* تكْوين
1
لمْ يقدْني ظلّي
إلى وحْدتي
لمْ أجدْ في صلاة الْفجْر
عزْلتي...
ظلال الزّحام تطاردني
أمْشي، وجراح غيْري
ندْبتي


2
غريب،
رصيف قلق يثْقل خطايْ:
جهة الْقلْب،
تيْه
شطْر الْوجْه،
شحوب...
هذي الْمرايا
لا تعْكس أنايْ
يشدّني الْغياب،
أتلظّى...
أتوضّأ،
أتهجّد،
أتشظّى...
ألمْلم شظاياي
في قدْر...
لا نهْر مقدس
في الْغياب
ولا ريح تحْملني
إلى أقْرب
ذاكرهْ

محمد المليحي ـــ تكوين (تقطيعٌ صباغي على لوحٍ خشبٍ، 1976).


3
مكبّاً على وجْهي أمْشي
وصراطي مسْتقيمْ...
سمائي شاحبة
لا أراها
أرْضي هاوية
لا تراني
ووجْهي الّذي أراه في عيْن أمّي،
أبداً لا يشْبهني

4
مكبّاً على وجْهي
مدجّجاً ببهاء الْفضيلة
أقْضم تفّاحة
أهْبط منْها ثانية
تعْرض السّماء عليّ سرّ الْماء
أرْفض الْحلم
أمْضي مطْمئنّاً،
بعيداً
في فخّ السّؤالْ:
لا أشْعر... لا أعْرف...
أجوع، أعْطش...
أرْهب وأرْهب...
لا قلم عنْ يميني
لا كتاب عنْ يساري
أنا الْموْجود -رغْماً عنّي-
أمْشي...
وصراطي أبداً مسْتقيمْ...

5
أنا الْغريب في النّبوءة
بيْن الْعارفين بالْأسْماء...
أجْلس...
أسْمع... أعْقل...
أرى ولا أرى...
أرْكب صمْتي...
أفرّ منّي إليّْ...

أتوضّأ بظلْمتي
أسبّح
بنبضات عزْلتي
مكبّاً على وجْهي
أمْشي،
وطريقي مسْتقيمْ...

6
وحْدي، أصيخ السّمْع إلى دبيب النّمْل يهْرع خائفاً منْ صخب خطايْ... لمْ أبْتسمْ لخوْفه (ولا سليْمان في الطّريقْ)... أرى نوْرساً يرْنو إلى ماء رنق في الْأسْفل... ما عاد النّوْرس يهيم بمراكب الصّيّادين... صار البحْر رماديّاً... صارت السّماء شاحبة... يحْملني هذا الرّصيف إلى فائض الْوقْت:
الْقيامة تأخّرتْ كثيراً. ثمّة متّسع للْخطيئة... أيّ خطيئة تنْتشلني منْ هذا الْفراغْ؟!..

7
للْقيامة باب ونافذة
-الصّراط، دائماً، غريب-
باب لذاكرة،
مشْرعة
لي...
ولصدى صوْتي
مقْبرة وحيدة
يحْرسها ظلّي...
على نفْسها
تطلّ النّافذة
لا طريق إليّ
غيْر السّؤالْ...
أنا الْوحيد الْمبْعد عن الصّراط
أعيد، في سرّي،
تأويل هلْوسات الْمجاذيب
وأكْتب
آيات أخْرى
لمنْ أرادوا رمّان الْخلْد
أمْنح معْنى آخر
للْغياب...
يجْذبني الْفراغ
أطلّ منْ قلق الْمعنى
أيْن الطّريق إليّ؟..
أهْمس للنّافذة:
يرْعبني السؤال...
-في غفْلة عنْ ظلّي-
أفرّ
أتْلو في صمْتي
سورة النّهايات،
متأبّطاً
بياض الْغاشية...
وأطْمئنّ عليّ حيّاً،
ما تبقّى لي
منْ ماءْ

* نشوء

1
في قبْو مهْجور...
شمْعة وحيدة
-مثْلي-
تؤْنسني
تضيء الْعتْمة حوْلي،
وخلْفي
ظلّ بحجْم الْكوْن،
يخيفني
أهْمس له:
ذاكرتي متْرعة
لا تثْقلْ عليّ...

أحاول رسْم حياة
لمْ أعشْها...
يسْرقني الْهذيانْ:

2
في ما يشْبه كتّاباً، أراني جالساً على حصير، أحْضن لوْحاً... أخطّ عليْه ما حفظْت، (لمْ يكنْ مهمّاً ما فهمْت...) وأراني أخْرج فرحاً، حين الْغروب، لأنّ عصا الْفقيه لمْ تطلْني ذاك النّهارْ...
3
في ما يشْبه حجْرة درْس، أراني أخْتبئ في آخر الصّفّ، تملّصاً منْ قراءة جمْلة في كتاب، وحْدها أظافري، كانتْ تسْعفني لتجْزية الْوقتْ.

4
في ما يشْبه مسْرحاً، أراني أرتّل أناشيدي وصمْت الْحضْرة يدْفعني لمزيد من الْجذْب... أمْنح الْكلمة طعْم الْكشْف... (ولا سرّ لديْ). أصْدح بصوْتي، يخيفني صمْت الْحضْرة... يرْتعش حرْفي... ترْتعش يدي... أشْعر بالْبرْد... تدثّرني النّهايات... أصْمت... أخْرج... تتعالى التّصْفيقات... نخْرج سريعاً من الْحضْرة... ندْخل طقْس الزّيْف...

5
في ما يشْبه ملْهى، أراني... وأرى ساقاً ممدّدة في الزّحام تسْترق منّي لحْظة دفْء. لا أفهم إنْ كنْت لا أبالي، أوْ أنّي عجزْت عن التّورّط في متْعة ذاك الْمساءْ... وأرى فكْرة تضيع منّي، حين أخْرسها، عنْد طاولتي، بيْنما كنْت أطْلب من النّادل مرْمدة نظيفة لأطْفئ نشْوتي...

* قصيدتان من ديوان بالعنوان نفسه، صدر حديثاً عن «منتدى الفكر والثقافة والإبداع»، طنجة.
** المغرب


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا