1. ورقةٌ تطفو من غير خوف
جفوني سقطت على عيني وبَسْماتُ العابرينَ حطَّمت عظامي
صدري هذا الملفوف في زجاجة، بلا نوافذ ولا نسيم، حتى إن صورة أبي
كلما نطت فيه انزلَقَت في البئر
يا أخي لا تأخذ الجملة وتعدو نحو حكاية عمياء، أنا لستُ عجوزاً و لا شاباً
لستُ روحاً ولا ظلاً ولا بقعةً ملونةً في ظَهر لص
أنا مجرد اسمٍ يرتعشُ
كلما ضرب حروف اسمِكِ بحجرٍ
التصَقَت روحه به



2. أخوكم و حبيبكم
على أقدمِ سريرٍ في منزلنا وفي الحيِّ كلهِ، أُفَضِّلُ النوم منذ كنتُ صغيراً، ربما لأنه ينكمشُ ويتضاءَلُ كل عامٍ مثل جَدِّي وحكاياتِ أمي، وربما لأن صوت لهاثه الدائم يدل على محاولاته الجسورة كي يبدو حياً أمام الجميع، وهكذا أنا أخفي عنهم كوني فارقتهم بالفعل في الهزة الأخيرة وأموتُ فعلاً وأنا أمسحُ شَكَّهم كل يومٍ بطريقتي. الشبحُ التائهُ الذي ما زال يبكي أحبته وموتاه كل فجر، والذي يتشكَّل على هيئة آنيةٍ أو ممرٍّ أو حتى عصفورة، هو أنا أخوكم وحبيبكم. قاربُ الأحلام المرتعشةِ هذا، يصير غنياً بلا توقف، حتى إنه يضع يده على بقعةٍ جديدة في ذاكرتنا كل يومٍ أقول بإخلاصٍ وتجرُّدٍ: لقد نجَحَ تماماً في اقتناصنا بمهارةِ اللصوص المُحَنَّكين: مرةً من الضحك المجنون ومرةً من الخوف ومرةً من الأصوات المكتومةِ في قصص المساء.

ألكسندر لِيْبِرْتِ ــ «سنجار، ولادة الأشباح» (فيلم وثائقي، 2020).

منذ عدة أيام دُخْتُ ووقعتُ بالقرب منه، لكني تلكّأتُ في القيام كي أفاجئهُ وأدلف إليه من الأسفل. استمتعتُ حقاً بكل تفصيلةٍ يقاوم بها هذا المجرم: جدائلُ شَعْر تخصُّ جثثاً مرت بجوارهِ لا أدري كيف شَدَّها من الجثمان ونحن نحمله ونسرع. عظامٌ وأسياخُ حديد ورمالٌ ساخنةٌ وكلماتٌ صدئةٌ وألواحٌ من الزجاج كيف جلبها وعجنها هذا الملتاث، وكيف صاغ هذه الجبائر التي تقبض على ضلوعه كي لا تطير، الكرات الملونة التي بتُّ أوقِنُ أنها سر طاقة الحياة التي أُحِسُّ بها كلما احتضنته فأسنّ سكيِّني وأقتلُ أو تعود رومانسيتي وأحب زوجات الجيران وأتذكر غناءَهن المنقوع في الحسرة كذلك أظن أنني عندما سأموت، لن يخطف من جثتي شيئاً فأنا قريبُهُ وشبيهُهُ، حتى إننا كلما قررنا أن نغمض عيوننا وننسى، أنا أو هو، يدقُّ الغبار الثقيل البابَ ويغطينا حتى يعلو فوقنا كهفٌ عميقٌ يخيفُ الأعداء ويجلب الأرواح الطيبة، تماماً كما كان يحدث قديماً كلما أصابَ الخوفُ فارساً مجنوناً باليأس أو أصابتهُ الأفكار السيئة بالدوار.

3. تصفية
أصفي نظراتي أولاً بأول، أشطبُ وأخفف وقد أستخدم سكاكينَ ومثقاباً. أتمناها متاحةً وخفيفةً لتشبه الرصاصة التي يشيلها أبي ولا يطلقها أبداً يعني ناراً متوترةً، شجاعةً وخجولةً، تكذبُ لكنها ترجع بأقدامها للخلفِ وقد تسقط في الحفرة وقد تبتسم في هذا الفضاء الممطر، كان لا بد أن أجعل بَصَّاتي آمنةً، بعد أن أوقفت الهمس نهائياً ووضعت خطواتي في صندوق واتفقت مع الأحلام أن تخفف من سرعتها فيقتنصها القط الضال أو تخش بيوتاً أخرى، وهكذا أرجع دائماً بلا خسارات فادحة، أعود كأنني سَحْبَة نَفَسٍ رائق يليق بالنور الباهر الذي يشوفني كل مساءٍ، على كفِّك الميتة.

4. مأثورات
صوتُ الغول من فم أمي يزيدُ دقات القلب
والذكريات الخرساء كذلك
مقتلُ الآباءِ في المذبحة يزيدُ دقات القلب
وعبور الطيورِ من الشرفةِ كذلك
الركضُ في سكَّة النوم يزيدُ دقات القلب
وابتسامتي للذئبِ الذي في المرآةِ كذلك
النورُ الطالع من خلفي يزيدُ دقات القلب
والظلام المستكين تحت المقعد كذلك
ذلكَ الصوتُ الغامض يزيدُ دقات القلب
والصدى النائم فينا كذلك
موتُكِ يزيدُ دقات القلب
و حضنك الذي لا يموتُ أبداً.

5. نَشَّالُ أرواحٍ
في السوق قابلتُ نشالاً فوق رأسه هالة نور، استضفتهُ لأسرقها، لكنه ابتسمَ بعمقٍ فأيقنتُ أنه نشالُ أرواحٍ. رجوتهُ أن ينظر في قلبي فتنهد مرتين، لأفهم أن ميعادي لا يزالُ بعيداً. أخرجت له كل ما خزنته للشتاء فأكله بسرعة، ثم ذَكَرَ اسم حبيبتي ببطءٍ. جثوتُ أمامه وأنا أبكي، فهزّ رأسه موافقاً على أن يستبدلها بأمي. عدتُ أجثو أمامه لكنه أغمض عينيه ونام. اقتربتُ منه وأنا أشحذُ سِكِّيني، فابتسمَ وربَّت عليَّ وذهب. تنهدتُ وأخذت أراقبه من النافذة حتى غامَت عيوني. عدتُ لسريري حبواً، وبعدها بدأ جسمي يشحب وفوق رأسي تنمو هالة نور.

6. تَدَاعِي الفصول
الجِنِّيَّات اللاتي أنقذن الربيع من الوقوع في البئر
والبئر الذي حلم بأن يعود نجماً
يتعلم الحبو على سجادة السماء
السماء التي ما زال القاتل يطويها في كراسته
لتأخذ بيده لما يصير عجوزاً
وهارباً
كانت رحلة هروبنا يا أصدقاء
في هذه الصحاري بالذات
لأنها أقل مكراً
وخيالها بلا شياطين ملونينَ
ولا مَرَدة
ثم اصطادَتْنَا أوراق الجد
وممراتٌ وحوائط
كانت منسية في الحكاية
فصرنا عرايا، بلا جِلْد ولا ظِلال
لكنَّ الأرضَ اعتادت أن تعيدنا مرة أخرى
كلما ترِفُّ عيونك
وتنفرط عظامك
ويلمّها الحضن الذي قالَ في الشتاء الماضي
أنا الفخ الأعمى
أنا الذي أُحَلِّق داخلي
ولا تحتويني بئر

7. رسائلُ الضفة الأخرى
أودُّ أن أقفزَ فوق النهر
لأُمْسِكَ بالضفة الأخرى
وأستأنفَ طريقي
للقلعة الكبيرة.
النهر يعوقني
والجميلةُ المأسورةُ
رسائلها تُشكشِكُ عظامي
رسالتها الأخيرة كانت غيمةً تبتسمُ
ثم تبكي
والتي قبْلَها
كانت وردةً بِطَلَّةٍ من حرير
تنتقلُ من حكايةٍ لأخرى
وتترك أريجاً خافتاً
وصفيراً حزيناً
بالأمس كنتُ وحدي
وكنتُ خائفاً
بحثتُ عن صورة أمي لأصير جريئاً
واصطدتُ خفاشيْن سَمينيْن
فركتُ الجَنَاحاتِ
وألقيْتُ رمادهما في طبقي
وهكذا امتلأ البيتُ بالعواء
وصرتُ وحشاً يطير فوق النهرِ
يطوي الضفة الأخرى في جيبهِ
ويصطحبُ الجميلة التي تراهُ جميلاً
والتي تتزينُ مدينتنا الصغيرةُ
بذكراها
كلَ حصاد
8. الذاكرة
جارتنا التي كلما لبست أثواباً
فوق بعضها
صارت عارية.

* بني سويف/مصر

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا