منذ زمنٍ بعيد، عرفت مدينة النهر، شاباً يرتدي السواد، قد اتخذ من غرفة طينية على شاطئ النهر بناها بيديه، مسكناً له، وقد امتهن حياكة «الحصران» من خوص سعف النخيل، وكانت الحصيرة التي تخرج من بين يديه متينة الصنع متماسكة بشكل لافت، ما زاد الطلب عليها من قِبل أهالي المدينة، حتى بات من النادر أن يخلو بيتاً من بيوتاتها من ذلك النقش المميز الذي كان يتوسط حصيرة الشاب، الذي يوحي إلى طائرٍ أزرق بذيلٍ طويلٍ أحمر وكأنه خارج من النار.

لكن الليل كان الحكاية، ففيه يعلو أنين عذب يستمر لدقائق حتى يبدأ بالتصاعد ليتحول إلى غناء أقرب إلى الترتيل أو الغناء الساحر المحبب، ومع مرور الزمن صارت المدينة تغفو على أنين وتراتيل الشاب، حتى صار الناس يلقبونه بـ «المبارك» وصاروا يقدمون له الطعام والمساعدات، وانتشرت بعد فترة شائعة تشير إلى طهرانية «المبارك» وقربه من الله... واتسعت غرفته الطينية لتصبح بيتاً يضم باحة مسوّرة بسور طيني تنفتح عليها أبواب ثلاث غرف كبيرة؛ سقوفها من خشب التوت وما صنعته يدا الشاب من حصران. حدث ذلك بعد أن قرر رجال مدينة النهر بناء بيت للمبارك كي يجبروه على الإقامة وعدم الرحيل من المدينة، ليبقى أيقونة المدينة وتعويذتها المباركة... وحين صار رجال المدينة ونساؤها يتجمّعون في باحة بيت «المبارك» عند الغروب كي يستمعوا إلى تراتيله بصوته العذب وهو يقبع وحيداً في إحدى غرف داره الطيني، ولا يعودون إلى بيوتهم حتى ينقطع الترتيل، صاروا يطلقون على بيت المبارك «معبد المبارك».

دونغ وو كيم ـــ أمّ وطفلها (2015)

«المبارك» الذي لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، أتى مدينة النهر قادماً من مدينة بعيدة تقبع على ضفة نهر يدعى «زايندا». لذا كان يجيد السباحة وصيد السمك، وكثيراً ما أولمَ لبعض رجال المدينة موائد عامرة بالسمك المشوي المميز بنكهته الخاصة، حتى صار السمك الذي يقدمه «المبارك» يسمى بـ «السمك المبارك» الذي صار دواء «يشافي» جميع العلل... وصارت النساء يتقربن من «المبارك» ليشافيهن وأولادهن من بعض الأمراض أو ليضمن لهم مستقبلاً مريحاً حين يستجيب الله لدعائه وتضرعه...
يبدو أن أبناء مدينة النهر يتمتعون بمخيلة خصبة، لذا فقد نسجت مخيلتهم مئات القصص والحكايات عن المبارك ورحلته من مدينته البعيدة حتى وصوله إلى مدينة النهر، لدرجة أن إحدى القصص قد أشارت إلى أن المبارك أتى مدينة النهر طائراً، حيث يمكنه الطيران ليلاً، وكثيراً ما غادر إلى مدينته الأصلية طائراً ليعود إلى مدينة النهر في الليلة نفسها، وحكاية أخرى تشير إلى أن المبارك قدِمَ إلى المدينة مشياً على الأقدام في رحلة استمرت طويلاً، وقد شيّد في كل مدينة يمر بها معبداً سمي باسمه...
في أحد الصباحات الصيفية، وعند الفجر تحديداً استفاقت المدينة على صرخات أنثوية جزعة وصهيل حصان استمر طويلاً وكأنه يناشد الغوث، وحين اقترب بعض الرجال من الحصان الرمادي الفتي المبهر برشاقته وقوته... وجدوا رجلاً مُلقى على الأرض وإلى جانبه فتاة لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، كانت تولول محتضنة رأس الرجل الطريح، وحين سألها البعض عن خطبها، أخبرتهم بأن طائراً ضخماً قد حطّ على رأس والدها لثوانٍ، نقره نقرة واحدة على قمة رأسهِ وولى هارباً إلى كبد السماء، عند ذاك قرر الرجال حمل الرجل الطريح إلى المبارك حيث المعبد لينظر بأمره...
ثلاثة أيام كانت كافية لينتشر في مدينة النهر، خبر شفاء الرجل، بعدما صارت ابنته تسقيه شراباً ساخناً من مغلي خليط أعشاب أعطاها إياه المبارك شارحاً لها طريقة الإعداد التي ظلت خافية على أهل المدينة، رغم أنهم كثيراً ما شربوا من ذلك الشراب في ما بعد دون أن يعرفوا سره... وما إن انتشر خبر شفاء الرجل، حتى رافقته قصة ظلت ألسن المدينة تتداولها زمناً طويلاً، حيث قيل إنه قدم هارباً مع ابنته من مدينة مطلة على بحيرة «هازار» الشاسعة والتي ينبع منها النهر العظيم.
في طريقه، وحين وصل إلى غابة تطل على مدينة «أميدا»، كان قد هدّهُ وابنته التعب وأخذ منهما الجوع مأخذاً، صار الرجل يبحث عن شيء يقتات به، فوجد عشاً ضخماً يحتوي ثلاث بيضات كبيرات، فأخذ بيضتين وجعل منهما طعاماً له ولابنته، ليواصل سيره بعد ذلك معتمداً على ما يجده من نباتات وأوراق أشجار كان يعرفها جيداً، وقليل من الفاكهة رغم ندرتها. لكنه، وبعد مضي الشهرين على خروجه من داره التي كانت عامرة بالخدم والجواري، وحين وصل إلى قرب أطلال المدينة العتيقة، حيث «قلعة باشطابيا» على ضفة النهر العظيم، شعر بطيرٍ ضخم يلاحقه، فانتبه له، وظنّ حسب ما سمعه من أساطير، أن الطائر يستهدف الفتاة العذراء، فحاول حمايتها عدة مرات مستخدماً سيفه الذي صار ينشّ به الطائر، ليستمر صراعه مع الطائر حتى اقترب من مدينة «النهر» بمسافة يومين. حينذاك اختفى الطائر، واستطاع الرجل أن يستريح قليلاً من صراعه وقلقه... ولكن ما إن صار وسط المدينة عند الفجر، حتى انقضّ الطائر عليه وطرحه أرضاً، وذلك ما حشّدَ الناس حول الرجل الطريح على إثر صراخ ابنته وصهيل حصانه... تلك القصة التي لم يسمع بها الرجل أو ابنته إلا بعد مرور عام كامل على شفائه، صارت حديث الناس في أمسياتهم وجلساتهم الخاصة، خصوصاً بعد أن تزوج «المبارك» من ابنة الرجل الذي أهداها له شكراً وعرفاناً لإنقاذه من موتٍ أكيدٍ حسب ما يعتقد...
صار «معبد المبارك» مزاراً يؤمّه الناس من كل مكان، وصارت المدينة تستقبل العديد من الزائرين، حتى انتعشت فيها التجارة وتعددت المهن، وصار أبناء المدينة في بحبوحة من أمرهم، وذلك ما غيّرَ اسم المدينة من «مدينة النهر» إلى «مدينة المعبد» حسب قرار اتخذه وجهاء المدينة وشيوخها...
مع مرور سنوات طوال، وتوارث الشيوخ من نسل «المبارك» على زعامة «المعبد» الذي صار مشيّداً بالطابوق والإسمنت، واتساع باحته بعد أن تبرّع صاحب البستان المجاور بقطعة أرض من بستانه إلى المعبد، الذي دخلتهُ للمرة الأولى وأنا في سنّ الخامسة حين اصطحبني والدي إلى هناك بغرض توسل الشيخ «سادر المبارك» على قبولي ضمن طلبة المدرسة التابعة له... كانت رهبة عظيمة تملّكت روحي وأنا أتطلع إلى بنائه وأعمدته وساحته وتلك الألوان البرّاقة التي كانت الجدران تجود بها على نظر الزائر، كان المعبد بتكوينه وتفاصيله مثاراً للرهبة والدهشة، لكنني، حين وقفتُ إلى جانب والدي عند باب خشبي عتيق موارب، لفحني هواء بارد اقشعرّ له بدني، وتلبّسني خوف لم أشعر به من قبل، خصوصاً حين دخلنا غرفة فقيرة الضوء والدفء... وما إن خطونا خطوات قليلة داخلها، حتى شاهدتُ رجلاً بلحية حالكة السواد يفترش الأرض. وحين نظر في عينَيَّ، ارتعبتُ وشعرتُ بارتجاف في بدني، وطفرتْ دمعة من عيني شعرتُ بسخونتها... حاول والدي سحبي من يدي باتجاه الرجل الجالس طالباً مني بصوت واهن أن أقبّل يد الشيخ «سادر»، هكذا نطق والدي اسمه وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها بذلك الاسم، لكنني تسمّرتُ في مكاني، وبدأت دموعي تنهمل بغزارة، وحين ألحّ عليَّ والدي صرتُ أبكي بمرارة وبصوتٍ عالٍ، فأشار الشيخ إلى والدي بأن يخرجني من الغرفة، ففعل...
تلك، كانت المرة الأولى التي أقابل فيها شيخ «المعبد المبارك» وكانت الأخيرة، والحقيقة لم يكن الشيخ طاعناً في السن، بل كان شاباً في الثلاثين من عمره، وكان حديث العهد في زعامة المعبد، حيث توفي والده منذ ستة أشهر، حسب ما سمعت من أمي «أمينة» حين عودتي ووالدي إلى البيت ومعرفتها بما حصل معي داخل غرفة الشيخ، الذي رحتُ أصف لأمي عينيه الواسعتين وبخطوطهما الحمراء ولمعانهما الذي سكب الرعب في روحي وبدأ بدني يرتجف وشعرتُ بدنوّ أجلي لسبب لم أكن أعرفه...
ذلك اليوم العصيب الذي عشته، والذي مرّ عليه قرابة الأربعين عاماً، ما زلت أتذكّرهُ بكل تفاصيله ومرارته وخوفه...
■ ■ ■

قلادة أمي «أمينة» ذات الليرات الخمس المنقوش على كلِ منها اسم شيخ من الشيوخ المتوارث زعامتهم لـ «المعبد المبارك»، بزخارف نباتية لها دلالتها الروحانية وقدسيتها، كانت مهرها الذي قدمته عائلة والدي لها حين قبلت الزواج من شاب لا تعرفه ولم تشاهده من قبل، حيث كان جندياً مقاتلاً في بلدٍ مجاورٍ احتلته عصابات غجر، قدموا من وراء البحر، كان «يقاتل الغجر بسلاح غجري» عبارة سمعتها مراراً منه وهو يحدثنا متذكراً تلك الأيام والشهور المريرة... تلك القلادة التي أعشق، والتي طالما شممتها وأنا أدسّ أنفي وسط رقبة أمي، والتي لم أكن أعرف بأن أمينة تعشقها أيضاً كونها مهر اقترانها بوالدي الذي أحبته منذ الليلة الأولى التي التقت به تحت سقف غرفة مقفلة... كان جيدها الأبيض المحمر، وشعرها الفاحم المنسدل دوماً على كتفيها، يضفيان جمالاً على جمال القلادة التي سحرتني وصرت عاشقاً لها، لقناعتي منذ كنت صبياً، بأنها تُدخل السعادة إلى روح من ينظر إليها...
كنتُ في العاشرة من عمري، واضعاً رأسي في حجر أمي الجالسة على الأرض، وجسدي ممدّد على حصيرة «مقدّسة» مصنوعة من سعف النخيل، منقوش في وسطها تماماً طائر أزرق بذيل أحمر وكأنه خارج من النار... وكانت إلى جانبها أختها الصغرى «خالتي سكينة» التي تفضل، شرب الشاي دون سكر، والخبز المطعّم بالسمسم، وغياب صوت زوجها من الدار لوقت طويل... حينها همستْ أمي إلى أختها بعد أن «تأكدتْ» من غفوتي، عن حلمٍ يراودها مراراً، وكنتُ أسمعها متظاهراً بالنوم حين أسرّتها بأن الرجال أصحاب الأسماء المنقوشة على ليرات قلادتها قد زاروها تباعاً في منامها، وأنهم أجبروها على ممارسة الجنس، ففعلت نزولاً عند رغبتهم «النورانية» وقد شعرتْ بمتعة عظيمة لم تشعر بها من قبل، فقد كانوا فحولاً يشعّ النور من وجوههم. ولخمسة أيام متتالية تحمّمت أمي صباحاً، مباشرة بعد الاستيقاظ من نومها كونها على قناعة تامة بأن عدم الاستحمام يفسد صلاتها... لا أدري لماذا تلمّستُ الفرح والنشوة في كلماتِ أمي الهامسة، وخفتُ عليها من غضبة والدي إنْ عرف بقصة مناماتها الخمسة المتتالية والعابقة بروائح أجساد خمسة من شيوخ «المعبد المبارك»...
■ ■ ■

حين كنتُ أخوض معركة الامتحانات الثانوية، وتجرعتُ مرارتها وخوفها وقلق الليالي التي تسبق يوم الامتحان، قررتُ مباشرة دراستي الجامعية في البلاد البعيدة، وكنتُ أدرك حينها أن ذلك صعب المنال، لكنني أفصحتُ عنه لوالديَّ حالما أنهيت امتحاني الأخير... وضع والدي كفه اليمنى على فمه وأطرق ناظراً صوب الأرض كعادته حين يفكر في أمر عصيب، واغرورقت عينا والدتي بعد أن أعلنت عدم قدرتها على تحمل مرارة الفراق، لكنها وبعد يومين من ظهور نتيجة الامتحان التي كانت مفرحة، دسّتْ في يدي مبلغاً صغيراً، طالبةً مني التقديم وإكمال معاملة السفر... وكأنها أدخلتني الجنة تلك «الأمينة»... وضعتْ فيض حُبها بظهري ودفعتني بحنان ملائكي صوب فرحٍ غامرٍ ما زلتُ أتذوقهُ بسعادة...
وحين حلَّ موعد سفري، وضعتْ «أمينة» في كفي بعد أن انزوت بي فوق سطح الدار، مبلغاً من المال لم أكن أحلم به، ولم أكن أعتقد بأن بيتنا المتواضع يحتوي على مبلغٍ مثله، قالتْ:
«هذا كل ما أملك، خذه واحرص عليه لتصنع به مستقبلك، إن ضاع، ضاع معه المستقبل...». قالتْ ذلك وأنا أنظرُ إلى قلادتها وجيدها وشعرها الفاحم الذي عمدتُ على مداعبته بشفتَيَّ وأنا أحتضنها... كانت تلك، المرة الأخيرة التي أرى فيها قلادة «أمينة».
يا إلهي كم كان المبلغ زهيداً!... ذلك ما شعرتُ به بعد أسبوع من وصولي إلى بلد الثلج، ولولا السكن الجامعي لاتخذتني الأرصفة ضيفاً دائماً تجود على عظامه بالبرد والوحشة...
اشتغلتُ بالصحافة كوني كنت أدرسها، والحقيقة، كان العوز يقف وراء ذلك القرار، الذي بدأت أقطف ثماره منذ الأسبوع الأول...
ظلّت قلادة «أمينة» أنيستي في غربتي، وكنت أستعين بمخيلتي وذكرياتي حين تنهشني وحشة الغربة، لأستحضر ذلك الجيد الدافئ المطوّق بالذهب، وكثيراً ما احتضنتني الذكرى لأغفو داسّاً وجهي برقبة أمي، متحسّساً حلقات سلسلة قلادتها بين شفتَي، لكن كل ذلك تغير، منذ أن أخبرتني أختي في مكالمة هاتفية مطوّلة، بأن أمي قد عمدت إلى رهن قلادتها عند مرابية تدعى «مُلكيّة» لتؤمّن لي ذلك المبلغ الذي منحتني إياه عند السفر... لم أصدق ما سمعت، وحين أخبرتُ أختي بأنني رأيت القلادة على صدر أمي يوم سفري، أخبرتني بأن ذلك كان متفقاً عليه بين أمي والمرابية حيث اتفقت على تسليمها القلادة بعد سفري مباشرة...
صارت قلادة «أمينة» كابوسي الليلي، تزورني كل ليلة لتحكي لي قصة المرأة التي عشقت ابنها ومنحته أعزّ ما تملك، منحته قلادتها، مهرها، حبها لزوجها، أو، كل «ثروتها»...
وكي أتخلص من ذلك الكابوس، دلّتني نفسي إلى علاجها، إلى كتابة قصة قصيرة تحكي حكاية «قلادة أمينة» وبالفعل، خفّت وطأة الكابوس على روحي، حين كتبت القصة ونشرتها في إحدى الصحف الرئيسَة في بلدي تحت عنوان «قلادة أمينة» وقد أسهبتُ مستعيناً بمخيلتي، في تفصيل تفاصيل المضاجعات الخمس، في ليالي «أمينة» الخمس التي حلمتْ باحتضان أجساد الشيوخ الخمسة، وقد أسميتهم كما جاءت أسماؤهم المنقوشة على ليرات القلادة...
لم يمر شهر على نشر القصة، حتى أصدر الشيخ العجوز «سادر المبارك» فتواه بإهدار دمي كوني مرتداً...
ماتت «أمينة» وبعدها بثلاث سنوات ماتت المرابية «مُلكيّة»، وصارت قلادة أمي إرثاً توارثه أحد عشر ابناً من أبناء المرابية... وظلت مدينة النهر تُدعى بـ «مدينة المعبد».

* كوبنهاغن/ العراق

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا