قبل الشروع في كتابة فصول من حياتها ورحلاتها «الناقصة»، جالت الناقدة العراقية فاطمة المحسن طويلاً في العراق، وفي تاريخه الأدبي ونهضته وحركاته الحديثة. عادت إلى التحوّلات الثقافية الأولى في بلادها، في قراءة نقدية لمفهوم الارتقاء المديني أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إضافة إلى البحث في صراع القيم القديمة وتجليّاتها الحديثة. فعلت ذلك، كمحاولة لرسم ملامح ذلك العصر الصاخب بالتساؤلات الذي ظلّ في مرحلة التشكّل، في كتابها القيّم «تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث» (2010 – منشورات الجمل). بعد أربع سنوات، مدّت أوصال تطلعات النهضة العراقية بحركات الحداثة المحليّة وطموحاتها في كتابها «تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق» (2014 - الجمل)، كمن يحاول لمّ شتات الأوساط الثقافية العراقية التي تبعثرت بسبب المنافي والتاريخ السياسي للبلاد. أسماء وصور، وتيّارات فنيّة وتشكيلية وثقافية احتلّت مؤلّفاتها التي استعادت ووثّقت فيها لروّاد الفن والأدب الحديث في منحوتات جواد سليم، وقصائد السيّاب، والبياتي، والريادة الفنية التي ظهرت مع «جماعة بغداد للفن الحديث» (1951)، انطلاقاً من نقاش الأصالة وهموم البحث عن الهويّة الجماعية في الميثولوجيا والإرث الجمالي الإسلامي، وفي التفاعل مع المدارس العالمية والغربية الحديثة.



الكتابان توّجا تجربة طويلة للمحسن في الكتابة النقدية في الصحف العراقية والعربية، ورسّخا ابتعادها عن الكتابة الأدبية التي كان لها فيها مساهمات خجولة، بنشرها عدداً من القصص القصيرة في تلك الصحف. الكاتبة العراقيّة التي التحقت بالعمل السياسي، وكتبت في «طريق الشعب»، جريدة «الحزب الشيوعي العراقي» مع الشاعر العراقي سعدي يوسف، كان مصيرها المنفى كسواها من المثقّفين العراقيين، الشيوعيين تحديداً ممن قوبلوا بحملات الترهيب والتنكيل من قبل نظام البعث. هكذا أمضت 20 يوماً في المعتقل، قبل أن تجد طريقها هرباً إلى بيروت. محطّات تتناولها سيرتها «الرحلة الناقصة» التي ستصدر طبعتها الثانية قريباً عن «منشورات الجمل»، بعدما كانت قد صدرت نهاية العام الماضي عن «دار المدى». تحمل السيرة الشاملة ملامح أجيال وأسفار مختلفة، وومضات من تاريخ العراق الأدبي والثقافي، خصوصاً في المنفى الذي كانت قد خصّصت مؤلّفاً لكتّابه العراقيين في عملها «أدب المنفى -–قراءة في الأدبيات العراقية» (2018). المنفى له حصّة كبيرة في سيرتها أيضاً. هناك محطّات مفصّلة عن المدن التي تنقّلت فيها، مثل بغداد والناصريّة وبيروت التي كانت محطّتها الأولى خارج العراق. في مقاهيها وبين مثقّفيها، عاشت المحسن في العاصمة اللبنانية حرّية استثنائية كامرأة، كما عملت في الصحف الفلسطينية الصادرة فيها إلى جانب عدد من الكتاب العراقيين. انتقلت بعدها إلى بودابست التي نالت فيها شهادة الدكتوراه عن رسالة كتبتها عن التجديد في شعر سعدي يوسف، لتعود إلى دمشق حيث عملت كمحرّرة في مجلّة «الحرية». كل هذه الأيّام والأسفار الفردية، تقلّبها المحسن إلى وثائق وشهادات ثقافيّة جماعيّة، تتجاوز العراق، لتطال المشهد الثقافي العربي ووجوهه؛ إذ إن المحسن التي آثرت الابتعاد عن الكتابة الأدبية في تجربتها الكتابية، لا تتخلّى هنا عن عينها النقدية حتى لدى استعادة ذكرياتها الشخصيّة. تفسح مجالاً للشعراء العراقيين، وتجاربهم، ولشخصياتهم وعلاقاتهم من خلال ملاحظات فردية على هامش تلك التجارب، مثل بلند الحيدري، ويوسف الصائغ، وسركَون بولص، وفاضل العزاوي وآخرين. داخل رقعة الكتاب، تنتقل المحسن بسرد رشيق بين الأمكنة والذكريات وتجارب الكتّاب العرب أيضاً أمثال عبد الرحمن منيف وغالب هلسا وزينب الأعوج، إضافة إلى زوجها وشريكها الراحل فالح عبد الجبار الذي تهديه الكتاب، وتستعيد أيامها معه، خصوصاً خلال إقامتهما الأخيرة في لندن.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا