات القليلة التي تتعامل مع النكبة كذاكرة جماعية أو كحدث مأساوي، لا تطرح قضية عودة اللاجئين، وإنما تتعامل مع حلّ القضية على أساس إنصاف منقوص للفلسطينيين الذين يعيشون اليوم على أرض فلسطين.

لم تتوقف كتاباتك اليومية حول الشأن السياسي-الاجتماعيّ للقضية الفلسطينية، بل تمتد وتتشعّب داخل فضاءات أخرى ترتبط بالثقافة بمفهومها المُركب من خلال عنايتك بأعمال أدبية وسينمائية. كيف جاء هذا الاهتمام أو لنقل هذا العُبور من السياسة وألغامها صَوب العمل الفني والإعلامي؟
ـــ لقد بدأت حياتي المهنية بشكلٍ رسميّ في عام 2000 كمراسلة صحافية، كنت قبلها طالبة في المرحلة الثانوية، أكتب بعض الخواطر ومقالات الرأي الشخصيّ، ومن ثم تحوّلت إلى كتابة المقال في الشأنين الاجتماعي والفني. غبت عن الكتابة بضع سنوات كوني انتقلت للعمل في جمعية تُعنى بالبحث الأكاديمي في الشأن الإعلامي بمفهومه الحقوقي والمعرفي، والسياسيّ. كمُساعدة بحث، كان لا بد لي من الانخراط في هذا العالم، والتحوّل عن الشأن الثقافي. عندما أنهيت عملي كمساعدة بحث، عدت للكتابة في الشأن الثقافي، وعززت ذلك بدراستي للماجستير في ثقافة السينما ودراستي السابقة للبكالوريوس في الأدب المقارن.
في تلك الفترة، كانت الفرصة مؤاتية لنشر المقالات الأدبية والفنية بفضل المنصات الإلكترونية التي تُعنى بهذا المجال، وبفضل وجود مُحررين مهنيين أصحاب علاقة مباشرة بحقل الأدب والفن والثقافة. أنا من عشاق الأدب، وأحاول أن أطوّر اطّلاعي على شتّى أنواع الأدب واختلاف جنسيات كاتبيه. أميلُ للنثر والرواية فالرابط بينهما وبين السينما عظيم، كلاهما بالنسبة إليّ تسلل أحداث يُثري خيالي ويدفعني للتفكير وتحليل كل تفصيل وارد وإيجاد معانيه المبطّنة. ففعلياً أنا من الأدب والفن أتيت وإليهما أعود.



تشهد الثقافة الفلسطينية المعاصرة نمواً مذهلاً داخل أقطابها ومؤسساتها سواء داخل الأدب أو الفن التشكيلي أو حتى في مجال السينما، التي بدأت تنضح في السنوات الأخيرة، بالعديد من التجارب السينمائية الجديدة. أولاً، كيف تنظرين إلى التطور الذي حدث في الثقافة الفلسطينية منذ بداية الألفية الجديدة إلى حدود الآن؟
ــــ لم تتوقف الحياة الثقافية في فلسطين البتّة، سواء في مجال إنتاج الثقافة أو استهلاكها من خلال استضافة المثقفين والفنانين من الوطن العربيّ. لكن لا شك في أنّ الأحداث السياسية البارزة في التاريخ الفلسطيني أحدثت تباطؤاً قسرياً في تطوّر الثقافة والأدب والفن.
الألفية الثالثة شهدت حدثاً مفصلياً منذ بدايتها، فانتفاضة القدس والأقصى – الانتفاضة الثانية، جمّدت مؤقتاً سيرورة الثقافة، لكن الحياة دبّت فيها من جديد بوجود جيل تمكّن من التحدي، وعرف أن الإنتاج الثقافي ضروري لتوثيق المرحلة الجديدة وإسقاطاتها. ولا بد أيضاً من الانتباه إلى الانفتاح على العالم، والسعي لإيجاد منصات لنشر الإنتاج الثقافي الفلسطيني ومصادر التمويل التي يمكنها أن تسهم جدياً في دفع عجلة الإنتاج.
إنّ العوامل الخارجية من تماه مع قضية الفلسطينيين، والانفتاح على العالم، وتوافر التقنيات الحديثة، وجودة المنتج، إلى جانب العوامل الداخلية مثل ازدياد أعداد المثقفين والفنانين وتنوّع إنتاجاتهم، وتعطّش الجمهور الفلسطيني لفن يعكس قضيته ويوصل صوته إلى العالم؛ كلها أسهمت في رقيّ ونمو الحالة الثقافية الفلسطينية. لكني أؤكد أن كل هذا ما كان ليحدث لولا وجود مثقف وفنان واعٍ وعنيد ومثابر يعي تماماً أن للثقافة دوراً بارزاً في المشروع الوطني، ويأبى أن تندثر قدراته أو أن يُخرس صوته، فجاد في التعبير.

ضمن الطرح نفسه، ماذا عن الشأن السينمائي الفلسطيني، خاصة في ما يتصل منه بالتجارب الجديدة؟
ـــ من المثير جداً والباعث على الرضى أن الإنتاج السينمائي الفلسطيني بقي حياً رغم كل الانتكاسات. وقد برزت وحدات إنتاج سينمائي تابعة لعدد من الفصائل، تناولت قضايا الأرض والتهجير واللجوء، واجتمعت على الهوية الفلسطينية والانتماء للأرض والمقاومة من أجل تحقيق المشروع الوطني التحرري.
إذا اعتمدت مُسمى الجيل الجديد في السينما الفلسطينية، فهو جيل مثقف سينمائياً، مُنفتح من حيث الثيمات والتقنيات والسيناريوهات، جيل جريء في طرح قضايا اجتماعية إلى جانب السياسية، جيل لا يهاب توجيه النقد إلى مختلف المنظومات. الإنتاج السينمائي الفلسطيني في السنوات العشر الأخيرة تنوّع بين الوثائقي والروائي القصير والطويل، لكنّ الروائي منه كان أكثر حظاً في الوصول إلى المهرجانات العالمية وحصد الجوائز التقديرية.
الإنتاج السينمائي الفلسطيني الجديد يحاول الخروج من فخّ الأنماط التقليدية، حتى بتنا نرى أفلاماً تجريبية وبعض الخيال العلمي. لا شك في أنّ للعولمة والتطور التكنولوجي أثراً كبيراً، لكن الأساس هو الرغبة في إيصال الصوت الجمعي والشخصي إلى العالم، والنجاح في بلورة شكل جديد لهذه السينما التي لا تزال طور النشوء، ولكنها حريصة على أن تواكب ركب الإنتاج السينمائي العالمي وتكون جزءاً فاعلاً منه وفيه. أرى كذلك بأن السينما الفلسطينية الجديدة لا تزال مُخلصة للقضية السياسيّة، وإن اختلفت المدلولات وأصبحت مركبةً ورمزيةً ومجازيةً أكثر. في كل قصة هناك حضور للاحتلال ولو اختلف أسلوب تناوله، لكنه موجود ليذكّر العالم بأن الإبداع ليس تقنياً، إنما تحدٍّ إنساني يومي.

يمثل المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، أحد أبرز الوجوه السينمائية الفلسطينية التي تشرّبت الألم الفلسطيني وحاولت أن تُعبر عنه بصُور شعرية داخل مُنجزها. كيف تنظرين إلى هذا المخرج، خاصة أنك كتبت مقالات مُتعددة عن أعماله؟
ـــ جميعنا يعرف بأن المقالات لا يمكنها أن تُنصف حقاً ما وصل إليه المخرج إيليا سليمان، وإسهامه في إعلاء شأن السينما الفلسطينية عالمياً. مُمتع إيليا سليمان في كيفية استحضار القضية الفلسطينية في أفلامه بشكل يواكب التغييرات المحلية والعالمية، وفي كل مرّة يضيف أبعاداً جديدة إلى القضية، ويقدمها للجمهور مثقلةً برمزية يصعب فهمها أو تحليلها أحياناً. لعل أبرز أفلام إيليا المتعلقة بالقضية الفلسطينية والتي قدّم فيها رواية شعبه بصورة كثيرة الوضوح هو «الزمن الباقي». أبدع في افتتاحية تصف العلاقة الآنية مع المحتل وتناهض روايته، ثم أغدق علينا تفاصيل تاريخية أصيلة ليُتم رواية تربط الماضي بالحاضر، وتعكس ما آلت إليه أوضاع الفلسطينيين الذي بقوا في أرضهم بالكثير من الدقّة والإخلاص.
أكد إدوارد سعيد أنّ الحركة الصهيونية أعادت كتابة تاريخ الشعب والأرض لخلق رواية متماسكة بهدف تبرير احتلالها


ليس من السهل مناقشة إيليا وأفلامه، يمكننا أن نتفق أو نختلف حول المتعة أو الفهم المرجوّ من أفلامه، لكن لا يمكن أن ننكر عليه تميّزه وإبداعه وحُسن استخدامه للسخرية والتهكّم وربما بعض السريالية. ربما أكثر ما أحب في أفلام إيليا سليمان ما تعكسه من ارتباط للفنان بموطنه، فهو يعود إلى الناصرة التي ولد فيها، ويواكب من خلال عدسته نمو المدينة وسكانها، يستعيد قصصاً من ذاكرة الناس، ويحاول إيجاد الروابط ما بين عالمين مثيرين في حياة الفلسطيني: الوطن والمهجر.

تتميز فلسطين اليوم بدينامية ثقافية كبيرة، مع مهرجانات ثقافية عديدة ومتنوّعة، باتت تحتل المشهد وتُقدم الثقافة الفلسطينية الجديدة أدباً وفناً. كيف تنظرين إلى هذه المهرجانات، وما هي أهمها؟
فلسطين غنية بمهرجانات وفعّاليات أدبية وثقافية وفنية كثيرة. لقد أثّر الاحتلال والحواجز التي خلقها بين المدن على اقتصار إقامة المهرجانات البارزة على مدن دون غيرها، والأخذ في الاعتبار التقسيمة السياسية التي تفصل الداخل المحتل عن الضفة الغربية وغزة، لكن مهرجانات عديدة كانت شديدة الحرص على إقامة الفعّاليات في مختلف المدن على امتداد أرض فلسطين التاريخية لتتحدى التقسيم الذي فرضه الاحتلال وتؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني وحقه في الثقافة والفنون.
تقام في فلسطين منذ عقود مهرجانات عريقة تنجح في استقطاب الضيوف من مختلف دول العالم، أبرزها «مهرجان فلسطين الدولي» الذي ينشط منذ عام 1993 وتقام فعّاليته في كل من رام الله وبيت لحم ونابلس، وقد تطور بعد ذلك ليشمل بعروضه معظم المحافظات الفلسطينية في الضفة الغربية. و«مهرجان القدس» الذي تنظمه مؤسسة «يبوس» منذ عام 1996 وهو مهرجان جامع للرقص والغناء والموسيقى والسينما والأطفال. مهرجان «عيد الموسيقى» الذي تقيمه مؤسسة الكمنجاتي الموسيقية العريقة منذ عام 2006، ومهرجان «أيام فلسطين السينمائية» الذي انطلق في عام 2014 وتشمل عروضه السينمائية مدن الضفة الغربية وكذلك الناصرة وحيفا الواقعتين في الداخل المحتل، وكذلك مهرجان «فلسطين للرقص المعاصر» الذي ينشط منذ عام 2006، ومهرجان «ليالي بيرزيت» الذي أقيم للمرة الأولى في عام 1984 ثم انقطع وعاد لينشط في عام 2011. مهرجان «وين ع رام الله» وهو مهرجان تنظمه بلدية رام الله ويضع على رأس سلم أولوياته استضافة الفنانين الفلسطينيين من الشتات والمنفى والمهجر.
أما في الداخل الفلسطيني المحتل، فتعتبر حيفا حاضنة المهرجانات الفنية – رغم قلتها- ولعل أبرزها «مهرجان حيفا المستقل للأفلام» وهو حديث العهد يقام منذ عام 2016 ويأتي للرد على مهرجانات الأفلام الدولية التي تنظمها وزارة الثقافة الإسرائيلية والتي تهدف بشكل مبطّن إلى إضفاء الشرعية على دولة الاحتلال.
كإعلامية متخصّصة اليوم في الشأن السينمائي، أتابع مهرجانات السينما أكثر من غيرها. وبحق تنجح المهرجانات السينمائية في خلق أجواء حيوية، وتسهم جدياً في تطوّر ثقافة الاستهلاك السينمائي في أوساط الجمهور الفلسطيني، وهو أمر تشهد له أعداد المقالات النقدية التي تُنشر خلال فعّاليات هذه المهرجانات، والاهتمام الإعلامي الذي تُلاقيه، سيّما أنّها تنجح في التفرّد بعروض احتفالية لأفلام جديدة، أو باستضافة مخرجين عالميين، أو دقّتها في اختيار أفلام متنوعة الثيمات والجنسيات، تثير وتحفّز الجمهور وتخلق ارتباطاً بينه وبين المنتج السينمائي متحديةً باستمراريتها منصات ومواقع الأفلام المتاحة بكثرة، وتوافر الأفلام على شاشات الهواتف الخلوية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا